غزة تحل في روح العالم

نور الدين العلوي
"الممدانية لم تعد حزبية، إنها الآن تيار واسع سنطلق عليه تيار المراجعات الجذرية لأسس السياسة الامريكية"- جيتي
"الممدانية لم تعد حزبية، إنها الآن تيار واسع سنطلق عليه تيار المراجعات الجذرية لأسس السياسة الامريكية"- جيتي
شارك الخبر
هذا القول في هذه اللحظة لا يخفف عن خيام غزة لحظة صهد، ولكنه قذ يخفف من بؤس من يرى غزة تنشوي وتعطش. وفي كل الأحوال النفسية هذا القول توليد لأمل حقيقي قد يأتي منه الخلاص لغزة ولو بعد حين. لقد أرسلت غزة في العالم ونرى أنه صار موجة كونية تخلص العالم من شرور ما كان للعالم أن يشعر بوجودها أو أن يبدأ في مقاومتها إلا بحرب غزة، وسنقول إن تلك الحرب كانت معركة أولى وتليها اللحظة معارك كونية.

وسنبدأ بالممدانية التي تسري روحا جديدة في عاصمة الشر العالمية، ولن نغفل عن لندن أو باريس وهي عواصم أخرى لشرور كثيرة تخترقها غزة وتعيد ترتيب عقول ناسها بقوة ناعمة ولكن حارقة مثل وعي فلسفي جديد.

الممدانية

لا نتعسف على السيد ممداني فننسبه إلى غير جهده وذكائه، ولكن من ذكائه الروحي إنه اتخذ غزة خلفية انتخابية وهو حق وواجب على الإنسان السليم الفطرة. وقد نجح بها ولم يتوقف بعدها كشخص انتهازي، لكنه ثابر على خطه السياسي الصادق مع غزة ومع نفسه، فتحول إلى تيار سياسي (داخل الحزب الديمقراطي) لا يقل زخمه قوة عن تيار "ماغا" أول ظهوره (داخل الحزب الجمهوري)؛ تيار تغيير جذري يعيد ترتيب الأسس ولا يكتفي بوقائع منفصلة.

نراقب بحماس الانتخابات التمهيدية للكونغرس داخل الأحزاب ونرى أثر الممدانية، فنسمع اسم غزة ونرى رايتها، لقد تحول الحديث عنها (وعن فلسطين) من حديث الشفقة على كائنات مسكينة مهددة بالانقراض إلى حديث الحق المطلق للانسان في الحياة وفي الوطن، وتمتد أصابع الممدانية بلا وجل ولا تلجلج إلى الأيباك والصهيونية العالمية.

لقد حولت الأيباك نفسها إلى إله فوق النقد يطلب الخضوع المطلق ويهدد بالجحيم القريب، لقد أخضعت بقوة المال والمكيدة (والإبستينية)عالم السياسة الأمريكية وغيرها. فمن يجرؤ على ذكر اسمها حتى؟ لقد تجرأ ممداني ونشر روحا تستهين بالأيباك ومالها ونفوذها وبكل كلفة محتملة للتعرض لها بصوت جهير.

لقد حررت الممدانية الناس من خوفهم من الأيباك فسار التصويت ضدها. التصويت للممدانية هو بالأساس ضد الأيباك، بما يحول الممدانية إلى حركة تحرر في المجتمع الأمريكي. إنها تقتحم الإعلام وتغير خطوط التحرير، فمن كان يظن تاكر كارلسون الجمهوري (البعيد عن ممداني) يتحرر من يمينيته المطلقة ويدخل في مراجعات فكرية وصلت إلى حد الاعتذار للمسلمين عن تطرفه في حقوقهم؟ الممدانية لم تعد حزبية، إنها الآن (في تقديرنا) تيار واسع سنطلق عليه تيار المراجعات الجذرية لأسس السياسة الامريكية منذ قيام الدولة الامبراطورية. هذه مبالغة في التفاؤل؟ في سنة واحدة من الممدانية تحولت الأيباك إلى هدف لتصويت شعبي عقابي، فماذا يكون مصيرها بعد عشر سنوات يا ترى؟

