السيسي وتنشيط الحياة الحزبية.. كيف وهذا أثر فأسك؟!

قطب العربي
"تنشيط الحياة الحزبية لن يتم بقرار من السيسي، أو ببرنامج تنفيذي من حكومته"- الأناضول
"تنشيط الحياة الحزبية لن يتم بقرار من السيسي، أو ببرنامج تنفيذي من حكومته"- الأناضول
شارك الخبر
في كلمته خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون) دعا السيسي حكومته إلى "العمل على تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة، لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يرسخ المشاركة الشعبية، ويعزز دورها في الإدارة المحلية". وكما يقول المصريون: "أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب!!"، فكيف يثقون في هكذا توجيهات وهم يرون أثر فأسه التي قطعت رأس الديمقراطية ذاتها؟! فالسيسي شخصيا هو من جمد الحياة الحزبية الحقيقية، واستعاض عنها بشكل ديكوري لرفع الروح المعنوية للمخدوعين به، كما فعلها من قبل حين أنفق أكثر من 8 مليارات دولار على حفر تفريعة جديدة لقناة السويس لم يكن لها أي داع، لكنه برر ذلك برفع الروح المعنوية للشعب!!

لم يكن متوقعا البتة أن انقلابا عسكريا جرى ضد التجربة الديمقراطية الوليدة بعد ثورة يناير أن يسمح لهذه التجربة أن تعود للحياة مرة أخرى، أو أن يسمح للأحزاب التي تنافست من قبل على الرئاسة والبرلمان أن تعيش الحالة ذاتها مجددا، لقد أقصت سلطة 3 يوليو كل الأحزاب المناوئة لها، والتي سبق لها أن حازت على أغلبية البرلمان بغرفتيه في أول انتخابات حرة بعد الثورة، كما فاز رئيس أحدها (الحرية والعدالة) بمنصب الرئاسة. لقد أُغلقت تلك الأحزاب بقرارات إدارية أو قضائية هزلية، وحبست قادتها، وتركت بعضهم يموت من الإهمال الطبي في محبسه.

لم يكن متوقعا البتة أن انقلابا عسكريا جرى ضد التجربة الديمقراطية الوليدة بعد ثورة يناير أن يسمح لهذه التجربة أن تعود للحياة مرة أخرى، أو أن يسمح للأحزاب التي تنافست من قبل على الرئاسة والبرلمان أن تعيش الحالة ذاتها مجددا

وحتى الأحزاب التي مهدت للانقلاب وتعاونت مع سلطته لم تسلم من الأذى، عاشت شهر عسل قصير، تولى خلاله بعض رموزها مواقع وزارية وتنفيذية، وبرلمانية، لكن هذه الحالة لم تستمر طويلا، بل انكسرت عند أول خلاف حول التفريط في جزيرتي تيران وصنافير. حوصرت تلك الأحزاب في مقارها، وتعرض قادتها ونشطاؤها للتضييق والملاحقة بل والحبس أيضا، وجرت هندسة الانتخابات البرلمانية بما لا يسمح لها بالفوز إلا من خلال قائمة السلطة ذاتها.

ليس متوقعا والحال كذلك أن تأخذ الحكومة توجيهات السيسي بتنشيط الحياة الحزبية على ظاهرها، لأنها ببساطة تدرك باطنها، فالمقصود الذي تفهمه الحكومة والأجهزة الأمنية هو تنشيط أحزاب الموالاة، وتوابعها، وحثهم على تجهيز كوادر للسيطرة على انتخابات المحليات حين يتم إجراؤها، تلك الانتخابات ستجري في كل حي، وكل قرية، ومدينة ومحافظة، وستنتج مجالس محلية شعبية تضم ما بين 50 إلى 60 ألف عضو، وهو عدد ضخم يحتاج إلى تجهيزه مسبق قبل إقرار قانون المحليات ومن ثم تحديد موعد لتلك الانتخابات. وقد يكون ضمن التجهيز لتلك الكوادر -من باب تنشيط الحياة الحزبية!- إعداد دورات في الأكاديمية العسكرية للمواطنين الراغبين في الترشح لتلك المحليات، أو قد يكون ذلك لاحقا للترشيح أو حتى الفوز، كل ذلك يحتاج ترتيبات لوجستية ومالية.. الخ.

لا يمكننا اعتبار السيسي ورجاله هم المسئولون الوحيدون عن جمود الحياة الحزبية، وإن كانوا يتحملون المسئولية الأكبر، لكن الأحزاب والقوى السياسية تتحمل نصيبها من المسئولية أيضا، وهذا ما ينبغي التركيز عليه، لتقوم تلك القوى السياسية بواجبها السياسي الذي رسمه لها الدستور، ولتسع لممارسة حقها الطبيعي في التنافس على السلطة وليس الوقوف على أبوابها.

