نضع البداهة على الطاولة، وإن كان التذكير بها من الفاضحات؛ لا
تحرر للعرب
من الاستعمار المباشر ووكلائه المحليين ولا بناء للديمقراطية إلا بمشاركة
الإسلاميين، طبقا لقواعد الحق السياسي التي يحددها صندوق انتخابي نظيف من كل تدليس
أو تلبيس. هذه البداهة تجلت منذ الأيام الأولى لميلاد الدول
العربية الحديثة
وتبلور تيار الإسلام السياسي، وكل ما جرى منذئد هو هروب من استحقاق تاريخي استعملت
فيه كل الحيل المنحطة وكل الجرائم المعادية للإنسان لإقصاء الإسلاميين من مشاركة
سياسية في قيادة بلدانهم.
وقد اشتركت كل الأنظمة العربية بلا أي استنثاء (من الماء
إلى الماء) في هذا الأمر الذي لا يمكن وصمه إلا بجرائم ضد الإنسانية. والغريب أن
هذا التدمير المنهجي تشارك فيه نخب تزعم العلمانية وقيادة التحديث، ويقع موقعا
حسنا بل يحظى بتحفيز ودعم مالي وسياسي من قوى الغرب المهيمنة على ضفتي الأطلسي؛ لقاء
عجيب من قوى الهيمنة ونخب محلية تحت غطاء دول تصف نفسها بالوطنية. سنوسع بؤرة
الرؤية.
الحدث الإيراني العظيم
لماذا هذا التذكير وفي هذا الوقت؟ لقد حدث في التاريخ حدث عظيم سيكون له
أثر بالغ لزمن طويل، وهو خروج إيران سالمة غانمة من حرب أريد بها محو أمة من
التاريخ، فلم يفلح الغازي (قوتان نوويتان) بل قاتل مُدْبرا ورضخ لشروط قاسية.
وعندما نضع هذا النصر بجانب الانتصارات الصغيرة التي يراكمها أردوغان على الصعد
الاقتصادية والعسكرية وتجربة بناء
الديمقراطية، فإننا ننتبه إلى أن هذه المكاسب
حققها تيار الإسلام السياسي السني (في تركيا) والشيعي (في إيران).
في فترة حكم الإسلام السياسي العربي (تونس ومصر والمغرب)، وهي فترة تحسب بالشهور لا بالسنوات، رسخت الحرية وثبت الصندوق الانتخابي المحترم وتوسعت المشاركة وتكلم الناس في الشأن العام ولم يهربوا إلى كرة القدم، وبدأت النتائج الاقتصادية الجيدة تظهر في وقت وجيز
في المقابل ننظر
إلى الخريطة العربية بكل مكوناتها المفتتة فنجد دولا (لها شكل الدول) تراكم
الهزائم والخيبات وتبدع فقط في تدمير قوة الإسلام السياسي المحلية، مانعة كل فعل
ديمقراطي يؤدي إلى بناء حالة قوة مشابهة لتركيا ولإيران.
بل إننا نتابع عن كثب أخبارا تأتي من السنغال (بلد مسلم) التي يحكمها
إسلاميون متصوفة سليلو التصوف الأفريقي (السنوسي)، ومن أفغانستان التي يحكمها تيار
إسلامي (طالبان)؛ لقد بدأت نتائج اقتصادية مجزية تصل إلى الناس وقلّ أو اختفى
الحديث عن الفساد السياسي مع نبرة سيادية عالية تجاه قوى الهيمنة الغربية.
إذا جمعنا عناصر هذا "البازل" الجغرافي والسياسي (يمكن توسيعه
إلى ماليزيا) سنجد أنه في كل دولة شارك الإسلاميون من موقع أول أو من موقع الشريك
صاحب الحق بدأت التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتبلور خطاب السيادة والتحرر
وتراجع الاستعمار لمنطقة الكيد الخفي باستعمال معزوفة حقوق الإنسان والمرأة، وحتى
حقوق الدواب التي تذبح في الأعياد الإسلامية. والوجه الآخر للميدالية هو حالة
البؤس الاقتصادي والاجتماعي في دول تخصصت فقط في قتل الإسلاميين، بدعم غربي لا
مراء فيه. لقد عثرت الدول الناجحة على مفتاح التاريخ، وهو بلا مواربة بدء البناء
الديمقراطي دون إقصاء أو استئصال سياسي، ومع الديمقراطية تتوسع منطقة الحريات
وتراكم مكاسب المشاركة العادلة.
ونعي جيدا أن عمر هذه التجارب قصير، لذلك لا نذهب وراء لغو المقارنة
بالتجارب الديمقراطية الأوروبية، والتي نعي أكثر أنها ما كانت لتقوم وتستمر لولا
تمتعها بالفائض الاستعماري المنهوب من شعوب دمرت ونهبت لقرون طويلة. (يمكننا
المجادلة بقوة في أن ديمقراطية الغرب ليست إلا سلسلة طويلة من الأكاذيب السياسية).
