نعني بالردة هنا جملة الوقائع التي شكلت نكوصا سياسيا عن الربيع
العربي،
والتي ابتدأت بالانقلاب العسكري على التجربة
الديمقراطية الوليدة في مصر، وما
تبعها في تونس من انقلاب بدأ ناعما واستبد، وإلى ذلك الانقسام العميق في المشهد
السياسي والجغرافي الليبي، فضلا عن انقسام اليمن وفشل ثورته الديمقراطية.
لقد كان الربيع العربي حدثا عظيما ونضعه في الأحداث التي تثير
نقاشات عميقة
في السياسة والاقتصاد والحريات، وإليه نضيف حدثا أعظم وأكثر تأثيرا (نظريا) وهو
حرب الطوفان في غزة ثم الحرب الإمبريالية الصهيونية على إيران.
لقد كان المؤمل أن تطلق هذه الأحداث متابعة ومجتمعة موجة من التفكير في
الماضي والحاضر والمستقبل العربي والإسلامي، لجهة بلورة بدائل تحررية تذهب (كما
كان منتظرا) إلى إعادة بناء الكيانات السياسية على قاعدة الحرية والديمقراطية. لكن
يبدو لنا أن الردة كانت من القوة بحيث قطعت كل الطرق على هذه النقاشات وأفرغت
الوقائع من زخمها الفكري والسياسي وجمدت (وهو هدف الردة) كل نقاش حول المستقبل.
ندير القول حول الاحتمال الفكري والديمقراطي المهدر بفعل الردة، ونطرح الأسئلة
الضرورية عن مستقبل ردة لا تقدم حلولا لمشاكل عويصة تعفن الواقع وتجعل التفكير في
المستقبل جريمة.
نقاشات قبورية
كان الربيع والطوفان -ولا يزالان- مخيفين لأنهما لم يهددا وجود الكيان فحسب، بل هددا كل الخائفين من الديمقراطية باعتبارها مقدمة للتحرر وشرط له. وهذا يقتضي نفض القضايا القديمة والشروع في تفكير مختلف مُضْنٍ وشاقٍ ومؤسس
سادت في سنوات الردة محاور نقاش متجهة إلى الماضي متجاهلة التفكير في
المستقبل. يقود هذه النقاشات من نسميهم هنا بالشحروريين، نسبة إلى محمد شحرور الذي
كرس جهدا كبيرا لمراجعة مصداقية النص الديني بادئا بالتقليل من مصداقية الروايات
التاريخية للحديث الشريف، وعاضده في ذلك تيار القرآنيين (مثل الكيالي) الذين
يسقطون السنة كمرجع ديني. وقد امتلك هؤلاء كثيرا من السطوة على النقاشات الدينية
ولاقوا حظوة غريبة من وسائل إعلام الردة خصوصا في مصر. وبعض سطوتهم مستقى مما
يفرضه تيار تقديم الحديث على القرآن الذي جعل السنة مرجعا أعلى يحرم النقاش فيها،
وهو تيار سلفي مدخلي تفشى لدى أوساط واسعة من الإسلام السياسي. بين هذين التيارين أغرق
النقاش في دقائق العبادات فأغمض كل نقاش في السياسي والاقتصادي والاستراتيجي،
فتحقق للتيارين هدف لم يظهر في البدايات وهو صرف النقاش عن المطلوب الآن وهنا، أي
معركة التحرر الوطني من الاستعمار المباشر (الأرض المحتلة) وغير المباشر (بقية
الأقطار الخاضعة لتبعية مدمرة).
بالتوازي، أغرق اليسار العربي النقاشات العلمانية في مسائل الجندر والتمكين
للمرأة والحرية الجنسية وحق المثليين، جارّاً الإسلاميين على اختلافهم إلى خطاب
تكفير، فتحقق نفس الهدف بالانصراف عن السياسي التحرري، حيث يظهر الإسلاميون (أعني
حركات الإسلام السياسي) انفعاليين لا فاعلين.
