تونس: تغيير الواجهة لا يعني عودة إلى الديمقراطية

نور الدين العلوي
"دول الجوار الأوروبي تقرأ الوضع التونسي أفضل من أهل البلد ولديها معطيات لم تتوفر لنا برغم ما نزعمه من متابعة لصيقة"- إكس
"دول الجوار الأوروبي تقرأ الوضع التونسي أفضل من أهل البلد ولديها معطيات لم تتوفر لنا برغم ما نزعمه من متابعة لصيقة"- إكس
شارك الخبر
صدر مقال صحفي في صحيفة إيطالية قريبة من رئيسة الحكومة ميلوني، يتعلق بتونس ويدور حول احتمال تقدم شخص تونسي معروف في إيطاليا وفي عالم الأعمال عامة إلى رئاسة تونس. وقدم المقال احتمالات واختيارات سياسية تنفيذية لكيفية تمكين الرجل من المنصب في مرحلة سميت مرحلة ما بعد قيس سعيد. تلقف تونسيون كثر المقال بين مرحب بكل خيار سياسي ينهي حقبة الرئيس الحالي، وبين ساخر من المقال والجهة الكاتبة أو المُمْلِية والمصدرة، وبين جهة ثالثة انطلقت في خطاب سيادة غاضب يرفض كل فكرة تدخل في الشأن التونسي.

وكان يمكن أن يمر المقال فلا يهتم به غير رواد فيسبوك التونسي وقد تقلص عددهم تحت تأثير المنشور عدد 54، لكن الرئيس ظهر غاضبا ومنددا بالتدخل الخارجي فزاد من أهمية المقال ومن فعالية الحديث في أمر الاستبدال السياسي. لن نخوض هنا في الخيارات التقنية التي أوردها المقال لاستبدال الرئيس، ولكن سنطرح السؤال التالي: هل انتهت فعلا حقبة قيس سعيد من تونس؟ ولماذا ظهر مرعوبا في موقف دفاعي؟

هل الحقبة شخص أم فكرة؟
نموذج حكم قيس سعيد لا يرتبط بشخصه بل بسياق تفكير عام يخشى الحرية والديمقراطية. وهذا السياق سابق على ظهور الرئيس وهو الذي مهد له ثم أسنده في سنوات حكمه، وهذا السياق باق ويترسخ في تونس ونراه يستمر بعد غياب الشخص سواء بإرادته أو بقوة خارجية

بعد سنوت ست من حكم قيس سعيد (2019-2026) نصل إلى فكرة واضحة وبسيطة: نموذج حكم قيس سعيد لا يرتبط بشخصه بل بسياق تفكير عام يخشى الحرية والديمقراطية. وهذا السياق سابق على ظهور الرئيس وهو الذي مهد له ثم أسنده في سنوات حكمه، وهذا السياق باق ويترسخ في تونس ونراه يستمر بعد غياب الشخص سواء بإرادته أو بقوة خارجية.

هذا السياق تبنيه وتحميه أطراف متعددة ومتباينة لم تجد لها مصلحة في قيام تجربة ديمقراطية حقيقية تستند على مطالب ثورة 2011، لكن تباينها في الواقع لم يحل دون توافقها على منع تطور التجربة الديمقراطية.

من أهم مكونات الطيف الذي نراه أعاق الديمقراطية؛ كل مكونات طبقة رأس المال أو (مجازا البرجوازية التونسية) التي بنت ثروتها وحازت مواقع قوتها ونفوذها منذ حقبة الهادي نويرة (السبعينات)، وصولا إلى بن علي، وفي أغلبها قطاع خدمات السياحة والبنوك والمناولة الصناعية الخفيفة التابعة للخارج. هذه الطبقة رفضت ديمقراطية تهدد أسلوب حياتها وعملها وتنذرها بوضع أساليبها وارتباطاتها تحت مراقبة الشارع أو برلمان منتخب بشفافية. تكتلت الطبقة في حزب نداء تونس وصعدت الباجي قائد السبسي ضد الثورة، ثم لما تحلل الحزب وقفت بقوة وراء قيس سعيد رغم خطابه العالي ضد الفساد، وهو خطاب للتسويق لا للتنفيذ، فلم يصل أبدا إلى النبش في ثروات هذه الفئة واكتفى بصيد بعض الرؤوس لتمويل ماكنته الإعلامية.

