عقل الدولة المحصن: تفكيك دور "الأوكتاغون" ومآلات الواقع المصري

محمد عماد صابر
"الكيان الفعلي" الذي تدار منه الدولة"- الهيئة العامة للاستعلامات
"الكيان الفعلي" الذي تدار منه الدولة"- الهيئة العامة للاستعلامات
شارك الخبر
لم يعد انتقال مركز ثقل السلطة في مصر إلى العاصمة الإدارية الجديدة مجرد عملية إخلاء للمقار التاريخية في قلب القاهرة، بل هو إعلان رسمي عن ولادة هندسة سياسية وأمنية جديدة للدولة. ويتربع مجمع القيادة الاستراتيجية، المعروف بـ"الأوكتاغون"، على رأس هذا التحول كرمز مادي وعملياتي لصياغة مفهوم جديد للحكم، يتجاوز الأشكال المؤسسية التقليدية نحو نموذج "المركز المحصن والأطراف المكشوفة".

ومن الخطأ قراءة هذا الصرح باعتباره مجرد مقر بديل لوزارة الدفاع أو هيئة أركان حرب القوات المسلحة، بل إن توصيفه الوظيفي الحقيقي هو أنه "العصب الرقمي والأمني الموحد للدولة" الذي صُمم ليكون مركزاً لإدارة الأزمات، يربط كافة وزارات ومحافظات وشبكات الدولة الحيوية بمركز سيطرة عسكري واحد، مما يعني إحلال البيروقراطية الأمنية محل البيروقراطية المدنية التقليدية.

ويمثل الأوكتاغون، جغرافياً وعسكرياً، قطيعة كاملة مع فكرة "العاصمة المفتوحة"، حيث يخلق منطقة سيادة معزولة محاطة بنظم دفاع جوي متطورة وحراسة لصيقة من الحرس الجمهوري، مما يمنح النظام حصانة كاملة ضد أي ضغوط شعبية أو احتجاجية في الوادي القديم. وعلى الرغم من بقاء النصوص الدستورية التي تتحدث عن سلطة تنفيذية وحكومة ومجلس دفاع وطني،
يمثل الأوكتاغون، جغرافياً وعسكرياً، قطيعة كاملة مع فكرة "العاصمة المفتوحة"، حيث يخلق منطقة سيادة معزولة محاطة بنظم دفاع جوي متطورة وحراسة لصيقة من الحرس الجمهوري
فإن هذا الصرح يمثل "الكيان الفعلي" الذي تدار منه الدولة، حيث تذوب الفواصل بين مصلحة المؤسسة العسكرية ككيان وطني تاريخي، وبين مصلحة الدائرة الضيقة للنظام الحاكم. هذا التحول نحو القيادة المركزية المعزولة يحمل في طياته تداعيات سلبية عميقة على بنية المجتمع والدولة، ويضع البلاد أمام مآلات غير مسبوقة.

تاريخياً، ركزت القوات المسلحة المصرية على حفظ توازن حساس عبر التدخل في الأزمات الكبرى كحكم أو منقذ مع الحفاظ على مسافة رمادية تحمي صورتها الذهنية، لكن تحت مظلة الإدارة المباشرة لكل ملفات الدولة الحياتية من داخل "الكيان"، ينزل الجيش بكافة أسلحته وضباطه ليكون أداة "الضبط المادي القسري" اليومي في الحواري والقرى. هذا التماس المباشر في ملفات اقتصادية وخدمية طاحنة يرفع الغطاء الرمادي ويضع المؤسسة في مواجهة علنية ومباشرة مع المواطن، محملة بتبعات الفشل الإداري أو الأزمات المعيشية.

ولحماية هذا الكيان (الأوكتاغون) من الاحتكاك المباشر المستمر وتجنب الكلفة السياسية للقمع، يبرز تداعٍ سلبي خطير يتمثل في الاستعانة المتزايدة بـ"الشركات الأمنية الخاصة" و"المجموعات القبلية المسلحة" في بعض الأطراف، مما يخلق قوى موازية على الأرض تُضعف من هيبة جهاز الشرطة التقليدي وتخلق بؤر نفوذ مسلحة تدين بالولاء لأشخاص أو شبكات مصالح ضيقة وليس للدولة، مما يهدد وحدة احتكار العنف الشرعي.

البنية الهندسية والأمنية للأوكتاغون تكشف أن النخبة الحاكمة لم تعد تصمم خططها بناءً على فرضية الاستقرار السياسي والرضا الشعبي، بل بناءً على فرضية "الانكفاء والتحصن" وإدارة الفوضى المحتملة وليس منعها

إن البنية الهندسية والأمنية الأوكتاغون تكشف أن النخبة الحاكمة لم تعد تصمم خططها بناءً على فرضية الاستقرار السياسي والرضا الشعبي، بل بناءً على فرضية "الانكفاء والتحصن" وإدارة الفوضى المحتملة وليس منعها. فبينما يتمتع "الكيان" بأعلى مستويات التدريع والاستخبارات المتقدمة، تُترك المحافظات والمدن القديمة تعاني من أزمات هيكلية واقتصادية، مما يكرس انفصالاً كاملاً يجعل النظام قادراً على البقاء وحماية نفسه كـ"جزيرة معزولة"، لكنه يجعله عاجزاً عن تقديم حلول حقيقية لمجتمع يغلي تحت وطأة التضخم والديون. وفي حال سقوط الوادي القديم في أتون اضطرابات اجتماعية، فإن المنظومة مصممة بحيث يبقى "عقل الدولة" معزولاً وقادراً على التحكم في الأجواء والمعلومات وشبكات الطاقة الحيوية، واستخدام القوة الصلبة لتأمين بقائه بمعزل عن مصير الشعب.

في النهاية، يمثل "الأوكتاغون" ذروة التحول من "المؤسسة العسكرية التقليدية" التي تستمد شرعيتها من دورها الوطني وتوازنها مع الشعب، إلى "كيان عسكري-تكنولوجي" مخصص لحماية دائرة السلطة. والمعضلة التاريخية التي غفلت عنها النخبة المصممة لهذا التحول، هي أن الحديد والنار، والغطاء الجوي، والمنظومات الدفاعية المتقدمة يمكنها حماية "مقر" أو "نظام"، لكنها لم تكن يوماً كافية لإدارة شعب يعاني من غياب الغطاء السياسي والاقتصادي الحقيقي. إن المواجهة المباشرة غير المُجملة بين المواطن المطحون والعسكري في الشارع، هي الثمن الأكبر الذي قد تدفعه الدولة المصرية نتيجة هذا الانعزال الاستراتيجي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)