ولا
في الأحلام..!
فمن
كان يخطر بخياله أن يرى
أحمد حسون، الشهير بمفتي البراميل، في قفص الاتهام، وقد جُرد
من لقبه "الشيخ"، ويخاطبه القاضي باسمه مجرداً: "يا أحمد"!
فلا
تزال
سوريا تذهلنا، فلم يكن يرد على البال أو الخاطر أن يسقط نظام بشار
الأسد،
الذي استباح سوريا واستباح أهلها، وظن أن لن يقدر عليه أحد، واعتبرنا أن دول
الربيع العربي الأخرى هي الفرقة الناجية من الفشل، أما الثورة السورية فمحال أن
تنجح، لأن هذه الدول شهدت انتقالات سريعة إلى مسار مختلف، فإذا بكل ما حدث من تحول
كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، بينما الثورة السورية تنجح مع كل هذا الفشل للربيع
العربي، وتبدأ في تأسيس دولتها القوية، لا يضرها من ضل!
وقد
أنتجت الثورة السورية على مدى سنوات قائدها، ومع الزحف إلى دمشق كان عرش الأسد قد
سقط، فإذا به كبيت العنكبوت، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، ولاذ بالفرار في جنح
الظلام، واختفى من يومها، فلا حس ولا خبر، فلم يقاوم مقاومة الشجعان، ولم يهتم
بمتعلقاته الشخصية، ممثلة في أركان حكمه، وفي أنصار من أمثال أحمد حسون، وتركهم
يسقطون في يد النظام الجديد.
لم يكن النظام السوري بحاجة إلى مفتٍ يفتيه في ارتكاب جرائم القتل والإبادة، وإلى من يثبّت فؤاد الجناة بفتواه، فقد كان برجاله نظاماً إجرامياً محترفاً، تأسس على التعذيب، والترويع، والقتل
لقد
حاول بعضهم الهروب متخفياً، وقد فشلت محاولات حسون فألقي القبض عليه، وقُدم
للعدالة، ليكون ظهوره في القفص متهماً مشهداً يفوق أكثر الأحلام جنوناً، وذلك
بحسبانه رمزاً معروفاً بانحيازه للنظام، وإن كان الأكثر أهمية من الجناة هم الذين
قتلوا بأيديهم، وبعضهم مثُل أمام العدالة!
معصوب
العينين.. منكس الرأس
وأسجل
ابتداء تحفظي، بل رفضي للطريقة التي عومل بها الرجل، وقد تم تعصيب عينيه، والضغط
على رأسه بقوة قبل دخوله قاعة المحكمة، وفي إجراءات لا تفرضها ضرورة أمنية، ولكنها
الرغبة في الانتقام، وقد يكون من فعلوها يشفون صدورهم بما فعلوا، لكنه تصرف لا يمت
لقيم العدالة بصلة، والقبض عليه وتقديمه للعدالة هو في حد ذاته يؤدي الغرض، دون
هذا الأسلوب الذي مورس معه، وهذه القسوة التي عومل بها!
ولا يُرد
على ذلك بأنه كان ونظامه أكثر قسوة على الناس، وعلى سوريا، والثوار، فلا يليق
بثورة كان أول عمل لها تحرير السجناء، أن تسير على خطى النظام المخلوع، إذن ما
الذي تغير غير تبادل القسوة، مع تغير الأشخاص الذين تمارس ضدهم.
لقد
نالت ممارسة الإذلال في الطريق إلى قاعة المحكمة من الصورة الكلية، ووجوده في
القفص على الهيئة التي ظهر بها يكفي ذلاً ويكفي عظة لمن يذّكّر أو يخشى، فماذا
أكثر من خضوع من تمدد في الفضاء السوري طولاً وعرضاً للمحاكمة، فيريد أن يمارس
مهنته كخطيب مفوه، فيسكته القاضي، فهذا ليس مجالاً للاستعراض، وعليه أن يرد على
الاتهامات التي وجهت إليه!
لقد
كانت هيئة سيد قطب في
المحاكمة العسكرية التي حكمت عليه بالإعدام مثار استغراب لي،
وهو يظهر في كامل أناقته في كثير من الجلسات، وهذه مرحلة مختلفة، فكل القضايا
السياسية كان المتهمون يبدون كذلك، حتى في قضية انحراف المخابرات في عهد عبد
الناصر، ومراكز القوى في عهد السادات، حتى خُيّل إليّ أن قطب لم يتعرض للتعذيب،
وبالبحث تبين أنه لم يتم استثناؤه من ذلك، لكنها ضرورات الحفاظ على الشكل. وكانت
الدولة السورية الجديدة أولى بالحفاظ على الشكل والمضمون معاً، فلا جريمة إلا بنص،
ولا عقوبة إلا بحكم، وخارج حدود الحكم فإن الكرامة الإنسانية مصونة لا تمس.
