نكتب عبر فلتر ضيق جدا من الرقابة الذاتية، فلا أحد في
تونس يضمن يومه
التالي. لقد كتبنا سابقا عن أن المعارضة التونسية لا تملك خريطة لليوم التالي
لمنظومة حكم قيس سعيد. والكتابة عن المعارضة وخاصة استنقاص كفاءتها السياسية يصب
في صالح المنظومة الحاكمة، ونحن واعون بهذا الأثر لكننا آثرنا قول ما نفكر فيه.
فتشتت المعارضة وقوة التيار الاستئصالي الذي يشقها لا يمكن التغاضي عن أثره المدمر
للمشهد السياسي الديمقراطي، لكن السؤال الذي يأتي مباشرة بعد معاينة حالة المعارضة؛
هو هل تملك منظومة الحكم خريطة لليوم التالي لهذه المرحلة؟ ونجيب بأن الغد غامض
وغير قابل للتوقع.
هناك اتفاق عام على توصيف الحالة الراهنة بالاحتقان الاجتماعي الشديد
والغضب يسمع في كل مكان والتحركات الغاضبة تنفجر في أماكن متباعدة جغرافيا لكنها
متفقة على الأسباب.
الأزمة الاقتصادية وصلت إلى العظم، فماذا أعدت منظومة الحكم
لما بعد هذه المرحلة التي لا نشك أن لها نهاية؟
المعالجات القضائية بلغت سقفها
لقد تم تحييد كل الطيف المعارض بواسطة قضاء يزعم الاستقلالية، لكن حديث
المحامين المرابطين في المحاكم لا ينفك يكشف خلل الاجراءات وغياب شروط العدل في
المحاكمات. فالملفات فارغة وصبغة الكيد فيها جلية، لكن المنظومة تمعن في المحاكمات
فلم يبق صاحب رأي وموقف خارج السجون؛ استوى في ذلك الإسلاميون والليبراليون وبعض
اليسار المستقل.
الملفات فارغة وصبغة الكيد فيها جلية، لكن المنظومة تمعن في المحاكمات فلم يبق صاحب رأي وموقف خارج السجون؛ استوى في ذلك الإسلاميون والليبراليون وبعض اليسار المستقل
يرافق ذلك حصار إعلامي فاتك، فالمشهد الإعلامي يحكمه المنشور عدد 54 القاتل
للحريات، والجميع يراقب لسانه وقلمه ويتحايل على اللغة والغالبية تفضل الصمت
والانسحاب. فالترهيب القضائي تسرب إلى النفوس، لقد ارتفعت الأثمان بلا أفق انفراج.
بعض المتضررين من فقدان حرية الكتابة والتدوين تذكروا العشرية فسحبوا وصفها
بالسوداء لكنهم يخافون أن يصفوها بعشرية الحريات الإعلامية، فهذا التوصيف فيه حنين
تترجمه المنظومة معارضة غير مقبولة.
قضاء مخيف وإعلام مكبل ومرعوب لا ترافقه مكاسب اقتصادية تغطي عليه. وفي هذه
السنة كما في التي قبلها وبعد انقضاء أفراح النجاح الدارسي تقف الأسر التونسية
أمام السؤال المضني: أين سيذهب أولادنا للدراسة؟ وما هو مصيرهم بعد الجامعة التي
لا تقدم تكوينا معدلا على سوق شغل ضيقة ومحاصرة؟
خرج الحديث عن الهمس
رغم السبورة السوداء التي وصفنا أعلاه فإن حديث الناس (جلّاس المقاهي) بدأ
يرتفع. أين نحن ذاهبون؟ تتأخر الإجابة، وعمليات تحويل التوتر على قضايا جانبية لم
تجد نفعا. لقد تم شحن الشارع ضد الأفارقة المهاجرين إلى تونس، ووُضعوا في موضع
السبب الوحيد للخراب الاقتصادي والأمني، لكن الشحن لم يُجب على سؤال يطرحه رجل
الشارع البسيط دون لغو أكاديمي: من سمح لهم بالدخول ومَن منع خروجهم من تونس التي
جاؤوها كمحطة عبور؟ انتهت الإجابات إلى أن المنظومة نفسها متواطئة في قدومهم وتقبض
ثمن الإبقاء عليهم بما أفرغ كل الشحن من مصداقيته وفتت نتائجه، فعاد الناس إلى التعايش
مع الوضع مكرهين ولكن بأقل القليل من مصداقية السلطة التي جيّشت وفشلت.