بعيدا عن الإخوان وحلفائهم الذين تمت الإطاحة بهم، وحبس قادتهم ومنتسبيهم، أو نفيهم خارج مصر، فإن القوى الليبرالية واليسارية في معظمها -ورغم أنها أقدم تاريخيا في الحياة السياسية من الإخوان- لا تقدم نفسها كبديل للسلطة، بل إنها ترضى من الغنيمة بالإياب، أي أنها ترضى بمجرد الوجود الآمن داخل مقراتها، واللعب على هامش ملعب السياسة، وليس في قلب المستطيل الأخضر، في انتظار ما تفيء به عليها السلطة من مقاعد برلمانية وربما بعض المناصب التنفيذية الدنيا أو الوسيطة.

الحالة الاستثنائية هي محاولة النائب الأسبق أحمد طنطاوي تأسيس تيار الأمل، والذي اختُزل لاحقا في مشروع لحزب سياسي (حزب الأمل)، حيث أعلن بوضوح سعيه لتأسيس بديل حقيقي للسلطة الحاكمة حاليا، وهذا ما حفز السلطة لوأد محاولته مبكرا، حيث تم منع أنصاره من تحرير توكيلات لتأسيس الحزب، بل وحبس الكثيرين منهم. وبغض النظر عن تقييمنا لمدى قدرته على تحقيق ذلك البديل إلا أن ما يحمد له هو إدراكه لدوره السياسي كبديل للسلطة لا كلاعب على أسوارها، واقف بأبوابها ينتظر فتاتها.

مشكلة النظام مع الإخوان ليست ادعاءات التطرف والإرهاب، وتغيير هوية الوطن، لكن المشكلة أنهم مثلوا بالفعل بديلا حقيقيا له، وقد وصل مرشحهم لرئاسة الدولة، كما حازوا أكثرية برلمانية في أول انتخابات حرة

مشكلة النظام مع الإخوان ليست ادعاءات التطرف والإرهاب، وتغيير هوية الوطن، لكن المشكلة أنهم مثلوا بالفعل بديلا حقيقيا له، وقد وصل مرشحهم لرئاسة الدولة، كما حازوا أكثرية برلمانية في أول انتخابات حرة. صحيح أن تجربتهم في الحكم كانت متعثرة، ولم تدم أكثر من عام، إلا أنهم أثبتوا إمكانية التغيير، وإمكانية وصول قوى غير عسكرية للحكم. لم يكن الإخوان يطرحون أنفسهم قبل ثورة يناير بديلا للحكم، بل كانوا يقنعون ببعض الاصلاحات السياسية؛ شأن غيرهم من الأحزاب والقوى السياسية، لكن ثورة يناير، وانهيار منظومة مبارك سريعا، وغياب بدائل مدنية أخرى دفعهم للتقدم بمرشحين أكثر مما تعهدوا للبرلمان، وبمرشح للرئاسة، وهنا وجدوا أنفسهم أمام حملة تشويه واسعة، تديرها الدولة العميقة، وتتعاون فيها أحزاب وقوى سياسية مناوئة لهم، تتهمهم بالهيمنة على الدولة ومحاولة ابتلاعها، وراح الكثيرون يتحدثون عن مشروع التمكين، أي السيطرة على مفاصل الدولة، في تجاهل تام لأبجديات التداول السياسي، وحق الفائز بثقة الشعب في التحكم في مفاصل السلطة حتى يستطيع تنفيذ برامجه ووعوده الانتخابية، مع التأكيد أنه لو ظهر بديل حقيقي آخر غير الإخوان فإنه سيواجه الاتهامات ذاتها.

تنشيط الحياة الحزبية لن يتم بقرار من السيسي، أو ببرنامج تنفيذي من حكومته، فهي ليست مزارع سمكية يمكن تطويرها، ولا سوقا عقاريا يمكن تنشيطه ببعض السياسات الحكومية، ولكنه يتم بجهود وتضحية من الأحزاب والقوى السياسية نفسها، والبداية هي الثقة بالنفس، وبالقدرة على أن تكون بديلا حقيقيا، وهو ما يتطلب سعيها لامتلاك مؤهلات البديل، من بناء قاعدة شعبية واسعة، وبناء كوادر حزبية تصلح للعمل البرلماني والتنفيذي، وامتلاك رؤية أو مشروع سياسي بديل.. الخ. وقد تكون خطوة البداية هي اندماج الأحزاب المتشابهة في حزب واحد، وبناء تحالفات منطقية (تحالف يساري- تحالف ليبرالي- تحالف محافظ.. إلخ)، وهناك بالفعل محاولات في هذا المسار، وحين تنضج هذه الأحزاب والتحالفات، وتتمكن من امتلاك قواعد جماهيرية واسعة؛ فإنها ستكون قادرة على انتزاع حقوقها في المنافسة السياسية، وتقديم بديل حقيقي وآمن للشعب.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)