الربيع العربي المخيف

نور الدين العلوي
"المظاهرة وبشعار الشعب يريد إسقاط النظام قامت بعمل عجيب"- عربي21
"المظاهرة وبشعار الشعب يريد إسقاط النظام قامت بعمل عجيب"- عربي21
شارك الخبر
من داخل الإحباط المهيمن على الساحة السياسية التونسية خرجت مظاهرة رفعت شعار (الشعب يريد إسقاط النظام). لم تكن أقوى مظاهرة نظمها التونسيون بعد 2011، لكنها بحجمها أحدثت أثرا كبيرا وحركت سواكن وبثت أملا في نفوس يئست، ورجّت أنظمة ظنت أن الربيع العربي قد صار من الماضي. لقد بلغتنا أصداء القلق من مصر ومن الجزائر، بل إن الأردن أعرب عن قلقه وأعلن تضامنه مع نظام قيس سعيد. التفاعل النفسي الإيجابي في الداخل مع المظاهرة والرعب الخارجي يحرض على التفكير والقول إن الربيع العربي لا يزال مستمرا وأن الردة عليه لم تؤسس لبقاء دائم، بل إن هشاشتها انكشفت بمظاهرة واحدة. سنطوف حول هذا المعنى ونوسع كوة التفاؤل.

مظاهرة إغماد السيوف

لم تدعُ جهة واحدة للخروج للتظاهر، بل ترادفت الدعوات من جهات كثيرة وبرزت فيها صفحات مدونيين شباب من غير ذوي التاريخ السياسي في المعارضة. في الشارع ظهرت قيادات وزعامات يسارية وإسلامية وليبرالية لم تتصدر ولم تتوار خلف الصفوف، في مشهد توزيع أدوار أو مهام بين السياسين والنشطاء المستقلين. وكان لافتا غياب الشعارات الاستئصالية التي دأبت مجموعات يسارية وقومية على رفعها (من قبيل يا غنوشي يا سفاح).

عندما يظهر السيسي متضامنا مع منظومة الانقلاب في تونس، ويتهم نظام تبون المتظاهرين بالإرهاب ويستحضر معزوفة القمع والتهديد، تصير مظاهرة التونسيين إيذانا بأمر جلل تحسن مخابرات الانقلابات قراءته

حتى هذه اللحظة نظن أن موجة واسعة من الوعي تتشكل في المشهد المعارض، وهي لا جدوى الصراع بين من يسمون أنفسهم القوى الديمقراطية في مواجهة الإسلاميين وأن فكرة جديدة تستقر في أذهان من عاش طويلا من حربه على الإسلاميين بحق وبباطل: لم يعد البعبع الإسلامي الذي صنعه نظام بن علي وبورقيبة واستعيد في ردة قيس سيعيد يخيف الطيف غير الإسلامي، وأن هدنة سياسية تقوم الآن لتؤلف قاعدة تحركات واسعة نظنها خرجت الى الطريق.

يمكننا أن نغرق في تساؤل إيطيقي: هل كان يجب أن نمر بمرحلة قيس سعيد لنصل إلى هذه النقطة الواضحة منذ زمن؟ سيكون لهذا الحديث الفلسفي وقته، ولكن نظن يقينا أن المجرفة السياسية لقيس سعيد قد أضرت بالجميع، فهم الآن في وضع لا يسمح برفاه الاختلاف حول من هو أحق بالبقاء والمشاركة. لقد رتبت منظومة الانقلاب أمر المعارضة ودفعتها بالقوة إلى إغماد سيوفها، بل مدتها بموجة شبابية تسيست وخرجت وشاركت ونراها تصير قوة مؤثرة وإن لم تتخذ اسما سياسيا بعد. هل ستقرأ المعارضة دروس المظاهرة كما قرأناها؟ هنا ننتظر ونراقب، فما يجري ليس سهل الهضم بين مكونات تنافرت وتحاربت حتى نسيت أنها في مركب واحد بالقوة لا بالشهوة.

الصدى الخارجي المرعوب

لفرط انشغال التونسيين بهمومهم المعيشية كتوفير ساعة كهرباء وساعة ماء حنفية في صيف هو الأشد صهدا في تاريخهم؛ نسوا غزة وآلامها ونسوا الردة على الربيع والانقلابات التي دمرت الآمال، وغرقوا في تأمين الحدود الدنيا، لكن المظاهرة وبشعار الشعب يريد إسقاط النظام قامت بعمل عجيب يشبه إغلاق قوس الردة بشكل فجائي. وهذه طبعا جملة متفائلة جدا، لكن عندما يظهر السيسي متضامنا مع منظومة الانقلاب في تونس، ويتهم نظام تبون المتظاهرين بالإرهاب ويستحضر معزوفة القمع والتهديد، تصير مظاهرة التونسيين إيذانا بأمر جلل تحسن مخابرات الانقلابات قراءته.

