القصة
بدأت من 23 يوليو 1952 وليس من 3 يوليو 2013، فمنذ
انقلاب ضباط الجيش على الملك
فاروق، ومصر تعيش مرحلة حكم أسرة جديدة، هي الأسرة التي أزاحت الأسرة العلوية
وأسست الملكية
العسكرية، وحل أبناء الكتيبة محل أبناء القبيلة، وأصبح نظام الحكم
الوراثي ليس بالعصبية النسبية، وإنما بالخلفية العسكرية.
فكما أن
الحكم لا يخرج عن أبناء الأسرة المالكة، فكذلك لا تخرج السلطة عن سور الكتيبة، ومع
حدوث أول شرخ في جدار المعسكر، استطاعت ثورة 25 يناير أن تنفذ منه، عندما بدأ
مشروع توريث الحكم لجمال مبارك، وتعامل كولي عهد في آخر سني حكم والده. ونظرا لأن
شهوة الحكم وسطوة الملك لا تعرف المجاملة، اجتمعت كلمة قادة الجيش على إفشال خطة
التوريث، وأضمروا النية وانتظروا الساعة المواتية، ووجدوا في تحرك شباب يناير
اللحظة المناسبة، لإزاحة الوريث المدني، فتخلى المجلس العسكري عن مبارك قليلا،
وفتح الباب بالدرجة نفسها للشباب الثائر، الذين انضمت إليهم الجماهير المتشوقة
للحرية والتغيير. وهنا اتسع الخرق على الراقع، وحاولت أجهزة الدولة تدارك الأمر
وكبح جماح الثوار، باعتبار انتهاء مهمتهم التي تقاطعت لفترة مع نية القادة
العسكريين، لا سيما بعد إعلان مبارك تنحيه عن رئاسة الجمهورية وتسليم السلطة
للجيش، وإدراكه متأخرا أن أحلام جمال كانت نسجا من خيال، وجنت على ما تبقى من أيام
حكم الرئيس وأسرته.
بدأت فترة
حكم المجلس العسكري الانتقالية، وكانت أيام كر وفر بينه وبين مجاميع الثورة الذين
أغرتهم الأنفال، وتركوا جبل الرماة "ميدان التحرير" وتفرغوا لتقسيم
الغنائم، ولا أستثني من ذلك أحدا. واتبع المجلس العسكري سياسة فرق تسد، وسهّل
مهمته ما بين فصائل الثورة المختلفة من تباين، بل ظهر الاختلاف الواضح بين أبناء
الفصيل الواحد، فرأينا عدة أحزاب تمثل التيار الإسلامي، ولم تصبح القسمة ثنائية
بين الإخوان والسلفية، وانتهت هذه المرحلة إلى نتيجتين:
الذي لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان
الأولى:
نجاح د. محمد مرسي كأول رئيس
مصري منتخب بإرادة حرة من الشعب
الثانية:
أصبح رفقاء الميدان، هم فرقاء الثورة، وكل فريق يرى المجلس العسكري أقرب إليه من
أخيه، وأن تحالفه معهم هو السبيل الموصل للحكم.
وأول من
اقتنع بهذه النتيجة التيار الإسلامي، الذي كان واثقا من اختيار الجماهير له -كما
حدث في كل الاستحقاقات الانتخابية- وأن الجيش هو صمام الأمان لضمان الوصول لصناديق
الانتخابات. وبالفعل حصل على أغلبية مريحة في مجلس الشعب، ولكن شهر العسل لم يدم
طويلا، لأن العسكري لا يرى الشرعية في صندوق الانتخابات، وإنما في صندوق الذخيرة.
ثم وقع
التيار المدني وجبهة الإنقاذ في الشرك ذاته، حيث ظن أن الجيش سيزيح "حكم
الإخوان" ويسلم لهم السلطة. والحق يقال، إن موقف العساكر من حكم المدنيين لا
يختلف، سواء كانوا إسلاميين أو شيوعيين، وإنما استخدم العسكر التيار المدني كواجهة
مؤقتة، ومنهم من أدرك ذلك مبكرا، ومنهم من أخذته العزة بالإثم حتى أصبح حبيس
مطبخه، أو جليس أخواته !
إذا كان
التخلص من الرئيس المنتخب وجماعته استغرق عاما كاملا، فإن التخلص من الغلاف المدني
والرئيس المؤقت استغرق عاما آخر، حتى استردت العائلة العسكرية حكمها بعد سنة من ظل
المستشار عدلي منصور، الذي اعتبره محللون محللا لعودة العصمة العسكرية.
مسلسل
الانهيار والاستهتار بالدولة المصرية ومقدراتها، بدأ من الانفصال عن السودان، الذي
يجمعنا معه التاريخ والجغرافيا، والنسب والنيل، ناهيك عن اللغة والدين، ثم أقام
عبد الناصر وحدة مع سوريا، ظهر فشلها من قبل توقيعها، وتتابعت الهزائم على يد ضباط
مغامرين كلهم دون الأربعين، وبلا سابقة سياسية أو قيادية، وظهر بينهم التكالب على
السلطة مبكرا، وانقلبوا على كبيرهم محمد نجيب، وظل محبوسا ومهمشا حتى مات في عهد
مبارك، بما يؤكد أنهم نظام واحد يتوارثون العداوة ويحافظون عليها، ومن اشتراكية
عبد الناصر إلى انفتاح السادات، حيث خرج الشعب المطحون إلى انفتاح موهوم، استفادت
منه مراكز القوى وأصحاب النفوذ، وظهرت طبقة جديدة من الحيتان والقطط السمان.
وقبِل
الشعب شظف العيش أملا في إحراز الفوز وتحرير الأرض ورد العدوان، واستطاع قادة
الجيش المصري تحقيق النصر وتحطيم الخط وعبور القناة، وجعلوا يوم العاشر من رمضان/
السادس من أكتوبر 1973 يوما لاستعادة العزة والكرامة، ولقّنوا العدو الإسرائيلي
درسا كبيرا؛ لم يدم الفرح به طويلا، حيث أضاع السادات في كامب ديفيد ما حققه
الجنود في الميدان. ومما يؤكد فداحة المصيبة أن الاتفاقية كانت سببا في استقالة
ثلاثة من وزراء الخارجية في عهد السادات، وهم إسماعيل فهمي، ومحمد رياض، ومحمد
إبراهيم كامل، بما يؤكد إجماع رجال الخارجية على رفضها، وانتهى الأمر برئيس
الأركان وقائد العبور الفريق سعد الشاذلي باللجوء إلى الجزائر. وكما استمر السادات
على خطى عبد الناصر في معاملة محمد نجيب، استمر مبارك في التمسك بالحكم الجائر
الذي استصدره السادات ضد الشاذلي، وأدخله السجن لقضاء العقوبة، وقد كان رئيسه
المباشر في حرب العبور!
استمر حكم
العائلة العسكرية ثلاثين سنة فترة حكم مبارك، الذي لم يغير من قواعد حكم أسلافه
شيئا، بل ألغى بعض هوامش الحرية التي سمح بها السادات، واسترد الوظائف التي كان
يشغلها مدنيون كبعض المحافظين ورؤساء الهيئات، لصالح السادة اللواءات، وأصبحت كل
الملفات الداخلية تديرها القيادات الأمنية، وجهاز مباحث أمن الدولة هو المسؤول عن
مفاصل الدولة، وأصبح للشرطة فرع في كل الوزارات والمؤسسات؛ ولا أعني بذلك شرطة
الآثار والسياحة أو شرطة السكة الحديد، وإنما أعني لواءات من الشرطة والجيش في
الهيكل الأعلى للوزارات، وأقرب مثال على ذلك يوم دخلنا وزارة الأوقاف بعد ثورة
يناير، وجدنا القطاعات السبعة التي تدير الوزارة، على رأسها سبعة لواءات من الجيش
والشرطة.
وإذا كان
هذا في وزارة الدعوة والمساجد، فلك أن تتخيل ما في سواها من الوزارات!
قد تظهر
اختلافات شكلية في طريقة إدارة الحكم، أو تغيير الولاءات والانتقال بين المعسكرات،
لكن ظلت العائلة العسكرية محافظة على أسس الحكم وأصوله، التي أرساها الآباء
العساكر، وأهمها إهمال الكفاءات وتقديم الولاءات، وحماية منظومة الفساد
والاستبداد، ومع تتابع حكم ولاة العهد العسكري، بدأ دور مصر الدولي والإقليمي في
التراجع، وتسابقت عدة دول على وراثة مكانة أم الدنيا، بل انقلبت الصورة بالكلية،
فأصبحت مصر الكبيرة في مقاعد المتفرجين، وتنتظر من يقرأ الفاتحة حتى تقول آمين.
لكن الذي
لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل
سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة
من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان، حتى أخذ
بعضهم الغرور وقلة الخبرة والدربة، فكتب كل ما تعانيه الدولة الآن وما يئن منه
المواطن معلقا ذلك على شماعة الإخوان، فجاءت تعليقات المصريين قوية بل انتقامية،
مما جعل وزير الأوقاف الحالي في ورطة، وحذف المنشور لاحقا من صفحة الوزارة.
كمية الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين
هل يعقل
أن يقال في الذكرى 13 لثورة
30 يونيو الحميدة، أن سبب ارتفاع الدولار من 7 جنيهات
إلى 50 جنيها هو ثورة يناير؟ وأبسط ما يقال في ذلك: هل لم تستطع ثورة يونيو
المجيدة في 13 سنة، أن تمحو ما فعلته يناير اللئيمة في سنة واحدة؟!
بعد 13
سنة من الحكم المنفرد ولا حديث لكم إلا عن الإخوان، وكيف نجحتم في إزاحتهم، وهذا
معناه أنكم لم تقدموا شيئا بعد هذا الإنجاز (إن جاز التعبير)، وعودتكم للحديث عنهم
محاولة فاشلة للتغطية على الفشل.
حديثك عن
الإخوان لن يُشبع جوع الفقير، ولن يمنع تلوث المياه إن وجدت، ولن يخفف كثافة
الفصول، أو يرفع جودة التعليم. المواطن
المصري يريد سماع أخبار إصلاح المستشفيات المتهالكة، أو منع انتشار المخدرات
المهلكة، ويريد حلا لعجزه عن توفير ضرورات الحياة. أخبار الجماعة -حرفيا- لا تسمن ولا تغني من جوع، والمواطن يريد أخبار
المأكل والمشرب، وليس أخبار فضيلة المرشد..
حكَم
الرئيس محمد مرسي سنة واحدة، ونجحتم فعلا في القضاء على التجربة في مهدها خلال عام
واحد، فهلا وضعتم لكل سنة هدفا تحققونه كما شفيتم غليلكم من الإخوان؟
لو كان
اهتمامكم في السنوات العشر المنصرمة بملفات الصحة والتعليم، وحقوق الإنسان
الأساسية، كاهتمامكم بجماعة الإخوان، لكنتم الآن في مصاف الدول المتقدمة.
كمية
الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا
يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين،
وانضم إلى أجنحة النظام الكسيرة، أناس طال عليهم الأمد فقست قلوبهم التي غطى عليها
ران الغربة، وراودتهم أحلام العودة، فراحوا يجترون ما لفظه النظام، ويدندنون على أسطوانة
الإخوان أملا في الوصول، حيث جربها زملاء لهم من قبل ونجحوا، وأصبحت الوصفة
السحرية: أقصر طريق إلى قلب الكتيبة هو عداوة الإخوان، وكسب المعركة من أول جولة
لها سلاح واحد هو التطاول على أحد الأستاذين: إما الأستاذ المؤسس حسن البنا، أو
الأستاذ المفكر سيد قطب.
وأسجل هنا
للتاريخ أن معركة النظام القادمة ليست مع الإخوان المسلمين أو الخصوم التقليديين،
لأن القوم جاءهم ما يشغلهم، وفكرة الجماعات والتنظيمات على صورتها القديمة قد
تجاوزها الزمن، ولا أحفل بها ولا أعول عليها، لكن لن تنجح أساليبكم العتيقة في
التصدي لجيل الذكاء الاصطناعي وفرسان الإعلام الرقمي، وسيخرج لكم من العاصمة
الحديثة موسى الجديد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.