نجمِّع اللحظة أكبر قدر من الغباء الروحي لنقدم أضحية ولا نلتفت إلى غزة أو
السودان ولا لأي بقعة عربية مسلمة تحترق. نرصّف التبريرات من قبيل أن الحياة لا
يجب أن تتوق، وأن ألم البعض لا يمنع فرح آخرين، ونزيد: هل علينا أن نقيم مناحة
أبدية؟ لقد أسعفنا الدعاء في السوشيال ميديا فخفف عنا وزر غزة وأخواتها؛ نحن ندعو
لهم وهذا سيحررهم فلنحتفل. نحن لم ندرك معنى الطوفان لذلك فنحن نقدم
الأضاحي
ونُتْخَم أحيانا، لنخفف وزر غزة بوزر آخر (كآلية دفاع ضد تأنيب الضمير).
نحن لا نفلح في تجميع ثمن أضحية، ذهب كثير منا إلى الأسواق وتأمل الأسعار
والخرفان وعاد باكيا. لقد صارت الأضحية حكرا على طبقة ضيقة بينما تراقب الغالبية
بحرقة. هناك خبر يقين يمكن أن ينجينا من الغم؛
سوريا تصدر الخرفان للجزائر وقد
تثبتُّ فوجدت الخبر صحيحا. عجبي، الدولة الخارجة من حرب أهلية دمرت كل شيء تستعيد
عافيتنا لتصدر فائض إنتاج حيواني لبلد مستقر منذ سبعين عاما ونفطي فوق البيعة؟
يبدو أننا سنصاب بالجنون.
لنفرح لسوريا
كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير
أخبار سوريا تسر النفس؛ وهذه جملة تخفى ببراعة أن أخبار
تونس تصيب بالغم.
كيف استطاع الفلاح السوري ترميم القطيع في سنة واحدة وإنتاج فائض أزعج به جاره
الأردني فاتخذ رسوما جمركية ليحمي سوقه، ثم يصدر السوري إلى العراق وإلى الخليج
العربي ثم يفاجئنا بالتصدير إلى الجزائر. ما تزال النقاشات في تونس تدور حتى الآن حول
لماذا لم يشن أحمد الشرع حرب تحرير الجولان؟ يبدو أن الشرع خاض حرب تحرير الفلاح
السوري، لقد التقطنا أخبارا عن احتمال تحقيق الاكتفاء الذاتي السوري من الحنطة بعد
سنة مطيرة واحدة، لننتظر نهاية موسم الحصاد، بينما تعيش الدول المستقر مثل تونس
والجزائر وقد قيل المغرب أيضا أزمة أضاحي. كأن الفلاح في هذه البلدان توقف عن
تربية الحيوان؟ كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة
أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس
تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق
نشطة قبل أن تفكر في التصدير.
لا أدري بدقة ما فعل السوري بقطيعه فنما فأفاض، ولكن أعرف أن السياسات
الزراعية في بلدي لا تستجيب لحاجة السوق المحلي فضلا عن التفكير في التصدير. هناك
خبرة تاريخية متراكمة في تربية الحيوان في تونس (لقد كنا ذات يوم مجتمعا رعويا
يعيش من قطيع ويكتفي)، لكن يبدو أننا بقينا في الأسلوب القديم ولم نطور النشاط رغم
ما يحيط بنا من تجارب ناجحة. هنا ينفتح الحديث عن السياسات الزراعية في تونس، فنجد
أن النشاط بقي نشاطا ثانويا ضمن اهتمامات الدولة، وكل ما فعلته هو تقنين توزيع
الأعلاف المدعومة، لذلك وجد الفلاح دوما صعوبات جمة في زيادة عدد الرؤوس. وقد عانى
لوحده أثر الجفاف في السنوات الماضية، وهذا سبب رئيسي لتقلص العدد، لقد كان مربي
الأغنام يبيع النصف ليعلف بثمنه النصف الباقي، في عملية تراجع مستمر أقرب إلى حفظ
الوجود الأدنى من التطور الذاتي.
