في أن إسرائيل الكبرى لن تكون

نور الدين العلوي
"لم يرسم الكيان حدوده الجغرافية منذ قام وترك الباب مفتوحا للتوسع على الأرض ثم على الورق"- جيتي
"لم يرسم الكيان حدوده الجغرافية منذ قام وترك الباب مفتوحا للتوسع على الأرض ثم على الورق"- جيتي
شارك الخبر
هذا قول متفائل جدا ولكن فيه الكثير من الواقعية، وهو مبني على وقائع مترابطة تؤدي إلى يقين في أن حلم إسرائيل الكبرى كما قام في أذهان غلاة الصهيونية لن يكون أبدا. غير أن سقوط الحلم الصهيوني سيكلف أثمانا كثيرة بعد، فالمنهزم سيحرق الأخضر واليابس قبل أن يتلاشى. سنجمع هنا مؤشرات كثيرة ونحاول قراءتها في ترابطها التاريخي لنخلص إلى استحالة تحقق الحلم بصيغته التي عرضت على العالم فظل مشدوها لا يحير، أما زمن التلاشي والسقوط فسنحجم عن تحديده حتى لا ندخل في الشعوذة الاستراتيجية.

صورة الكيان تتحطم

لم يرسم الكيان حدوده الجغرافية منذ قام وترك الباب مفتوحا للتوسع على الأرض ثم على الورق مكتفيا بخطين أزرقين؛ أوَّلَهما العالم على أنهما النيل والفرات كحدين فاصلين لإرض إسرائيل الكبرى. بعد ثمانين عاما ما زال الخطان الأزرقان في مكانهما على القماشة والكيان محاصر بعرب يكابدون وجوده ولكنه لا يفلح في الهيمنة عليهم جغرافيا ولا نفسيا. عقد اتفاقيتا سلام مع بلدين مجاورين وظن أنه أخضعهما لنفوذه، لكن المعاين أن التطبيع الورقي لم يتحول أبدا إلى تطبيع شعبي، وظل وجدان الشعبين معاديا للكيان، وظل النظامان المطبعان يغطيان الاتفاقيتين بالقهر السياسي بما يدمر كل شرعية سياسية مبنية على التطبيع، فضلا على أن التحجج بالسلام من أجل تحقيق التنمية لم ينتج تنمية تشبع الشعوب وتنسيها جار السوء.

ترسخت فكرة جديدة في زمن قياسي: كلفة إسرائيل في المنطقة وفي العالم يدفعها المواطن الغربي (الأوروبي والأمريكي وليس العربي فقط) مباشرة من ضرائبه وبالتالي من قوته المباشر

ومهما ساء ظننا في لحظات الانفعال بالشعبين المصري والأردني فإنهما شعبان مقاومان لم يستسلما أبدا للتطبيع، وهذا مؤشر مهم جدا يؤدي إلى قول واضح: لن تقبل الشعوب ولو تحت قهر الأنظمة أن يكون الكيان جزءا من المنطقة. وها نحن نعاين التململ السوري الشعبي ضد احتمالات مهادنة ولو لتأجيل معركة حتمية (بحجة اختيار الوقت المناسب لخوض حرب)، دون أن نغفل المقاومة في لبنان الذي لم يهدأ منذ أكثر من نصف قرن رغم الأثمان الباهظة. هذا عن الجوار القريب، فما بالك بالجوار الأبعد، ففي تونس البعيدة ولد الشعار العظيم "الشعب يريد تحرير فلسطين"، ومنها صار الشعار كونيا وإن تعطل المرور إلى التنفيذ. نتحدث هنا عن بيئة شعبية متجانسة في رفضها للكيان ولديها استعدادات للتضحية كلما وجد ثقب إبرة للتعبير عن الرفض.

حرب الطوفان العظيمة وسعت الفتق على كل راتق

إذا طوَّل المحلل باله فإنه يمكن أن يجد في اتفاقيات أوسلو نفسها مؤشرا على سقوط الحلم، فقبل أوسلو كان الفلسطيني يقاوم من خارج الأرض المحتلة، وبعدها أمكن له إعادة إطلاق المعركة من الداخل المحتل مستعملا كل فجوة متاحة حتى بلغ مبلغ الهجوم في السابع من أكتوبر. لم تكن صورة الفلسطيني صاحب الأرض والحق؛ أوضح مما هي عليه بعد أوسلو (لندع جانبا أداء السلطة الفلسطينية الآن فهي عرض عابر)، فكل يوم يتأكد أن الأرض لأصحابها الأصليين وأن ما يفعلونه بالكيان المحتل شرعي، وما الثمن المدفوع من الأرواح والممتلكات إلا واجب يدفع ضمن سياق مقاومة تتلقى الاعتراف بها في كل حركة.

ولما جاء السابع من أكتوبر زاد في توضيح الصورة للجار العربي الشعبي أولا وللعالم. فخلال سنتين من تدمير غزة فهم العالم لأول مرة من المعتدي ومن الضحية، ونحن نشاهد تحولا عميقا في الموقف الشعبي العالمي والكثير من الموقف السياسي، وهو مسار بدأ مع السابع من أكتوبر ويتسع تأثيره إلى قلب نيويورك نفسها.

هذا الموقف الجديد بما هو حالة وعي، لا نظنه يتوقف أو يرتبك في صورة البدء في تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى؛ سواء بالاحتلال المباشر لأراض جديدة (كما يهرف العدو) أو بممارسة الهيمنة السياسية على المنطقة عبر استعمال القوة الأوروبية والأمريكية للدعم السياسي والعسكري وفرض تطبيع عميق على الأنظمة.