هل الإسلام السياسي ديمقراطي؟
نتحمل كلفة الإجابة بنعم، ويمكننا دفع الجدل إلى أقصاه وإن كنا في غنى عن
ذلك. لذلك نخرج النقاش من حقل المقارنة مع ديمقراطية مشروطة بالاستعمار وننظر،
فنجد بناء تجارب تراعي الواقع المحلي. عندما تؤمم السنغال خاماتها الطبيعية (غاز
وحديد) وتحرم منها المستعمر الفرنسي فهذا من الديمقراطية، وعندما تقضي طالبان على
زراعة الهيروين وتعالج شعبها بالعمل وإنتاج كفايته من الغذاء فهذا من الديمقراطية،
صحيح أنها لم تمنع لباس البرقع لكنها لم تنتج البورنوغرافيا فالبورنوغرافيا ليست
من الديمقراطية بل من امتهان الإنسان، وعلى سوق البورنوغرافيا وأتباعها من العرب أن
يتوقفوا عن المقارنة فهي ليست في صالح خطاب حقوق المرأة على الأقل.
أما نتائج تركيا فتتحول إلى أنموذج قيادي تستنسحه دول كثيرة، وأكملت إيران
المشهد بنصر عسكري بقوى ذاتية وشبكة علاقات تأسست على التحرر النفسي والسياسي من
الأنموذج الغربي المزيف. وقد سمعنا قولا كثيرا عن فاشية النظام الإيراني، وانتظرنا
أن تنتفض شعوب إيران على نظامها لكن لسنا وحدنا من تفاجأ بالتفاف هذه الشعوب حول
قيادتها لحفظ سلامة بلدها من الغزو. لو لم تكن هناك مساحات حرية ومشاركة متنوعة
لأفلح الصهيوني والغربي في الاختراق والتخريب من الداخل. لقد جندوا جواسيس كما في
كل حرب ولكنهم لم يجدوا تيارا خيانيا، وهذه علامة على سلامة البناء السياسي بشروط
الحرية.
الربيع العربي الفرصة العربية
المهدرة
هناك وعي لدى الصف الاستئصالي بأن أي عودة إلى الصندوق الانتخابي ستفسح مجالا لمشاركة إسلاميين وهذا خط أحمر، لذلك يستمر الإقصاء
نذكر بالومضة الخاطفة للربيع العربي في تاريخ المنطقة وسنكرر حتى النهاية؛
في فترة حكم الإسلام السياسي العربي (تونس ومصر والمغرب)، وهي فترة تحسب بالشهور
لا بالسنوات، رسخت الحرية وثبت الصندوق الانتخابي المحترم وتوسعت المشاركة وتكلم
الناس في الشأن العام ولم يهربوا إلى كرة القدم، وبدأت النتائج الاقتصادية الجيدة
تظهر في وقت وجيز.
كُسر المسار بسرعة تاركا الاحتمال قائما. عندما توقف الاستئصال السياسي توسعت
المشاركة واطمأن خلق كثير إلى المستقبل، فماذا كانت نتائج الانقلاب على الربيع
العربي؟ خراب اقتصادي شامل في تونس ومصر وليبيا، وتطبيع فظيع في المغرب يتخفى وراء
أرقام اقتصادية لا نعرف مصداقيتها.
ولا يبدو أن الأمور تتجه إلى حل أو انفراج، فالاستئصال أسلوب حكم يجد فيه
حتى حفتر مكانة كبيرة. هناك وعي لدى الصف الاستئصالي بأن أي عودة إلى الصندوق
الانتخابي ستفسح مجالا لمشاركة إسلاميين وهذا خط أحمر، لذلك يستمر الإقصاء، ولا
نرى أية محاولة لإعادة تقييم التجربة الإيرانية والتركية والاستفادة منهما في
استنباط حلول سياسية واقتصادية.
هنا نقع في الدائرة المفرغة، ويتبين لنا بجلاء أن خلق هذه الدائرة وتوسيعها
يوميا هدف غربي أسمى، فالغرب هو من رسم الخط الأحمر. إن وسيلة إبقاء المنطقة
العربية تحت الهيمنة هي استدامة حروب الاستئصال، والأدهى أن قوى الهيمنة تجد من
بين العرب من يقوم بهذه الحرب فلا يكلفها إلا بعض اللغو بحقوق الإنسان.
لنختصر على قارئ نبيه، لقد كتبنا تحت تأثير القراءة الثانية لرواية القوقعة
التي كتبها مسيحي قضى عشر سنوات من عمره في سجون الأسد بتهمة الانتماء إلى الإخوان
المسلمين، ونعيش الآن بين قوم يمجدون مَن سجنه ويصفونه بالزعيم العروبي الممانع، لا
بل يرون في تدميره لسوريا عملا من أعمال بناء السيادة. لنقف هنا، سنقف طويلا في
انتظار الاندثار الطبيعي للشبيحة وأضرابهم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.