تقوم الجزائر -بجوار تونس لمن يجهل الجغرافيا- خلال هذه الصائفة بتوريد
ثلاثين ألف بقرة حلوب ضمن نشاط شركة "بلدنا" القطرية الجزائرية. هذا
عبور عملاق لتطوير قطاع تربية الحيوان، وهو غير بعيد عن تونس ويمكن استراق النظر
إليه. لماذا استثمر القطري في الجزائر وقد كان مر بتونس ذات يوم؟ هنا نعود إلى
النقاش المركزي في تونس والذي يستغرق كل الجهد وكل التفكير: لماذا لم يقم أحمد
الشرع بتحرير الجولان؟
نخبة المعارك الخاطئة هي السبب
كيف يمكن بناء هذا الربط اللاسلكي بين تحرير الجولان وتربية الخرفان؟ لا
يحتاج الأمر إلى إطالة السجع، يحتاج إلى متابعة اهتمامات النخبة التونسية الغارقة
في قضاياها المزيفة منذ سبعين عاما. تتميز هذه النخبة بقدرة عالية على صرف الأنظار
عن عجزها باختلاق قضايا لا تهمها، وهي تعيش مما تختلق وتكرر. فالشرع هنا ليس شخصا
بل هو احتمال سياسي يرعب النخبة التونسية، فهو تجربة جديدة في ترتيب الأولويات فيقدم
الضروري الحيوي ويعتبره استراتيجيا قبل خوض معارك ضرورية ولكنها قابلة للتأجيل.
ومقالنا في الأصل ليس عن الشرع وسياساته، بل عن نقيضه الذي يبذل جهدا جبارا في
المزايدة عليه ويغفل في الأثناء أزماته الحيوية.
إن تربية الحيوان وتوفير أضاحٍ كافية وكسر أسعار اللحوم لتكون في متناول
الفقراء ليس من النانوتكنوجيا، إنه أبسط من ذلك، يكفي الدولة فيه أن تتحرك في سوق
الأعلاف العالمية لتوفر للفلاح كفايته في سنوات الجفاف، ويكفي أن ترافقه بالبيطرة
في حفظ صحة قطيعه ليجمع خبرته مع الدعم فيكون نماء. هنا تفقد النخبة مواضيعها
الأثيرة، فهي لم تتدرب على خطاب التنمية بل ظلت تحبس نفسها وتقتات من قضايا مثل
تحرير الجولان من تونس.
هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون
لنواصل الربط اللاسلكي، عدم تحرير الجولان يعني أن حاكم سوريا الإسلامي
خائن وعميل للاستعمار، وهذا ينسحب على كل إسلامي سواء كان مع الشرع أم ضده ويخالفه
الرأي والفتوى. هو نفس موقف النخبة التونسية التي تقول الآن أن الكيان الصهيوني
خلق حركة حماس ليحارب بها حركة فتح الثورية، أي والله هذا الكلام يكتب في تونس وهو
موقف علني. (لم ننس مثقفا تونسيا كتب من قلب باريس في حرب 2014 أن حماس تمارس
البرنوغرافيا السياسية بعرض صور شهدائها).
هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في
العيد، وسواء كان حزنه
تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة
الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون. لقد تجاوز
الفلاح التونسي المجهول والذي أنقذ نفسه من الغرق في قضايا النخبة كل المحاذير
الرسمية وانطلق يغرس الزيتون؛ لم يقتصد في ماء الطبقات الجوفية ولم يخضع لشركة
الكهرباء العمومية. يثقب الأرض في الليل يستخرج الماء بالطاقة الشمسية، ويغرس
الزيتون ويدخل أسواق الزيت في العالم بنفس الإرادة الحرة، ويستعيد مكانة تونس في
بورصة الزيت العالمية متغلبا على الطليان والإسبان واليونان. سيفعل نفس الشيء في
قطاع تربية الحيوان وهذه سبب كاف للفرح، لا لجهة توفير الأضاحي فهذا تحصيل حاصل،
بل لقدرة عبقرية على تجاوز النخبة المشغولة بلحية أحمد الشرع.
فرحنا القليل قادم من فعل هذا الفلاح المجهول، إنه أقرب بروفايل مواطني
يمكن أن يقارن بالمواطن الغزاوي صاحب الطوفان، إنه عبقري الاعتماد على الذات
الناحت من لحمه مستقبل بلد ضيعته النخب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.