في الأثناء، يمكث القوميون العرب حيث نبتوا أول مرة، يبذلون جهدا جبارا في
ترذيل الربيع العربي وتمجيد الدكتاتوريات الدموية مثل بشار والقذافي، فينتهون إلى
نفس النتائج وجميعها تفريغ الساحة من كل احتمالات التحرر والتغيير واستشراف
البدائل.
إنهم يجتمعون في نقطة واحدة: قطع الطريق على المستقبل.
الطوفان حرب لم تقع في أذهان
النخبة العربية
لقد حدث طوفان في غزة زلزل الكيان الصهيوني وأسقط سرديته القائمة على
مظلومية زائفة، وبقدر ما بلغ أثر الطوفان عقول الشارع الغربي ونخبه الفكرية والسياسية،
وبقدر ما بدأت تظهر المراجعات الشجاعة هناك، بقدر ما أغمضت النخبة العربية عيونها
عن هذا الأثر متجاهلة إمكانيته التحررية التي تتجاوز غزة إلى كل المنطقة العربية
بل إلى العالم.
هنا نمسك بأول خيوط العقم الفكري للنخب العربية، لقد استراحت النخب في
المواضيع التي تتقنها أو التي أُمليت عليها وجوزيت على فرضها، فظلت تكرر مواقفها
وتتوسع في دقائقها، محجمة عن وضع الربيع العربي ثم الطوفان موضع القراءة والتقدير
الاستراتيجي. ويمكن الجزم بأنها خافت أثره على وضعها المريح.
نعم، كان الربيع والطوفان -ولا يزالان- مخيفين لأنهما لم يهددا وجود الكيان
فحسب، بل هددا كل الخائفين من الديمقراطية باعتبارها مقدمة للتحرر وشرط له. وهذا
يقتضي نفض القضايا القديمة والشروع في تفكير مختلف مُضْنٍ وشاقٍ ومؤسس. وإذ نفهم
سبب الخوف فإننا لا نأمل للخائفين تجديد نقاشاتهم وفتح الحديث عما بعد الردة
السياسية وعن المطلوب فكريا للمستقبل. النقاشات الدائرة علامة موت فكري، ولا تدل
بحال على حيوية النخب ولا على قدرتها على التجدد في المواضيع وفي الوسائل، إننا
نسميها نقاشات قبورية.
توجد حالات نجاح في الجوار
يعيش العرب، نُخبا وشعوبا، بجانب حالتي نجاح إسلاميتين غير عربيتين هما
الحالة التركية والحالة الإيرانية، وربما نوسع الأمثلة إلى حالات في أفريقيا وآسيا
تقدم نماذج تحرر فعالة (مع التنسيب) بعيدا عن نقاشات العرب الأزلية.
أفلح الأتراك، رغم أنهم يخوضون نفس النقاشات حول الدين والسياسة في تجاوز
الجمود، وتقدموا في السياقات الاقتصادية والعسكرية، وبنوا كيانا متحررا بل بلغوا
مبلغ الفاعل الدولي المؤثر في المشهد الإقليمي والعالمي. لقد منعوا النقاشات القبورية
من إعاقة تقدمهم، وهمّشوا بقوة الإنجازات فعلها المكبل للجهد فصارت خلفهم يجرونها
ثقيلة حتى الآن لكنها لا تمنعهم من التقدم.
بالتوازي، حققت إيران مكاسب سياسية وعسكرية كبيرة، وقاومت وتقاوم الآن حربا
ظالمة بقوة ذاتية وبذكاء تحالفات إقليمية، وأثبتت صلابة كيانها السياسي في مواجهة
التفكيك، وهي تعلن انتصارات استراتيجية تجعل منها فاعلا إقليميا ندا للقوى الكبرى،
أو على الأقل تحصّل مَنَعة تجعل المساس بها مستحيلا. في إيران أيضا تم تجاوز عقم
النقاشات العربية السائدة، فما يبلغنا من هناك كاشف لأمر جوهري؛ الإيرانيون
مشغولون بتثبيت كيانهم السياسي في العالم، وأجندتهم استقلالية متجهة إلى فرض واقع
إقليمي هم فيه فاعل قوي ومؤثر. لقد دفعوا جيرانهم إلى نقاشات طائفية (إضعاف الجوار
الإقليمي بالهوامش) وهو جزء من اشتغالهم على تقوية كيانهم القومي، دون أجندة
إسلامية متوهمة. وهم غير معنيين بسهولة وقوع النخب العربية والجمهور العربي في
حفرة النقاش الطائفي التي فتحوها له.
