كان الأمير الوالد لدولة
قطر الشيخ
حمد بن خليفة آل ثاني حاكماً استثنائياً في دنيا الناس، على نحو جعله سابقاً
لعصره، ومنفرداً وسط أقرانه، وصاحب تجربة في الحكم عاشها القطريون، كما عاشتها
المنطقة، وإن لم تكتب بعد!
عندما كانت تنشر صوراً للأمير الوالد
وقد نال المرض من هيئته، وأستشعر أنا دنو أجله، أقول إننا أمام
تاريخ يوشك أن
يغادر دنيانا لم يكتب، وحري به أن يكتب مذكراته، لأنها جزء من تاريخ بلد، وإقليم،
ومرحلة، وعالم، لم يكن خلالها في مقاعد المتفرجين، وإنما كان فاعلاً في كل هذه
المسارات، وقاد توجهاً تجاوز به حدود دولته الصغيرة، مساحةً وعدد سكان، حتى بدا
زعيماً ظلمته الجغرافيا، ولو كان قائداً لواحدة من الدول العربية الكبرى، لمثل
نقطة تحول للمنطقة، لكنها أقدار الله.
لا أنكر أننا في البداية سألنا: ماذا
يريد الرجل؟ ولأن الاستثناء من الندرة بمكان، فكان طبيعياً النظر إلى أفكاره
السابقة لعصرها على أنها مؤامرة، قبل أن يتبلور هذا الحضور، ويتبدى انحيازه للأمة
وقضاياها، ويكون انحيازاً للإنسانية، مع أنه من طبقة الحكام، وللشعوب، مع أنه من
القادة!
البناء من
الصفر:
كان طبيعياً النظر إلى أفكاره السابقة لعصرها على أنها مؤامرة، قبل أن يتبلور هذا الحضور، ويتبدى انحيازه للأمة وقضاياها، ويكون انحيازاً للإنسانية، مع أنه من طبقة الحكام، وللشعوب، مع أنه من القادة!
هل يعقل أن تكون قناة الجزيرة فكرة
حاكم؟ وهل يُتصور أن يكون نجاحها واستقلالها المهني لأن هذا الحاكم وفّر لها هذا
كله، حتى دفعت قطر من لحم الحي ثمن وجودها؟ وقد أسس لحكم رشيد انتقل ببلاده من
الصفر، لتكون رقماً صحيحاً في المنطقة، بل والعالم، فهو مؤسس قطر الحديثة، ورمز
نهضتها، والذين جاءوا إليها من قبل ومن بعد أو استمر عيشهم فيها، فضلاً عن
أبنائها، يعرفون حجم النقلة الحضارية التي جرت لبلد كان بسيطاً، فكان التطور الذي
لحق به مذهلاً بكل المقاييس.
لقد استلم الشيخ حمد بن خليفة قطر،
والناتج المحلي ثمانية مليارات دولار في عام 1995، ليرتفع إلى 199 مليار دولار
عندما ترك الحكم لجيل جديد حمل الراية من بعده في حياته، ونقل ناتج الفرد من 15–16
ألف دولار إلى 100 ألف دولار سنوياً.
واهتم بالبنية التحتية لقطر، فانتقلت
من بلد متواضع في خدماته، إلى ما وصفه مذيع أجنبي بـ"الجنة"، وهو يعدد
ما تحقق للقطريين أو للمقيمين على يديه من جودة الحياة، فيرد عليه الأمير بتواضع: "مرحباً
بك في الجنة".
ما تحقق
لقطر:
لقد عرفت المنطقة نمطاً من الزعامة
المدمرة، حيث انشغل الحاكم ببناء زعامته ومجده الشخصي على حساب إفقار شعبه، وربما
تدمير بلده، حتى كانت هذه الزعامة وبالاً على الشعوب والأوطان. والنماذج في
التاريخ المعاصر أكبر من أن تحصى أو تعد، لكننا أمام نموذج مختلف، اعتبر أن رفاهية
شعبه هي المدخل لأن يكون لبلده موقع متميز على الخريطة.