التصديق
على أحكام الإعدام
الملاحظة
الثانية مهنية، وهي أن كثيراً من المواقع الإخبارية لم تنتبه إلى أن هناك فرقاً في
الاختصاص بين وظيفة المفتي في مصر ونظيره في سوريا، فلا تحال أحكام الإعدام في
بلاد الشام إلى المفتي، ولا يرتب القانون أي اختصاص له في الأمر، وقد ذكرت هذه
المواقع أنه من جملة الاتهامات التي وجهت إلى أحمد حسون توقيع حكم الإعدام على عدد
من الثوار، تفاوت بين موقع وآخر، لكنهم يتجاوزون الألف معتقل، ولا نعرف من أين
جاءوا بهذا الخبر!
لقد
تم إلغاء منصب المفتي في سوريا في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وأحيل
الاختصاص إلى المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف، ضمن صراع في القصر
انتصر فيه الوزير، ونجح في إقناع نظام الأسد بإلغاء مركزية الفتوى المعتمدة على
شخص المفتي، وبخطر الآراء التي يبديها أحمد حسون عليه، من خلال آرائه الدينية
الشاذة، وهو من تجاوز المعقول في نفاقه للنظام، حتى إنه ذهب بعيداً جداً!
وفي
عزاء الفنان صباح فخري، وضع تفسيراً غريباً للتين والزيتون اللذين ورد ذكرهما في
السورة الكريمة، إذ أكد أنهما احتويا على حدود بلاد الشام، وأن من يُخلق في سوريا
يكون في أحسن تقويم، ومن يخرج منها فهو في أسفل سافلين!وقد
أصدر المجلس العلمي في وزارة الأوقاف بياناً يرد عليه دون أن يسميه، ويدين ما وصفه
بالتفسير المصلحي ضيق الأفق، والمنافي للحقيقة الشرعية. وبعد أيام صدر المرسوم رقم
28، وأُلغي منصب المفتي.
وكان
حسون قد عين مفتياً في 5 تموز/يوليو 2005، ولعل جريمته ليست فيما مارسه من اختصاص
وظيفي، لكنه كان يعمل كما لو كان جزءاً من النظام، حتى بعد أن فقد وظيفته كمفتٍ
للبلاد!
تصور نفسه كما لو كان واحداً من سدنة المعبد، فدافع عن إجرام النظام وبرره، وبدا كما لو كان المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية دون تفويض، وهدد بالنيابة عنها، وأعلن أن أي قذيفة تخرج من حلب ستباد المنطقة بأكملها، فما الوضع الدستوري له ليصدر مثل هذا الإنذار؟!
ولم
يكن النظام السوري بحاجة إلى مفتٍ يفتيه في ارتكاب جرائم القتل والإبادة، وإلى من
يثبّت فؤاد الجناة بفتواه، فقد كان برجاله نظاماً إجرامياً محترفاً، تأسس على
التعذيب، والترويع، والقتل، فلا نفوس سوية فيها بعض الخير فيؤرق وجدانها ما فعلت
إذا خلت بنفسها، فتكون بحاجة إلى فتوى مفتٍ، أو خطبة واعظ، فماذا كان يفعل أحمد
حسون؟!
إنه
كان آلة تسويق للنظام في المحيط الداخلي والخارجي، وقد حمل أوزاراً من زينة القوم،
لإثبات إخلاصه للنظام، ومحبة له، وكان مفوهاً، طليق اللسان، يجري النفاق على لسانه
دون تعثر، فما أفصحه من خطيب!
تصور
نفسه كما لو كان واحداً من سدنة المعبد، فدافع عن إجرام النظام وبرره، وبدا كما لو
كان المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية دون تفويض، وهدد بالنيابة عنها، وأعلن أن
أي قذيفة تخرج من حلب ستباد المنطقة بأكملها، فما الوضع الدستوري له ليصدر مثل هذا
الإنذار؟! ودافع عن عمليات القصف الجوي
والمدفعي التي
استهدفت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
وكان
لسانه الفصيح بصفته الوظيفية، واستمر هكذا، ربما متطوعاً، بعد أن فقد وظيفته، وبدا
الأمر إخلاصاً من طرف واحد هو طرفه، فلم يُمنح بعد إلغاء الإفتاء إلا مواقع
هامشية، فلم يكن من سدنة الحكم أو رجاله، ولكنه نسب نفسه إليه، وتعلق في أهداب
نظام الأسد، فسقط النظام!
وقد
كان الأسد في سقوطه آية، تماماً مثلما كان في ظهور حسون في قفص الاتهام، وقد هرب بشار
الأسد وتركهم لمصيرهم، فما أغنى عنه ماله وما كسب، وإذا بنا نكتشف أنه كهل تجاوز
السبعين من عمره، وكان في زمن بشار يظهر كله حياة وحيوية وشباباً.
فهل
من مدكر؟!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.