هذه الطبقة وجدت لها سندا في التيارات الأيديولوجية الاستئصالية من اليسار ومن القوميين، فوقع ما يشبه تحالف مصالح ضد الديمقراطية غنم منه اليسار والقوميون استبعاد المكون الإسلامي من المشهد السياسي، وهو برنامجهم الوحيد منذ ظهروا في الساحة وغنمت منه طبقة المال عدم المساس بنظام عملها فظلت "تُعَكْعِكْ"، وهو تعبير تونسي عن الكسب المشبوه.

اجتمع كل هؤلاء وراء قيس سعيد لا محبة في شخصه ولا استحسانا لأسلوبه، بل لتظل ماكينة بن علي الاقتصادية والثقافية تشتغل كما لو أنه لم يغب عنها. وكل هؤلاء لم يبدر منهم أي انشغال بتدني مستوى الحريات العامة ولا بالمحاكمات المفبركة للسياسيين الذين بدر منهم ما يشبه المعارضة، بل برروا بكل اللغات ما أصاب التجربة ناسبين في مونولوج موحد كل الفساد لحزب حركة النهضة الذي يُتهم بأنه حكم العشرية السوداء (وهي تسميتهم لعشرية الحريات الباهرة).

هذا الوضع وهذه الفئات قادرة بعد على البقاء والسيطرة ولو غاب عنها قيس سعيد بأي سبب من الأسباب، لذلك يصير تغييره لو حدث مجرد تغيير الواجهة الخارجية للنظام، ويظل تغيير الواجهة في جوهره ترسيخا لهذا العمل غير الديمقراطي الذي يحكم تونس فعلا.

الإملاء الخارجي لماذا؟

يعتبر المقال (الإيطالي) تدخلا سافرا في الشأن التونسي، وهذه يتفق فيها حتى ألد المعارضين لقيس سعيد وحقبته (ونحن منهم)، فأمر الحكم يدبره نظريا أصحاب الأرض المعنيين بشأن بلدهم. وإذا كان ظهر الآن من يرحب بأي ضغط خارجي على المرحلة وواجهتها فإنه يدخل تحت باب انتفاض المقهور وليس موقفا عقلانيا، لأن أي قبول بإملاء أو (اقتراح) خارجي لن يتوقف عند تغيير شخص بل سيعني السيطرة على المستقبل بواسطة موالية للخارج وإن كانت من أهل البلد. وتتوفر في الشخص المذكور خصال التكنوقراط المصنوع على عين الغرب بعناية فائقة.

إذن لِمَ ظهر الشخص الآن؟ ويراد تسويقه؟ دول الجوار الأوروبي تقرأ الوضع التونسي أفضل من أهل البلد ولديها معطيات لم تتوفر لنا برغم ما نزعمه من متابعة لصيقة.

نسب البطالة وصلت إلى حد الجوع والأسعار أفلتت من كل رقابة والعملية الاقتصادية برمتها بدت عاجزة عن الخروج من مأزق بنيوي صنع تحت عنوان القطيعة مع مؤسسات التمويل الخارجي. والحقيقة أن التمويل الخارجي لم ينقطع لكن البلد وصل إلى وضع العجز عن السداد؛ هنا بدا احتمال الانفجار أقرب من كل حقيقة يمكن تمويهها، والانفجار إذا حصل في أية لحظة لن يقف عند حدود يمكن حصرها جغرافيا.

بعض الأرقام تتحدث عن أكثر من مليون مهاجر أفريقي مقيم في تونس بشكل غير قانوني وينتظر الانفلات نحو أوروبا، وتونس تمنعه حماية لبلدان الضفة الأخرى مقابل ملاليم قليلة لا أحد يعلم كيف يتم التصرف فيها، فضلا عن آلاف التونسيين الذين صار أقصى طموحهم الانتقال إلى الضفة الأخرى. صورة تونس واضحة على الضفة الأخرى، هناك خطر يتربص بها من هنا ويجب استباقه بكل وسيلة.