فكانت الاستثمارات الضخمة في البنية
التحتية، والتعليم، وتنوع مصادر الدخل، والتوسع غير المسبوق في الخدمات العامة،
حتى احتلت قطر المرتبة الأولى عالمياً في نصيب الفرد من الدخل القومي، وفي المرتبة
الأولى في الأمان على مستوى الشرق الأوسط، وذلك من خلال منظومة أمنية جعلت الدولة
تقترب من تصفير معدلات الجرائم الكبرى، وسجلت أدنى المستويات في الجريمة المنظمة،
وحجزت موقعها المتميز ضمن العشرة الأوائل عالمياً في مؤشر الأمان.
ولم يستلم الشيخ حمد بن خليفة البلد
غنياً، فعندما حدث هذا لم يكن في خزينتها ما يكفي لصرف رواتب العاملين فيها، وكان
قد استقر الرأي على أن كلفة استخراج الغاز أكبر من ثمنه، لكنه لم يستسلم لهذه
الرؤية، فحققت رؤيته المعجزة، وانطلق بالبلد إلى آفاق جديدة عنوانها الإنسان، فلم
يدمر ثرواته لتحقيق زعامته، ولم يفرض هذه الزعامة، وإنما تحققت بالعمل الجاد
المثمر، وحقق لقطر استقلال القرار، فلم تعد مجرد دولة صغيرة تعيش في كنف الشقيقة
الكبرى، أو تستمر في وضع رأسها بين الرؤوس!
ولم يكن من الممكن الحفاظ على جودة
الحياة، والانتقال بدخل الفرد إلى هذه الأرقام الفلكية، إلا باستقلال القرار، ولعل
من دوافع استمرار الحال على ما كان عليه في السياسات السابقة، وانعدام الإرادة
للتغيير، ألا يثير ذلك حفيظة أحد، أو يؤدي إلى لفت انتباه دول الجوار لهذا البلد
الصغير!
وعندما خطا الشيخ حمد خطوته الأولى،
بدت الرؤية لقطر مكتملة في ذهنه، ويسعى لتحويلها من فكرة إلى واقع، ولم يكن هذا
سهلاً، وقد يكون مغامرة في إقليم يريد استمرار الأوضاع على حالها، ولهذا قوبل حكمه
بتحديات إقليمية هائلة، انتصر عليها وتجاوزها، لتصبح جزءاً من التاريخ لا الحاضر،
وهو ما تحقق بالإرادة وعدم الخضوع.
الأمير
المتمرد على الواقع:
وتمردت قطر في عهد الأمير الوالد على
سياسة الأمر الواقع، أو الاستسلام لفكرة الدولة الصغيرة التي تحتاج إلى راعٍ من
دول الجوار، ويتحقق أمانها بالسمع والطاعة، فتقدمت في وقت بدا فيه هناك من لا
يعملون ويؤذيهم أن يعمل الآخرون، وهناك من تخلوا عن أدوارهم طواعية، وتقدمت هذه
الدولة الصغيرة لتناصر قضايا الحق والعدل، وتنحاز للإنسانية، بما يمثله هذا من
مغامرة، فحيثما كان الإنسان حضرت، وقدمت دبلوماسية مختلفة، فحيثما كانت الأزمات
ذهبت إليها، فليس بالسلاح وحده تثبت الدول وجودها.
في أماكن النزاعات حضرت، وحيث وجد
الفقر وصلت مساعدتها، ولم يجد القاعدون على الرصيف بداً من التحريض، واتهامها
بأنها تمول الإرهاب، وكأن حفر بئر في أدغال أفريقيا، أو بناء مستوصف طبي لعلاج
الناس، هو مساندة للإرهاب، حتى تم في وقت لاحق غل الأيدي، وتحجيم الإنفاق
الإنساني، وإن لم يتوقف تماماً، فقد توافرت الإرادة على استمرار هذه الدبلوماسية،
وعدم الاستسلام للضغوط.