في الطريق إلى إحباط شامل لم تفلح كرة القدم في خلق مشغلة ولو مؤقتة، فقد
خاب الفريق الوطني وانهارت الدعاية المعدة لنجاح كروي، بل ثبت الفشل وركبه الشارع
المتوتر على إدارة الكرة وقال الجميع: فشل جزئي ناتج عن فشل شامل.
ويمكننا تعديد أسباب التوتر، فحتى وفرة إنتاج البطيخ انقلب إلى مأساة
للفلاح النشط الذي لم يجد سوقا تستوعب إنتاجه في سنة مطيرة. لكن في كل هذا المشهد
القاتم لا نسمع حديثا عن مخارج وحلول، فهل أن منظومة الحكم واعية بلحظتها السياسية
والاجتماعية ومستعدة لمعاجلة أسباب الانفجار المحتمل؟
النفق مغلق من الجهة الأخرى
هذا توصيف معتدل للحالة. الجميع في النفق؛ المعارضة التي لا تستبق (فلا
تقترح) أو تعارض بخطة مقنعة، والمنظومة الحاكمة التي تدير اليومي دون خطة بعيدة أو
حتى متوسطة المدى. بهذه الصورة لا يتبين لنا ذلك الثقب المضيء الذي ينتظره الناس
في آخر النفق طبقا للأسطورة.
أسباب استمرار الوضع تتطلب المزيد من الشدة بتوظيف القضاء، وعندما يبلغ
الاحتقان ذروته وقد بلغها في بعض المواقع توظف القبضة الأمنية. ولكن إلى أي حد
ستفلح القبضة الشديدة في تأجيل الانفجار؟
يغيب الضوء في آخر نفق المنظومة، إنها تتقدم في الظلام، وجيش الإعلاميين الذين توظفهم فقدوا الكثير من مصداقيتهم
هناك أمر يعود إلى الذاكرة الجماعية، لقد كانت هناك ردهات احتقان اجتماعي
بعد الثورة وتم التعامل معها دون القبضة الأمنية وحصلت حلول مُرضية نسبيا وتقدم
الوضع دون
قمع. ذاكرة كثير من العقلاء تستعيد تلك اللحظات وتفكر في أنها الحل
الأنسب، ولكن المنظومة وفيما رأينا تقوم ومنذ الانقلاب بعمل منهجي لمحو ذاكرة
الثورة والعشرية من عقول الناس، بما يعني أنها غير معنية بالعودة إلى المعالجات
السلمية لما يعترض طريقها من توتر، فهي تستعد للقبضة الأمنية الحازمة.
أمام المنظومة مشهد سياسي معارض، وفيه إسلاميون لم يموتوا رغم قطع رأس
حزبهم (النهضة)، وفي ذاكرة المنظومة سرعة عودة الحزب إلى التشكل والعمل الميداني
بعد مذبحة ابن علي. ونعتقد أن المنظومة ليست على يقين من اندثار الحزب، وقد بدأ يسمع
حديث على نطاق واسع بضرورة الالتقاء العملي (ولو مؤقتا) ضد الانقلاب، وفي مقترحات
اللقاء يظهر اسم حزب النهضة بما يعني أن الاستئصال لم يؤت نتيجته المرجوة. وهذا
اللقاء خط أحمر وضعته المنظومة، وهي تنقلب على الثورة وتمحو بشكل منهجي أثرها من
العقول، فإذا هي تقف أمام احتمال عودتها بلا خطة سوى القبضة الأمنية.
هنا يغيب الضوء في آخر نفق المنظومة، إنها تتقدم في الظلام، وجيش
الإعلاميين الذين توظفهم فقدوا الكثير من مصداقيتهم، فالناس رغم الشحن استبقوا لهم
بعض العقل بل نظن أن "شاهد العقل" يعود إلى كثير من المنصفين، خاصة لجهة
تسامح حزب النهضة وشركائه (الرئيس المرزوقي بالتخصيص) مع مشهد إعلامي حر في سنوات
الثورة.
نولّد جملة متفائلة في نفق المنظومة: أين تذهبون والشعب وراءكم والأزمة
الاقتصادية تغلق عليكم الباب، والمحيط الجغرافي يستنكف أن تتسخ يده بإسنادكم علنا؟
لقد صارت نصرتكم مكلفة جدا، إنكم ترفعون الأثمان عليكم وعلى الناس وهذا أفق مسدود.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.