كنت أعتقد أنها الدفعة الأولى للأئمة
الجدد، الذين أتموا دبلومة الأكاديمية
العسكرية، فاكتشفت أنها الثالثة!
فمن الواضح أنه منذ أن تقرر إلحاق من
وقع عليهم الاختيار للتعيين أئمة بوزارة الأوقاف في
مصر بالأكاديمية العسكرية، لم
تحدث ضجة عبر منصات التواصل، إلا مع هذه الدفعة، فسقطت دفعتان تخرجتا دون اهتمام
يُذكر!
والمعارضة المسكونة بالسخرية هذه
المرة، تشبه البداية عندما تقرر الأمر دون أن تستوي الفكرة، لدرجة أنه تقرر إلحاق
الشباب بالدورة قبل التوصل إلى تسمية لشهادتها، وقد علمت من النشر مع هذه الدفعة
أنها "دبلومة"، ويحدونا الأمل في التوصل إلى مقترح آخر لتسمية الشهادة،
هو برنامج ما بعد الدكتوراة بالأكاديمية العسكرية بالنسبة للأئمة!
ولعلهم -أي الأئمة- هم أصحاب الشريحة
الثانية بعد المعلمين، الذين يوليهم النظام اهتماماً خاصاً، واشترط لتعيينهم
اجتياز القبول والدراسة في الأكاديمية، ولا نعرف المواد التي يدرسونها لاستكمال
مهاراتهم في الخطابة والدعوة، لكن ما نعرفه هو ما تم إعلانه لنا، وهو تحقيق
اللياقة البدنية، وهي شرط في الاختيار، ويبدو أنهم عاشوا فترة تجنيد كاملة في
الدبلومة، من حيث الضبط والربط والتمرينات الرياضية، مع ما يلزم ذلك من قواعد،
أخصها حلاقة اللحية وتقصير شعر الرأس!
لم تعد تكفي التقارير الأمنية لإثبات البعد عن التنظيمات الدينية أو السياسية المناوئة لنظام الحكم، وإنما يجب أن تتم صناعة هؤلاء على الأعين، فلا يكفي أن يكونوا بلا انتماء سياسي، وإنما ينبغي أن يكونوا رجال النظام، في محاولة لتخليق دولة ليست على القواعد السابقة، والأزمة مع توجه ديني معارض!
وإذا كان هناك من جعلوا من فكرة
الحلاقة والتقصير قصة، فلا أرى مشكلة في ذلك؛ وللدقة فليست هي الموضوع، فهؤلاء
الشباب مروا بتجربة التجنيد الإجباري، إلا من أُعفي منها قانوناً، وقد خضعوا لكل
ما خضعوا له في الدورة، فلا يمثل مشكلة أنهم سيعملون أئمة، فخريجو
الأزهر الشريف
يسري عليهم ما يسري على غيرهم من الامتثال للتجنيد الإجباري، كشرط من شروط التعيين
والالتحاق بأي وظيفة!
والحال كذلك، فقد تضاعفت لهم فترة
التجنيد، وإن كانت قد أضيفت إليها المواد النظرية، ليجمعوا بين الحسنيين، النظري
والعملي في وقت واحد، وكم سيكون مناسباً لو كانت هذه الدبلومة جزءاً من فترة
التجنيد وبديلاً له. وغير ذلك فلا أظن أن الأمر في ظاهره يمثل أزمة، إنما
الإشكالية هنا في فلسفة هذا التوجه الجديد!
فلسفة التوجه:
أما أنه جديد، فلأنه غير مسبوق في
التاريخ المصري المعاصر، مع أن عمر الحكم العسكري هو 74 سنة، منذ الحركة المباركة
لضباط الجيش في يوليو/تموز 1952، مع أن دولة البكباشي جمال عبد الناصر كانت تواجه
بإشكالية الإخوان!