لقد ترسخت فكرة جديدة في زمن قياسي: كلفة إسرائيل في المنطقة وفي العالم يدفعها المواطن الغربي (الأوروبي والأمريكي وليس العربي فقط) مباشرة من ضرائبه وبالتالي من قوته المباشر. كانت هذه فكرة منسية مغيبة تحت ضغط إعلامي كاسر، ولكن الوعي انفجر بسؤال نسمعه على كل لسان: لماذا أدفع لإسرائيل من قُوْتي؟ وهذه ضربة كاسرة للمشروع التوسعي ثم للوجود نفسه.

سيسمع كل سياسي غربي شعبه يخاطبه بفصاحة: إن كنت تسند نفسك بخدمة الكيان فلن ننتخبك. وقد سبقت المجر سبقا يشرف كل شعب واع، أما إسبانيا الرسمية والشعبية فقد فتحت طريقا تاريخية تؤدي إلى زوال الخوف الشعبي الغربي من الكيان.

الحرب على إيران حرب اسرائيلية

انتبه العالم بسرعة قياسية إلى أسلوب الكيان في الابتزاز الأخلاقي، إلى حد القول بصدمة وعي: لقد خاض الأمريكي حربا ضد إيران تحت ضغط اللوبي الصهيوني الماسك بملفات إبستين. ورغم ذكاء رجل الصفقات إلا أنه عجز عن الإفلات من الضغط بما ورطه في حرب كشفت لكل ذي بصيرة أنها حرب الكيان وليست حربا أمريكية. صدمة الوعي نسمعها من هناك: "لقد خسرنا لأننا لم نحارب من أجل أمريكا"، وكُتب على الجدران: "لن نحارب من أجل طبقة إبستين".

يمكننا التقاط حالة من الإحباط واليأس الشعبي من فكرة الاحتماء بالقوة العسكرية الأمريكية؛ لقد غدر الأمريكي بحلفائه وقدم عليهم أمن الكيان. هذه صدمة وعي أخرى تشتغل بهدوء ضد الكيان وبالتالي ضد مشروع التوسع عبر التطبيع الذي خلق مظلة وهْم سماها الديانة الإبراهيمية

لم تدمَّر إيران بل أدارت حربها بذكاء ولا تزال تحقق مكاسب، وقد كشفت حدود القوة الأمريكية بما أسقط أسباب الخوف منها إلى الأبد. ونظن هذا أكبر انتصار تحقق على الأرض (هذا الغول المدجج لم يعد يخيف أحدا)، وسيتجرأ عليها العالم. ستظهر نهاية الخوف في تقديرنا في المنطقة العربية وفي بلدان الخليج العربي بالذات، فمهما أسأنا الظن بالعقل العربي السياسي في المنطقة فإن هناك قناعة تعبر عن نفسها بشكل جنيني بعد: الاحتماء بالأمريكي لم يعد مجديا. وهذا سيترجم في وقت قريب في تحركات وتحالفات أمنية واقتصادية بعيدة عن منطقة النفوذ الأمريكي المندحر، ويمكننا التقاط حالة من الإحباط واليأس الشعبي من فكرة الاحتماء بالقوة العسكرية الأمريكية؛ لقد غدر الأمريكي بحلفائه وقدم عليهم أمن الكيان. هذه صدمة وعي أخرى تشتغل بهدوء ضد الكيان وبالتالي ضد مشروع التوسع عبر التطبيع الذي خلق مظلة وهْم سماها الديانة الإبراهيمية.

ماذا بقي من الحلم الصهيوني؟

بقيت حالة من الخوف والتثبيط يبثها بين الناس المستفيدون من وجود الكيان ولو في نطاق جغرافي ضيق. لقد بني نظام عربي لم يتخيل أبدا زوال الكيان أو عجزه فتحول برغبة أو تحت الضغط إلى كيانات رديفة للكيان تقمع شعوبها من أجله، وقام بالتالي نظام مصالح اقتصادية مبني أساسا على وجوده وخدمته. وهو نظام لا يقبل التغيير، وقد أثبت قوته في مواجهة الربيع العربي رافع شعار تحرير فلسطين (لا نتحدث هنا عن تطبيع مباشر).

في صورة عجز الكيان عن التوسع والهيمنة تفقد منظومات الحكم العربي سببا رئيسا لوجودها، أي أنها ستجد نفسها في مواجهة شعوبها مرة أخرى وعليها مواجهة استحقاقات الحريات السياسية والديمقراطية. إن التململ الشعبي الذي نلتقط عليه مؤشرات كثيرة سينتهي بالانفجار (دون أن نزعم تحديد وقت أو موعد)، وسيتضاعف بسرعة بعد استشعار الأنظمة ضعف الحماية الغربية والأمريكية للأنظمة (لقد خلقتها ودعمتها من أجل حماية الكيان بشكل مباشر وغير مباشر وسترفع عنها الغطاء المكلف)، فإذا تخلى الغرب عن دفع كلفة حماية الأنظمة (وهي من كلفة حماية الكيان) ستتعرى أمام شعوبها. وتبقى المهمة النهائية بيد الشعوب، ومهما تأخر وعيها بالتحول الاستراتيجي الذي حدث بعد حرب الطوفان وبعد الحرب على إيران فإنه قادم.

سنختم بجملة شعرية: العالم العربي واقف على حافة ثورة شعبية تنهى إلى الأبد حلم إسرائيل الكبرى. لنتناول برشام الصبر ونراقب لحظة مجنونة تنهي إلى الأبد مشروع إسرائيل الكبرى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)