انتخابات أوروبا ستكون تحت عنوان فلسطين

نتابع عن كثب خطاب المترشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية بكل الغرور الجمهوري الفرنسي. يقود المرشح اليساري ميلوشون المعركة بخطاب محاسبة الإبادة الجماعية في غزة، يبدو الجمهوري دي فيلبان أقل حماسا لكن المنافسة لم تشتد بعد. هناك جمهور عربي مسلم (من كل الأعراق) صار له مع الوقت ثقلا انتخابيا وازنا في كل معركة، وصار هدفا للاستقطاب الانتخابي، واليساري يشتغل عليه بلا مواربة، ونراه يجر البقية في نفس الطريق. هنا تتحول غزة البعيدة عن باريس إلى محرك تحرير لأبناء الجاليات العربية والمسلمة في فرنسا (وقياسا في كل أوروبا)، إنها تعطيهم صوتا ووجودا سياسيا ضمن خريطة ظلت تهمشهم وتحارب وجودهم.

وقد برزت في المشهد وقائع نستغربها لكنها حقيقة تتضح بسرعة؛ طائفة كبيرة من يهود فرنسا يتطرفون في معاداتهم للكيان ويؤلفون ضده انتخابيا ضمن فيالق ميلشون. إن شيئا غريبا يحصل في الغرب.

ينظر سياسيون غربيون بعين الحسد لرئيس حكومة إسبانيا وشعبيته المتصاعدة، فيجدون أن موقفه من حق غزة وإدانته للصهيونية سبب في بناء الشعبية والنجاح السياسي وأظنه صار تيارا لا شخصا. أما ستارمز الانجليزي وإن كان أسقطه إبستين في الظاهر، فإن محاكمته من أجل الإبادة الجماعية هي فعل غزاوي بالأساس. غزة تراكم المكاسب وإن كان أطفالها عطشى يصطلون حر الصيف تحت الخيام.

جمهور الكرة يقود الشعوب

جمهور الملاعب لم ينس بسرعة وعقوله لم تُلحس كما اشتغل إعلام أيباك الكوني؛ حلت غزة وفلسطين في كل ملعب ورُفعت رايتها. وسقط وصم العبث عن جمهور الملاعب، ليتحول إلى جمهور سياسي يعرف أن يفرح ولكنه لا ينسى ألم المتألمين تحت الخيام. هذا الجمهور يذهب إلى صناديق اقتراع في بلدانه (لا أتحدث عن الجمهور العربي المسكين)، وكل من سيفكر في استقطابه سيقدم له غزة في الخطاب الانتخابي، وبالتدريج يقبل المحاسبة على كل نفاق سياسي متوقع من مثل هذا الخطاب.

نجمع إذن هذه المشاهد، قويها وضعيفها، عفويها ورصينها، لنجد أن غزة قد بلغت العالم، وهي تحرك السواكن وتثير القلاقل في كل بؤرة سياسية في الأشهر والسنوات القريبة.

بقي السؤال المضني عن الجمهور العربي الذي ثار ذات يوم ورفع شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين"؛ أين اختفى هذا الجمهور الجبار؟

إجابتنا الذابحة أنه رُد إلى الحد الأدنى المعيشي، فهو يرزح من أجل الخبز كما اشتهت الأيباك "العربية". هناك مواطن عربي يخرج صباحا من بيته ليسترزق وليس لديه ضمانة أن يعود حيا إلى بيته. من تونس إلى مصر إلى الجزائر عادت الأنظمة إلى اختصاصها في إنتاج القهر اليومي الذي يجعل فلسطين تنزوي في اهتمام المواطن العربي، فيقول أكثر المتألمين: كل خريطة الوطن غزة وإن اختلفت الخيام. لكن من داخل العتمة العربية نكتب بروح غزة: إن الانفجار قادم، نحتاج فقط بعض صبر سكان الخيام.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل