الشيخ حسني في مهرجان ثورة 30 يونيو!

سليم عزوز
"تم اختزال 30 يونيو في حركة تمرد"- جيتي
"تم اختزال 30 يونيو في حركة تمرد"- جيتي
شارك الخبر
وكأننا نشاهد نسخة مقلدة من فيلم "الكيت كات"، للرائع داود عبد السيد، كاتب سيناريو الفيلم ومخرجه، فلم تكن الرواية لإبراهيم أصلان "مالك الحزين"، على مستوى عبقرية العمل الفني.

فبعد أن ظلت السلطة المصرية تجاهد في تقديم روايتها حول 30 يونيو/حزيران 2013، تصدرت الرعونة هذا العام لتنسف هذه الرواية، وتقدم سردية تنتصر للرؤية الأخرى، بدون حول من أصحابها أو قوة، وقد سهلوا مهمة واحد مثلي في أن يدعي الحكمة بأثر رجعي، وإذا كان السؤال الأثير: ثورة أم انقلاب؟ حيث بُذلت جهود وجهود مضادة في الإجابة عليه، علم كل أناس مشربهم!

قام رأي المنحازين لـ30 يونيو على أنها ثورة شعبية انحاز لها الجيش، وجاءت الرواية الرسمية، سواء في تصريحات لرئيس الجمهورية أو من خلال الدراما، أنه لم تحدث خيانة للرئيس محمد مرسي، ولم ينقلب الجيش عليه، ولكن مع الرفض الشعبي الذي تزايد، والفتنة التي عمت أرجاء البلاد، لم يكن للقوات المسلحة أن تقف مكتوفة الأيدي، فقد وجب عليها التدخل لوضع حد لكل هذا، وقد رفض الرئيس الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهو مطلب الجماهير العريضة، فحدث ما حدث.

أذكر في هذا الصدد أن أحد هؤلاء الذين كانوا يقفون في الجانب الآخر من المناقشات التلفزيونية، فكّر وقدّر، ثم وضع تصوراً للتمييز دافع عنه وردده، وهو أنه إذا ترشح وزير الدفاع للرئاسة فهذا انقلاب صريح، وكان بداخله يقين بأن هذا لن يحدث، وكان رأينا أن من السذاجة الاعتقاد أن قائد الجيش، وإن تحرك بدافع حماية الدولة، فمن المستحيل أن يقدم البلد على طبق من ذهب للبرادعي، أو حمدين صباحي، أو لكائن من كان!

وإن استقرت هذه الرواية في الأذهان، فإذا بالمحتفلين بالذكرى العطرة هذا العام ينسفونها، ويقدمون رؤية بديلة، وكأنهم يتعاونون مع جماعة إرهابية في سبيل تحقيق أهدافها، على النحو الذي ذكّرنا بمشهدين في فيلم "الكيت كات" سالف الذكر!

وحدث أن كرر أسطوانته، وبعد يومين أعلن وزير الدفاع عن ترشحه، وبدلاً من أن يعتذر عن مراهقته السياسية امتنع عن الظهور التلفزيوني، واعتبر هذا موقفاً، وإن كنت أراه هروباً، فهو وإن تجاوز الموقف، فلم يتجاوزه من يجلس في مواجهته، أو المذيع الذي يحاوره، فماذا يقول وقد وضع هو القاعدة التي تميز بين الثورة والانقلاب؟!

منى مكرم عبيد على الخط:

لقد بذلنا جهداً جهيداً في إثبات أن ما جرى انقلاباً عسكرياً، وبذل غيرنا الجهد نفسه لإثبات أنها ثورة شعبية، ومن جهودنا إثبات التواصل بالمؤسسة العسكرية من قبل النشطاء، قبل 30 يونيو/حزيران، وكان الرأي الآخر ينفي ذلك، فهي ثورة شعبية خالصة، لا يضرها أن ينحاز لها الجيش، وليس في انحيازه ما يسيء إليه، فهذا دوره الأصيل حفاظاً على الأمن القومي للبلاد!

وقد أمسكنا بأيدينا وأسناننا في تصريح للدكتورة منى مكرم عبيد، العابرة بطبيعتها للأحزاب، فمن الوفد إلى الحزب الوطني، ومنه إلى الوفد مرة أخرى، فحزب الغد، ولا نعرف أين رست سفينتها الآن!

كانت التصريحات لبرنامج تلفزيوني أمريكي، وباللغة الإنجليزية، تحدثت فيه عن أنها والكاتب الصحفي سعد هجرس، واللواء فؤاد علام، التقوا في منزل الوزير السابق حسب الله الكفراوي، في وقت مبكر من صباح يوم 30 يونيو/حزيران، ليكون الاتفاق على التوجه إلى مقر وزارة الدفاع، للدعوة إلى الانحياز للمطالب قبل حضور الجماهير، والتي تتمثل في عزل الرئيس المنتخب!

ولأنني كنت في الأستوديو عند عرض هذا المقطع، فقد بنيت استراتيجيتي على أنها ستنفي ذلك، وأن مشكلته في الترجمة، أو أن الفيديو نفسه تعرض للتشويه، لكن المفاجأة أنها سلمت بصحة ذلك بسهولة، مما دفع سعد هجرس، والأستاذة تتصرف كالشيخ حسني (محمود عبد العزيز) في فيلم "الكيت كات"، إلى أن يناديها باسمها أكثر من مرة، ليلفت نظرها إلى وجوده، وخطورة الاعتراف، لكنها اعتقدت أنه بهذه المناداة يبلغها سلامه، فاندفعت تسأله عن حاله، وصحته، وظروفه، مما دفع المذيع إلى أن يلفت انتباهها إلى أنهما على الهواء مباشرة!

لم يكن في هذا الاعتراف ما يمثل مؤاخذة لوزير الدفاع، فقد كان دليلاً على أن القوى المدنية استعانت به، وهو عكس ما كان يتم الترويج له من أقوال، بأن التدخل كان بسبب هذه الفتنة الواسعة!

وبعد سنوات من ذلك، صدرت السردية الرسمية، التي تؤكد عدم ارتكاب فعل الخيانة ضد الرئيس مرسي، الذي تسبب عدم إدراكه لطبيعة ثورة الجماهير في عدم الاستجابة لمطلبها البسيط، وهو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لتجنب البلاد الدخول في فتنة كقطع الليل المظلم، إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها!

ما جرى في الكيت كات:

وإن استقرت هذه الرواية في الأذهان، فإذا بالمحتفلين بالذكرى العطرة هذا العام ينسفونها، ويقدمون رؤية بديلة، وكأنهم يتعاونون مع جماعة إرهابية في سبيل تحقيق أهدافها، على النحو الذي ذكّرنا بمشهدين في فيلم "الكيت كات" سالف الذكر!

المشهد الأول، عندما خدع الرائع محمود عبد العزيز (الشيخ حسني) علي حسنين (الشيخ عبيد)، بأنه مبصر ويجيد قيادة الدراجة النارية، ولم يكتشف الأخير أنه مثله فاقد للبصر، إلا عندما وجدا نفسيهما في البحر يصارعان الغرق!

أما المشهد الثاني، فهو عندما كان الشيخ حسني يجلس في سرادق عزاء، وبعد انتهائه، تسامر مع القوم بالحديث عن أسرار الحي وفضائح البعض، ولم يكن يعتقد، لكونه كفيف البصر، أن مكبر الصوت الذي كان يُقرأ فيه القرآن على روح الفقيد مفتوح، فكان لعمى بصره سبباً في إذاعة ما لا تجوز إذاعته، وبعضه مرتبط بسلوكيات مشينة لمن ذكرهم، وكذلك فعلت الروايات التي جاءت في سياق الاحتفال بثورة 30 يونيو المجيدة، كلها تمثل تعاوناً مع الجماعة الإرهابية، وتمثل رمية لصالحها بغير رام منها!

لقد جاءت الاحتفالات على قواعد فرح العمدة، ومع تغييب الفاعلين الحقيقيين للثورة، كان استدعاء حلقة من حلقاتها، هي حركة تمرد، باعتبار أن الشباب ليس منافساً إذا ظهر، ولا خطورة منه إذا تمدد، وهي قاعدة معروفة منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011، إذ كان إعلام مبارك يعيد ويزيد في أن على كبار السن عدم ركوب مظاهرات الشباب، فهم أبناء الرئيس ويمكن التفاهم معهم، وهي السياسة التي طُبقت بعد ذلك، بفيلم شباب الثورة الذين كانوا ثغرة أمكن اختراقها من خلالهم، وقد تم التلاعب بهم، حتى مثّلوا واحدة من أزمات المرحلة!

وسواء اعتمدنا رواية غادة نجيب، أم محمود بدر وأصحابه، في معرفة بدايات حركة "تمرد"، فلم تكن هي العامل الأساسي في 30 يونيو، فالعامل المهم مثّلته جبهة الإنقاذ والإعلام، وتمرد جمعت توقيعات الناس على بيانها في وقت لاحق، ولا يرتب مثل هذا أثراً في الدعوة التي أُطلقت من حزب الوفد، وأعطاها قوة داخلية ودولية وجود الدكتور البرادعي في صدارتها، وكذلك وجود عمرو موسى، فضلاً عن انطلاقها من حزب عريق!

وقد غُيبت جبهة الإنقاذ بكامل عناصرها، فلم يذكرها أحد، ولم يتبق منها سوى عمرو موسى والسيد البدوي، والأول لا يتحدث عنها في خطابه العام، أما الثاني فقد جاء للمهرجان متأخراً يحاول أن يثبت حضوره بعد أن انفض السامر، ويؤكد دوره في تشكيل جبهة الإنقاذ واستضافتها في مقر حزبه، فبدا مفتقداً للياقة في الأداء. وقد انتهت جبهة الإنقاذ، ولم يعد لدى أطراف العملية رغبة في التذكير بها، وتم اختزال 30 يونيو في حركة تمرد، واستقبلهم المهرجان لاحتفالية الليلة الكبيرة، فكانوا كالدبة التي قتلت صاحبها!

الفتى الذي انتشر عبر الفضائيات والبودكاست نسف الرواية الرسمية، التي كلفت القوم الكثير من الجهد والمال، وساهمت فيها الدراما، وهم ينسفونها توافقوا مع الإخوان، بدون اتفاق، على تدمير هذه الرواية من الداخل، فماذا لو جاء مؤرخ ليكتب تاريخ المرحلة؟!

إن الفتى الذي انتشر عبر الفضائيات والبودكاست نسف الرواية الرسمية، التي كلفت القوم الكثير من الجهد والمال، وساهمت فيها الدراما، وهم ينسفونها توافقوا مع الإخوان، بدون اتفاق، على تدمير هذه الرواية من الداخل، فماذا لو جاء مؤرخ ليكتب تاريخ المرحلة؟!

اعترف الفتى بأن أول اتصال هاتفي من العقيد أحمد محمد علي، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، كان قبل 30 يونيو بخمسة عشر يوماً، خاطبه فيه بـ"البطل"، وهو هنا أراد أن يقول إن الدعوة سابقة على التواصل، فاته أنه برأ دعوته، وأدان هذا التواصل الذي ينفي البراءة، وعدم الانحياز ضد الرئيس الشرعي مبكراً!

واندفع الشيخ حسني في تجلياته، بما قال إنه يدحض كونه انقلاباً، وما رواه يؤكده، وقد وصل الحال إلى هذه الأزمة التي ساهم الإخوان في صنعها، فإن الإجماع يوشك أن ينعقد على اتهامهم بأنهم أخطأوا عندما منعوا سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، من تلبية الدعوة، ليكون جزءاً من مشهد ليلة 3 يوليو/تموز، فهذا كان كفيلاً بتدارك الآثار المستمرة إلى الآن، وهذا العدد الكبير من السجناء!

وأهل الحكم يؤسسون بهذه الدعوة على براءة القصد، وقصد البراءة، وحسن النية، فقد دعوا رئيس حزب الإخوان ليكون مشاركاً في مشهد إنقاذ البلاد، لكن الإخوان آثروا مقاومة إرادة الشعب، فإذا بالشيخ حسني يعلن أنهم رفضوا الدعوة في بادئ الأمر، غير أن الفريق العصار أكد لهم أنها دعوة تكتيكية، فإذا لم يحضر الكتاتني أقاموا عليه الحجة، وإذا حضر، فهم لديهم خطتهم التي لن تتغير.

ولم يقل الشيخ حسني إن المهم في هذا كله هو أن حزب النور كان شريكاً فاعلاً في هذه الأيام، فلم يحجب دور جبهة الإنقاذ وحدها، ولكن حجب معه دور الحزب المذكور، على أهميته!

فما أخفاه الشيخ حسني، أن تمرد قالت إن بديلها للرئاسة هو حمدين صباحي، وأن البرادعي كان اختيارها لرئاسة الحكومة المؤقتة، فلم يصبح حمدين رئيساً، وأفشل حزب النور مقترح البرادعي، فتجاهل الشيخ هذا الموضوع المهم، وجاء لينسف الرواية الرسمية لـ30 يونيو/حزيران، وأن 3 يوليو كانت خطوة المضطر، مع تعنت الإخوان المسلمين، غير مدركين ما قد يتعرض له الوطن من أهوال!

لقد أفسدت الثعالب الصغيرة حقول الكروم!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)