رُوِيَ أن مسافرا بليل ضل الطريق قديما،
فساح في الصحاري وهو يظن أنه يقارب الوصول للحضر حيث يحب أن يقيم، وعلى غفلة خرجت
له مجموعة من الذين يبدون بمظهر الموتورين؛ ولما كان الرجل يحب التفاهم بالمنطق
البسيط وبما يخالف الوقت العصيب الذي يحتويه فقد حاول الهدوء. قال زعيم المُقابلين
له في طريق بهيم من ليل وانقطاع رفقة ومتاهة تبدو بوادرها مقبلة: لك عندي سؤال
واحد يحدد مصيرك، أو إذا شئتَ مصيرك لديَّ، فقلما نجا أحد من "الواجب"
الذي أحب أداءه لأمثالك، قال الغريب: تفضل، فقال كبير قاطعي الطريق: سؤال سهل يسير
إلا إذا كنتَ ممن يفكرون كثيرا أو لا يُحسنون الردود، أعاد الغريب التائه القول
راغبا في الانتهاء من الموقف ولو بالعودة للتيه في الصحراء: تفضل من فضلك، فقال
مقابله بروتينية بدت مريرة: أنت معنا أم مع "الآخرين"؟ لم يجد الغريب
"مادة للتفكير" أو التحيّر في الإجابة، ولم يكلف نفسه عناء الشك: فلماذا
السؤال يسير جدا في وقت بالغ الصعوبة؟ فأجاب على البديهة: وهل هذه تحتاج ذكاء؟!
طبعا إنني معكم وسأظل، فانهالت عليه الضربات واللكمات المضنية، تعجب الغريب ثم سار
يسأل بصوت واهن ثم علا فوصل للصراخ: "قلت معكم فلماذا الإهانة؟" قال
الكبير بنفس الرتابة: "لأننا الآخرون!".
1- مما يخصنا في الطرفة البسيطة، مما يخصنا -في
المقام الأول- "افتراض البساطة" في القضايا المضنية الكبرى، وهو مفتتح
نراه واجبا هنا لأنه يلف المشهد
المصري، خاصة بعد ما خيّل لعشرات الملايين من
المصريين -بما فيهم النخب جميعا- من أن الموقف بعد 11 شباط/ فبراير 2012م تحول
بالكامل، وهذه البساطة في التناول شاء الله لها أن تتجذر في المواقف وتتعدد في
المشاهد.
2- كيف يمكن لعقل ثوري أن يضيء باللون الأخضر
إذا كانت الإجابة عن سؤال: "كيف تنهض مصر؟" بأن 18 يوما فحسب كافية
بتغيير ولو كمفتتح لما أحدثه العسكريون منذ 1952م حتى 2011م؟ هذا بالإضافة لما
أفرزته فترة حكم محمد علي باشا منذ 1805م، من محاولة قتل الروح الشعبية في
المصريين والجرأة والنخوة اللتين دفعتا المصريين بقيادة المشايخ لطرد نابليون
وحملته منذ 1798م ثم حملة الإسكندرية ماكنزي فريزر الإنجليزية في 1807م.
وما يهمنا أن عمر محاولة إسكات المصريين
استوى منذ 1807م وإن كان أحد أهم أهداف الحملة نفسها إزاحة محمد علي عن الحكم- فهل
من الطبيعي أن ينتهي هذا التاريخ "الأسود" بعد أكثر من مئتي عام في 18
يوما فقط من حراك شعبي؟ هذا مع كامل الاحترام والتوقير والدعاء بالرحمة لأكثر من
ألف شهيد خلال تلك الفترة الوجيزة من عمر
ثورة 2011 والكنانة، بالإضافة لتقديرنا
واحترامنا لمئات الآلاف توفاهم الله في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك نتيجة
السرطان، ونتيجة السياسات التي جرّت الوبال على ملايين المصريين ودفعت بعضهم للموت
كمدا وألما من تغليب مصلحة الأفراد على صالح الوطن وأبنائه؛ وحرص مبارك وبطانته على
بقاء الوطن على أي حال -مجرد بقائه-!
4- كان من ذياك التعجل الذي جنينا مرارته مرة
بعد الأخرى بقسوة متناهية؛ أن تصريحين بالغي المرارة والخطورة مرّا مرور الكرام
على النخب والدعاة للثورة، وقد جاءا قبيل أول انتخابات رئاسية حقيقية في تاريخ مصر
كلها؛ أما الأول فجهر به الأكاديمي مصطفى الفقي -رئيس مجلس إدارة مكتبة الإسكندرية
الأسبق، وسكرتير مبارك الأسبق- فقد قال بملء الصوت: "لا بد لحاكم مصر من
موافقة أمريكا وإسرائيل"، وأما الثاني ففي الأحد السابق للأربعاء الذي حمل
إعلان تولي الرئيس الراحل محمد مرسي، وقد كان عنوانا ثالثا للأهرام، الجريدة شبه
الرئيسية: "أمريكا لن تسمح بمجيء رئيس إسلامي على شاطئ للمتوسط"!.
5- كان من التدرج فهم أن التحول من النقيض
للآخر صعب جدا بل محال على البشر بل الآلات في وقت قصير، فمن السخونة الملتهبة
للبرودة أو الأجواء الطبيعية كان من المتوقع أن تحتاط العقول وتعيد التفكير في
متغيرات بالإضافة للثورة أو محاولتها الأولى في 2011م، فأين دور السياسات الخارجية
والقوى الحضارية خارج مصر؟ وأين دور امتداد عمر مبارك نفسه ليحكم 30 عاما بما لم
يحدث مع رئيس من قبله، وقد كان يود الاستمرار حتى الموت، بل ويفترض توريث أحد
نجليه؟ وأين دور توقع المخابرات الحربية نفسها حدوث انتفاضة شعبية أرادت توجيهها
للإطاحة بمبارك لا لعدم رغبتها فيه بل في نجله، وهو ما صرح به المشير الراحل حسين
طنطاوي قبل وفاته؟
6- هل سألنا أنفسنا -كمعارضة سلمية لمبارك
ولمن حكم بعد 3 تموز/ يوليو 2013م- أين ما أعددناه من بدائل سياسية لمبارك على
مدار 30 عاما من حكمه المرير لمصر؟ وإذا كنا لم نعد لهذا فكيف توقعنا أن ننجح في
الحكم من بعده؟ ولماذا تجاهل الذين رأوا فرصة للحكم تحذيرات عدة صدرت حتى من داخل
معسكرهم؟
7- لا يحب الغرب لفظ "إسلامي" مبنى
ومعنى، وكان يريد العقلاء على مستوى عال أن تأتي مرحلة انتقالية بشخص ذي حيثية كمفتتح
للحكم وتحمّل الصعاب حتى حين.. وللأسف جرت مياه كثيرة من أسفل هذا الجسر حتى حملت
تعجل صاحب الإجابة الأولى -في طرفة المفتتح- الذي رأى فرصة النجاة واضحة ولم
يستكمل تفكيرا في المصاعب.
8- يمتاز الأهل والأحباب من شعبنا المصري بما
أتم اكتسابه الحس العام من بعد محمد علي باشا؛ من حب للاستقرار وصبر يناسب مواسم
الزراعة الطويلة، وفكرة
التغيير مع شعب تغلب عليه الطيبة تمثل صعوبة كان يجب إعادة
النظر فيها لمرات عديدة قبل إقرار أن تكرار الاعتصام على نهج اعتصام 2011م سيعيد
المسار الديمقراطي في مصر.
9- من التسرع الأول المذكور هنا -أيضا-
استمرار افتراض أن مصريا -أيا من كان مع الاحترام لجميع الشرفاء المخلصين- يستطيع
أن يأتي بمفرده سواء بحل نظري أو عملي للأزمة الخانقة الحالية.
10- إننا نحتاج لإعمال تفكير جديد نتعالى فيه
على السفاسف وعدم محبة من يخالفنا الرأي، واعتماد أنه لم يكن من الإمكان أفضل مما
كان، وأن التآمر أضاع المجهودات وما إلى هذا. إننا لا نحتاج أن نتفاهم ونتقبل
ضرورة المراجعة، بل إن البون شاسع وعملاق.. إننا نريد مراجعات قابلة للتنفيذ بلا
تهرب أو مثالية، وبناء عليه يُعمل الجميع عقله خلالها وبعدها.
11- لكي يكون أحدهم جزءا من السلطة ينبغي أن
يتم التأكد من الأمر باختبارات مضنية، فكيف يمكن أن يكون الانضمام للمقاومة
السلمية يسيرا سواء في حكم مبارك أو قبله أو بعده؟
12- تنبع أهمية التفكير وطرح الأسئلة والتدبر
فيها وفيما حولها بل ما يسبقها ويلحقها؛ من مكانة مصر من قلب الأمة التي يعينه
الله على النبض دائما بقوة، وما هذا الأمر باليسير أو السهل.
13- من حسن التعبد لله تعالى ممن امتُحنوا
بأمر العمل في السياسة أن نؤمن جميعا بأن يد الله تعالى تعمل بالتوفيق مع
المخلصين، وأن التواني عن خدمة الأمة بهذا التوقيت خطيئة، فماذا عن المداورة لهدف
أو مصلحة خاصة؟
14- كما يجب أن نعرف كيف نحرر ألفاظنا ومصطلحاتنا من محبة تيار وبغض آخر، أو دفع تقصير والإتيان
بنفع يجب أن نعرف أن أعمق الاختبارات ما يتشابك فيه اختبار الصالح العام مع
تواجدنا ومستقبل الأبناء والأحفاد ورغبة الإصلاح ما استطعنا.
وللحديث بقية ما دام الله تعالى قدر في
العمر بقية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.