فالفلسفة الجديدة هي أن يكون كل ما له
صلة بالتعامل مع الناس -أئمة ومعلمون- من قاعدة التوجيه، من اختيار نظام الحكم،
فلم تعد تكفي التقارير الأمنية لإثبات البعد عن التنظيمات الدينية أو السياسية
المناوئة لنظام الحكم، وإنما يجب أن تتم صناعة هؤلاء على الأعين، فلا يكفي أن
يكونوا بلا انتماء سياسي، وإنما ينبغي أن يكونوا رجال النظام، في محاولة لتخليق
دولة ليست على القواعد السابقة، والأزمة مع توجه ديني معارض!
وهي فلسفة لا تستهدف الولاء للنظام،
وإنما تستهدف صناعة "أبناء" لهذا النظام اصطفاهم وصنعهم على عينه. وقد
فعلها الرئيس جمال عبد الناصر بشكل أوسع ووفق أطر مختلفة، من الاتحاد القومي
فالاشتراكي، إلى منظمة الشباب، إلى التنظيم الطليعي، لأنه عاصر مرحلة التنظيمات
قبل حركته المباركة، لكنه في الحالة الدينية أبعد المنابر عن السياسة، وعن أن تكون
ضمن منظومة الدعاية والتوجيه السياسي!
فوضى
المنابر:
وكانت أزمة نظام السادات مع بعض
المنابر التي خلطت بين الدين والسياسة من قواعد المعارضة، وقد أمكن في عهد مبارك
هندسة الحالة الدينية، فقامت الثورة عليه وليس هناك منبر مسجد واحد في طول القُطر
المصري وعرضه يمكن أن يمثل امتداداً لمنبر مسجد عين الحياة في حدائق القبة، حيث
الشيخ عبد الحميد كشك، أو منبر مسجد سوق الآخرة في ضاحية المعادي، حيث الشيخ يوسف
البدري، أو منبر مسجد القائد إبراهيم، حيث الشيخ أحمد المحلاوي!
بيد أن مرحلة ثورة يناير/كانون الثاني
2011 شهدت ما أطلقت عليه "فوضى المنابر"، عندما تحولت إلى التعبير عن
تيارات دينية من منطلق حزبي، متجاوزة الخطاب العام الذي كانت تمثله بعض المنابر في
عهد السادات، وحتى بداية عهد مبارك في بعض المساجد، مثل منبر صلاح الدين في المنيل،
حيث الشيخ عبد الرشيد صقر!
وقد طالبت في مقالات منشورة بوضع حد
لهذه الفوضى تنزيهاً للمنابر، لتقتصر على الخطاب الديني، دون جدوى. ولا يمكنني
استيعاب أن الإمام السلفي الذي كان يخطب الجمعة في زاوية بجوار منزلي، يلقي خطبة
في الفقه الدستوري عن ضرورة التصويت بنعم للتعديلات الدستورية، وهو الذي كانت غزة
تتعرض للعدوان الإسرائيلي أكثر من مرة، فلم أسمع له في عهد مبارك حرف إدانة، أو
كلمة في السياسة!
وقد تحولت صلاة الجمعة إلى قطعة من
العذاب، فمن حق الخطيب أن يلقي خطبته حيث يُفرض على المستمعين الصمت، فمن قال
لأخيه والإمام يخطب: اصمت، فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له!
والنظام القائم في مصر الآن هو على
أنقاض هذه المرحلة، وهو حبيسها لم يبارحها، لذا فكانت فكرة تأميم المنابر لصالحه،
وبأن يكون الخطباء هم أبناؤه، ليس على قواعد الولاء، ولكن وفق ثقافة تصطفي على
قواعد معايير الوزن والطول، وكأنهم سيتم اختيارهم للالتحاق بالكليات العسكرية
ليكونوا ضباطاً مقاتلين وطيارين!
ويمكن فهم السياسة الجديدة، دون تسخيف
أو ازدراء، في ضوء أن صاحبها له منطلقات دينية، ولم يكن هذا ادعاء، وهو على الجبهة
الأخرى من أفكار الإسلام السياسي، ويرى أن قناعاته الدينية ينبغي أن تسود، وأنه
يملك سلطة التوجيه حتى على الأزهر نفسه، فكان الاتجاه هو صناعة أذرع للدعوة، في
مواجهة الإخوان!
منافسة
الإخوان في الدعوة والكراتين:
المستقر في الوجدان، أن الإخوان حققوا
شعبيتهم بأمرين؛ هما المساعدات الغذائية -كراتين الزيت والسكر- والدعوة، والأولى
قام بها حزب مستقبل وطن لسنوات، ولم يحقق حضوراً حقيقياً في الشارع، وكل ما يتحصل
عليه في الانتخابات سيتبخر عند التفكير في انتخابات شبه جادة، وهو وغيره ليسوا
أحزاباً وازنة في الشارع، وسوف تنتهي كما انتهى الاتحاد الاشتراكي، وحزب مصر،
والحزب الوطني!
والمستقر أيضاً أن شعبية الإخوان بسبب
الدعوة، إذن لا بد من تأميم المنابر بواسطة الأبناء بالانتقال من مرحلة إبعادها عن
السياسة لتكون جزءاً من الدعاية السياسية!
ومصطلح الدعوة عند الإخوان يحتاج إلى
إعادة ضبط وتحرير، فالخيال أنهم كانوا يحتلون المنابر، ولهذا تمكنوا من غواية
الجماهير، والمتابع للملف الديني في مصر سيكتشف أن الأمر ليس صحيحاً، فلم يكن
بينهم خطباء منابر تُشد لهم الرحال، وكان من ينتمون إليهم يُمنعون من الخطابة، وقد
بنى الدكتور عصام العريان مسجداً، ومُنع من صعود منبره، وهناك قانون يجرم الخطابة
دون ترخيص من وزارة الأوقاف، هو في الحقيقة ترخيص أمني بامتياز!
وقد ظللت ردحاً من الزمن أربط بين
فكرة "الدعوة" عند الإخوان والخطابة، تماماً كما قال أحد إعلاميي
المرحلة وهو يعدد إنجازات وزير الأوقاف السابق مختار جمعة، والتي تلخصت في قوله: "إنه
قطع أرجل الإخوان عن صعود المنابر"، فمن -يا إلهي- كان يصعدها من الإخوان؟
وأمامنا المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد، فمن كان منهم من الخطباء البارزين في
تاريخ الدعوة بمصر؟!
كنت أناقش مسألة التوقف عن ممارسة
الإخوان للسياسة، وهناك من يتحدث عن الاكتفاء بالدعوة، فسألت: وأين الدعاة ليحصلوا
على هذا الامتياز؟ وما مفهوم الدعوة لديهم؟ ليرد أحدهم وهو يمزح: "إن ما
نفعله معك الآن هو الدعوة"!
إنهم ليسوا منافسين حتى للسلفيين في
هذا المجال، فمن رموز السلفية من اشتهروا بالخطابة والدعوة بمفهومها الشائع،
وليسوا منافسين حتى لجماعة الدعوة والتبليغ التي تسوق الناس إلى المساجد، فهل كان
الأمر يحتاج إلى صناعة البديل في الأكاديمية العسكرية؟!
ما تحقق في
الملف الديني:
اللافت هنا أن أهل الحكم يهدرون ما
تحقق في هذا الملف الديني الحساس، وهي مكاسب حدثت بالتراكم، وبهندسة الحالة
الدينية!
وفي هندسة الحالة بذلت دولة مبارك جهداً
كبيراً للانتصار لفكرة أن الكلام في الدين هو اختصاص الأزهر ودعاته، وذلك لقطع
الطريق على جماعات التشدد من الاعتقاد أنها صاحبة ولاية في أمور الدين، وكونهم غير
أزهريين مأخذ عليهم، مما جعلهم يتمترسون خلف الشيخ الأزهري الدكتور عمر عبد
الرحمن، لإفساد هذا السلاح في المواجهة الفكرية، وتسرب السلفيون إلى الكليات
الأزهرية عندما كانت تسمح بذلك الظروف.
ماذا يمكن أن يضيفوا للنظام إذا انطلقوا بخطبة الجمعة، لتكون امتداداً لفعاليات حزب مستقبل وطن؟ لقد فقدوا الثقة قبل أن ينالوها، فما قيمتهم والحال كذلك؟!
إن كثيرين سينظرون إلى صلاة الجمعة على أنها "تأدية واجب" والتزاماً بفريضة السعي إلى ذكر الله، فهل ستظل بوجودهم تعبيراً عن كونها ذكراً لله
والحاصل الآن هو ترك الأمور سداحاً
مداحاً لكل من هب ودب، لتمكين بعض الأشخاص من إحداث الإثارة في مقابلاتهم
التلفزيونية، عندما يُسمح لفاطمة ناعوت، وإبراهيم عيسى، وخالد منتصر، ومن على
شاكلتهم، بتصدر المشهد الديني، ليس بحثاً عن "الشو"، الذي يتحقق بشكل
أكبر إذا استضيف أزهري لنسف ترهاتهم، ففي السابق كانت تحدث المناظرات، وكانت تكفي
لإثبات خطلهم وضعف ثقافتهم الدينية وتلفيقهم، وهو ما يسهل تمريره عبر مذيعين أميين!
وما استقر أيضاً في المرحلة السابقة -إذا
أسقطنا سنتي الثورة- هو نزع سلاح "علماء السلطة" من أيدي الجماعات
المناوئة، فقد كان يكفي الاتهام بأن مناظرهم أو خصمهم هذا من علماء السلطة
ورجالها، ليكفي هذا للانتصار في أي سجال.
إنني أشاهد بعض حلقات الإفتاء التي
كان ضيفها الشيخ عطية صقر، عبر قناة "ماسبيرو زمان"، فأجدني أمام فقيه
كبير، لم ينل حظه من الحضور في الصدارة وهو يستحقها، وتذكرت أن السياق السياسي
للرجل نال من قيمته العلمية، ومن يشاهدونه الآن معزولاً عن سياق لا يعرفونه، يبدون
إعجابهم به!
وهذا السياق أنه كان منتمياً إلى
الحزب الوطني، وكان عضواً في مجلس الشعب تمثيلاً له، والرجل أقرب إلى الزهد منه
إلى طلب الدنيا، وقد كنت أراه في أتوبيسات هيئة النقل العام، وأراه سيراً على
الأقدام لمسافة طويلة في طريقه إلى عمله رئيساً للجنة الإفتاء بالأزهر، وقد يكون
موقفه السياسي وليد اقتناع لا ترتيباً لأوضاع وظيفية ومنح سلطانية، وقد كان يحاجج
نواب الإخوان في مجلس الشعب، كما كان يحاجج أعضاء الجماعات الإسلامية في السجون
وفي البرنامج التلفزيوني "ندوة للرأي"، لكن مجرد تصنيفه بأنه من "علماء
السلطة" كان يفقده المصداقية، فيصبح ما يقوم به حرثاً في الماء!
فماذا عن أئمة حصلوا على اللقب قبل
صعودهم للمنابر، ودون علم يزكيهم، وماذا يمكن أن يضيفوا للنظام إذا انطلقوا بخطبة
الجمعة، لتكون امتداداً لفعاليات حزب مستقبل وطن؟ لقد فقدوا الثقة قبل أن ينالوها،
فما قيمتهم والحال كذلك؟!
إن كثيرين سينظرون إلى صلاة الجمعة
على أنها "تأدية واجب" والتزاماً بفريضة السعي إلى ذكر الله، فهل ستظل
بوجودهم تعبيراً عن كونها ذكراً لله، يستدعي أن يذر المرء البيع إذا نودي للصلاة
من يوم الجمعة، وينطلق إلى هناك؟
لو كان يمكن أن يؤدي الأئمة الجدد
مهمة للنظام، لكان الخطيب السلفي أقنعني بالتصويت بنعم للتعديلات الدستورية!
دعهم يجربون!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.