هناك حديث يروج عن إقامة معسكرات اعتقال بتمويل أوروبي على الأرض التونسية، لكن يبدو أن كلفته السياسية غير محتملة في الغرب، فصورة معسكرات الاعتقال في غزة صارت غير مقبولة شعبيا ليتم إقامة مثلها في تونس. وقد ذهب البعض من قراء المقال (الإيطالي) إلى أنه ابتزاز إضافي ليتم تسهيل إقامة المعسكرات مقابل الإبقاء على النظام بتمويل جزيل.

ونذهب إلى أن المقال هو قراءة استباقية واستعداد عملي لانفجار باتت تؤكده علامات كثيرة يُخشى أن يستعيد بها الشارع المقهور ثورة فعلية تتجاوز ضعفه الأول الذي أودى به.

هل هذه الثورة الثانية ممكنة؟
المقال هو قراءة استباقية واستعداد عملي لانفجار باتت تؤكده علامات كثيرة يُخشى أن يستعيد بها الشارع المقهور ثورة فعلية تتجاوز ضعفه الأول الذي أودى به

نجيب بسرعة بلا، فمهما كانت صيغة استبعاد قيس سعيد فإن السياق الداخلي لم يتطور في اتجاه مراجعات جادة لما جرى منذ تفريغ الثورة من زخمها وفشل الانتقال الديمقراطي لاحقا.

ما زال خطاب الاستئصال مسيطرا على الإعلام رغم الأثمان المدفوعة من حريات الجميع، وما زالت مكونات كثيرة من الطبقة السياسية ترفض نقد تجربتها الحزبية والفردية وتمارس تعنتا غبيا وتلقي بأخطائها على الآخرين وبالخصوص على الإسلاميين، جاعلة منهم سبب الشرور كلها. (لم يحاكم أي قيادى إسلامي بتهم تتعلق بالفساد المالي أو الأخلاقي أو الخيانة)

الساحة ما زالت موبوءة بكل الأدواء التي جاءت بقيس سعيد، وحديث النقد الذاتي غائب كليا عن خطاب السياسيين ولا نسمع أي متكلم بخطاب مراجعة يقر بخطأ واحد من الأخطاء وهي جليّة.

هنا يمكن لقيس سعيد أن يمد رجله ويطمئن فالساحة لا تزال تخدمه ويمكنه أن يمارس خطاب السيادة ويتنمر ضد المقترحات الخارجية. لكن ظهوره مباشرة بعد تداول المقال كشف ضعفا فادحا في الرد، بما ضاعف من مصداقية المقال الايطالي.

ليس لدى الرئيس (وقد استحوذ على كل السلطات) ما يقدمه لحل المعضلات الاجتماعية ، وليس لديه حلول للديون التي حل أجل خلاصها هذا الصيف وخطاب السيادة العالي تحول إلى سبب للتندر، والمحاكمات السياسية أفقدته كل شرعية أخلاقية. هل هو متفطن لوضعه ومستوعب اللحظة السياسية والاجتماعية؟ نشك في ذلك شكّا كبيرا، وقد زاد اضطرابه في شكّنا بقدرته على الخروج من تحت الضغط الغربي الذي لا يمكنه إخضاعه لمحكمة تونسية بملف فارغ.

متى يظهر البديل الحقيقي؟ بقدر يقيننا من وصول هذه المرحلة إلى نهايتها المنطقية فإنا متيقون من أن الحل لن يكون اسئنافا للثورة أو حتى لدستور 2014 والبناء عليه. سيتم تصنيع حل من داخل الانقلاب (بوجه مهاجر أو بوجه محلي)، لذلك نتوقع أن الذين أحاطوا بالرئيس لحظة انقلابه ما زالوا يملكون القدرة على الالتفاف على القادم الجديد وتسميته بمبعوث العناية الإلهية، فقد تجرأوا على وصف الباجي قائد السبسي بذلك والماكنية الإعلامة لا تزال مملوكة لهم حصريا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)