بيوت القش الانقلابية شعرت بدنو الحريق، أو على الأقل أن الشرارة لا تزال تلتهب ويمكن أن تقفز مثل حرائق الغابات بين أشجارهم التي لم تضرب لها جذورا في الأرض. لقد انقلبوا على الربيع واعدين بالرفاه والاستقرار والسلم الدائمة فإذا شعوبهم جائعة عطشى وتعيش في الظلام. كل وعود الانقلابات سقطت في زمن قياسي خاصة في تونس (ولا علم دقيقا لنا بحجم الكوارث المخفية تحت خطاب السيادة الذي تروجه الانقلابات، فقد قُطع لسان الإعلام الحر الذي أطلقه الربيع).

فهمت الشعوب بقوة القهر لماذا تم الانقلاب على الربيع، وكان لحرب الطوفان فضل كبير في فهم الخلفيات الخيانية لمنظومات العسكر الانقلابي. لقد كانت الشعوب تراقب غزة من بعيد؛ تُنحر صباحا مساء بحماية الانقلابات العربية التي بلغت بها الوقاحة أن سجنت المتضامنين مع غزة. ربطت الشعوب بالقوة بين الانقلابات وبين الصهيونية، وترتبت معركة الحريات ومعركة التحرر بالقوة في أذهان قطاعات واسعة، ولا نظن معركة "الشعب يريد تحرير فلسطين" المزامنة لمعركة "الشعب يريد اسقاط النظام" إلّا عائدة بقوة؛ لقد صارت أوضح وأجلى.

هل ستهرب الأنظمة أمام موجة الربيع العائدة من تونس؟ لا نراها تترك الساحة قبل أن ترفع الأكلاف على من يتجرأ عليها، ولكنها تعرف أكثر مما تعرف الشوارع أنها أنظمة فاشلة وأن وعودها بالرفاه قد سقطت. لقد بدأت إطلاق موجات التهديد بالقمع والتدخل وهدم البيوت على طريقة تبون، ولكننا نرى رعبها في القول السريع بالتضامن فيما بينها.

ما يقلل من تفاؤلنا في هذه المرحلة هو خشيتنا من أن تكون مكونات المعارضة قد تظاهرت بإغماد السيوف ولكنها أخفت سكاكين أخرى تحت آباطها، بحيث لا يكون اليوم التالي لمنظومة قيس هو استعادة الديمقراطية وإنما عودة الصراعات البينية التي تسلل منها الانقلاب

بيوت القش المتلاصقة لا تحتاج أكثر من عود كبريت تونسي، فقد قرأنا تدوينات مصرية تزغرد لتونس وتتأهب من منافيها وسجونها، وسمعنا الجزائريين يقرّعون رئيسهم على تدخله في الشأن التونسي. ما تأثير هذا على الشوارع العربية؟ إنه ، فاليقين عندنا أن الأزمات المعيشية التي خلقتها الانقلابات مست حتى شرطة حراسة النظام.

خريف ساخن منتظر

نخلط هنا بين الاستشراف وبين الأمل، إذ تغيب عنا كثير من التفاصيل التي أحاطت بمظاهرة يوم السبت (25 تموز/ يوليو)، لكننا من خلال متابعة لصيقة شعرنا بنخوة تونسيين رأوا الأثر المباشر للمظاهرة، فقد ظهر الرئيس يتحدث عن الصهيونية العالمية من جديد ولم يع أن أكبر ضربة وجهها لنفسه غدره بشعاره "التطبيع خيانة عظمى" الذي جلب له أكثر من مليوني ناخب، فكيف يصدقه الناس في حربه على الصهيونية العالمية ولديه في سجونه شباب تضامن مع غزة؟ لقد صار موضع سخرية فاحشة.

إن أخطاءه التواصلية تقتله سياسيا، وكل ظهور إعلامي له يزيد في تفاقم حالته ويزيد في الجرأة عليه. ولا نرى الأنظمة المتضامنة معه قادرة على نجدته بشيء، حتى توفير الكهرباء لإنارة بيوت أظلمت في عهده.

نرجح ونتمنى أن خريف تونس السياسي سيكون ساخنا وأن الشارع سيحسم أمر الانقلاب وينهى الحقبة البائسة. ما يقلل من تفاؤلنا في هذه المرحلة هو خشيتنا من أن تكون مكونات المعارضة قد تظاهرت بإغماد السيوف ولكنها أخفت سكاكين أخرى تحت آباطها، بحيث لا يكون اليوم التالي لمنظومة قيس هو استعادة الديمقراطية وإنما عودة الصراعات البينية التي تسلل منها الانقلاب ذات يوم. لنربِّ الأمل مع أمطار الخريف الأولى فقد أدمنا صناعة الأمل، وقد رأينا السيسي مرعوبا في مصر من مظاهرة صغيرة في تونس، وهذا نصر جميل وثمين مثل لؤلؤة على تاج.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)