في عهد الأمير الوالد حضرت قطر في
الأزمة اللبنانية حتى وقع اتفاق المصالحة عام 2008، وحضرت في الأزمة السودانية
ورعت توقيع اتفاق دارفور عام 2011، وحضرت في الأزمة الفلسطينية ووقعت اتفاق
المصالحة عام 2012، ووقفت مع البوسنة والهرسك إبان العدوان الصربي عليها بالدعم
المالي، وساهمت في إعادة الإعمار بعد أن ألقت الحرب أوزارها، وهو ما اعترف به
الرئيس البوسني السابق، وكانت حاضرة في أفغانستان والصومال وفي أفريقيا على
مدد الشوف.
الموقف من غزة، فله فيها دور بارز، ووضع سياسة أخذت بها قطر حتى الآن، ولن ينسى له التاريخ أنه أول حاكم يكسر الحصار على القطاع، ويذهب بنفسه إلى هناك
أما الموقف من غزة، فله فيها دور
بارز، ووضع سياسة أخذت بها قطر حتى الآن، ولن ينسى له التاريخ أنه أول حاكم يكسر
الحصار على القطاع، ويذهب بنفسه إلى هناك، ويقدم دعماً سخياً بقيمة 400 مليون
دولار.
إنه الحاكم الإنسان الذي يسافر إلى
مصر لتقديم واجب العزاء في وفاة من كان معلمه في سنوات دراسته الأولى، ثم تجده بين
الناس، ويتحرك من دون حراسة أو موكب، فتغلق إشارة المرور، فيلتزم الجميع، ليجده
الواقفون بينهم يقود سيارته بنفسه، ويسافر إلى الخارج فيخالط البسطاء في الشوارع
وعلى المقاهي، ويطلب من عامل بسيط لا يعرفه أن يأتي إلى الدوحة للعمل، فلا يأخذ العرض
بجدية لبساطة من يحدثه، ويسأله آخر عن وظيفته، فلما أخبره بأنه أمير قطر، رد عليه
عامل المقهى البسيط: "بلد القرضاوي؟!"، فيضحك من قلبه.
إنه مولود وفي فمه ملعقة من ذهب، كابن
أمير، لكنه لم تَرُقْ له حياة الدعة، فعاش بين الناس كواحد منهم، وليس سيداً
عليهم، وأحب بلده فعمل على رفعتها، وانتمى إلى القطريين، خاصتهم وعامتهم، فحلّق
بهم في الآفاق بعيداً لتحقيق الرفاهية والأمن.
وجاء الربيع العربي، فكان أقرب إلى
الناس لا إلى قصور الحكم، وانزعجت القصور خوفاً، لكنه كان في أمان من هذا الفيضان
الذي عمّ المنطقة، لأنه أقام حكماً لا يقوم على القهر، ولا يعتمد الإفقار، ولا
يجوع شعبه ليتبعه، فهو أب لشعبه لا فرعون يريهم ما يرى ويهديهم سبيل الرشاد.
وهو لم يزاحم على دور، ولم يفتعل
إنجازاً، وفي بعض الأحيان كان يهمه نجاح المبدأ على انتسابه إليه، وقد قادت قطر
مفاوضات طويلة في أمر الجندي الإسرائيلي شاليط لدى حماس، وكان يستهدف الإفراج عن
أكبر عدد من الأسرى الفلسطينيين مقابله، فلما نجحت المفاوضات، ووجد هناك من يريد
اللقطة، ترك له المشهد كاملاً مكتفياً بما حقق لأهالي الأسرى، فهذا هو المطلوب،
وليس الظهور في "الكادر".
رحم الله الأمير الوالد وأحسن إليه.
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.