ترى النخب العربية ما يجري في الكيانين الجارين، ولكنها لا تقف وقفة سؤال
منهجي: لماذا أفلحوا في الخروج من مأزق النقاشات العقيمة؟ بل إننا نستحضر بكثير من
الألم المواقف الأيديولوجية من النظامين التي تنعتهما بالرجعية والظلامية وتأبيد
التخلف الديني، وتدين بل تحارب كل معجب بهما أو كل متحمس لنموذجهما؛ يدعو إليه
سياسيا أو يفكر أو يحلم بتقليده.
الحفرة التاريخية
نرى أن تجميد النقاشات العربية تحول إلى هدف في ذاته؛ يجب أن يظل العرب
يتجادلون كل يوم حول دقائق فقهية دينية ويرد على المتفيقهين ردودا (علمانية)
تدفعهم إلى المزيد من الغلو في الدين، فإنكار السنة يرد عليه بالتكفير فيرد على
التكفير بالمزيد من إنكار القرآن. وفي الأثناء تتمتع الأنظمة الحاكمة ومن يرعاها
باستقرار سياسي عجيب، فلا تسأل عن الحريات ولا الديمقراطية ولا عن التنمية ولا عن
النكوص عن غزة حين احتاجت النصرة الشعبية والرسمية.
ما لم ينتبه الطيف النخبوي المؤمن فعلا بالحرية إلى فساد النقاشات السائدة فإن الغرق لا يزال فعالا والحفرة تتسع، ويضيع أثر الطوفان كما يضيع كل احتمال استفادة من التجارب المحيطة رغم نتائجها الباهرة
كم عمر هده النقاشات؟ لقد طالت حتى صارت العائق الأكبر في طريق التحرر
الوطني وبناء الديمقراطية، فلما هدد الربيع العربي هذه البيئة الفكرية الجامدة
وطرح التقدم على طريق الحريات جاءت الانقلابات ومكنت لكل من يكرس المواضيع إياها
فيغرق فيها الجمهور التائه. وهذا سر المساحات الممنوحة لشحرور (نموذج لا شخص) وأضرابه
والذين يردون عليهم من مقدسي الحديث صحيحه وباطله، فهم أقدر من يوسع الحفرة ويغرق
الجمهور. (في بلدان المغرب الإسلامي أحدث حفرة مماثلة هي حفرة العرق النقي بين عرب
وأمازيغ، والجمهور الآن غارق فيها إلى الأذقان إلى جانب غرقه في الحفرة الشرقية).
هل إلى خروج من سبيل؟
ما لم ينتبه الطيف النخبوي المؤمن فعلا بالحرية إلى فساد النقاشات السائدة
فإن الغرق لا يزال فعالا والحفرة تتسع، ويضيع أثر الطوفان كما يضيع كل احتمال
استفادة من التجارب المحيطة رغم نتائجها الباهرة.
نعتقد أن صرخة عالية يجب أن تطلق في الفضاء الفكري العربي: لنتوقف عن الخوض
في ما خضنا فيه دهرا طويلا ولم نتقدم إلى نتيجة مفيدة، لنتقدم نحو الحرية ولنستفد
من الفشل التاريخي فالفشل درس رغم سوئه. لنمنع من يحرض على البقاء في الحفرة
الجدالية المدمرة، ولنفهم روح الطوفان، فهي ليست حربا في غزة فقط ولكنها حرب تحرر
كوني أثمرت وعيا كونيا؛ فلننخرط في الوعي الكوني الطوفاني فإنه السبيل الوحيدة
للحرية.
من سيطلق الصرخة؟ اللهم إني عاجز دونها وصوتي الفرد يموت في حاسوبي الصغير.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.