تبقى أبرز مسلّمات الحياة العصية على فهم
البعض عدم قدرتنا على فهم وسبر أغوار أو اكتشاف أعماق ما لا نفهمه، أو نستوعب، أو
نقر بأنه ليس لنا أن ندركه!
1- مر تصريح عجيب للرئيس الأمريكي دونالد
ترامب منذ أسابيع مرور الكرام، فصدور الأعاجيب عن مثل هذا الرجل لم يعد أمراً عجيباً
حتى لو تعدى المعقول أو حتى مخزون مفاهيم
البشرية وكامل ومستقر ما جربته وتعارف
عليه.. قال السيد ترامب إن أمريكا اليوم قادرة على ما لا يتحمله عقل أو منطق حتى
إحياء الموتى من القبور.
يمكننا قول الكثير حول فحوى قول السيد
ترامب، لكن ما يعنينا في هذا السياق هو "عزيز" الأُمنية بأن "يحيي
الموتى" والتي ستظل أُمنية حتى يرث الله الأرض ومّنْ عليها، ورغم أن
"أحياء الموتى" مسلمة لا تجوز لحي إلا بإذن إلهي دقيق لم يمض من قبل إلا
لسيدنا المسيح -عليه السلام- لكن الرجل يتحدث كأنه نصر وإنجاز "حققه
وبلاده" بالفعل.
2- ومع الفارق الشديد والواسع فمنذ عرف خطو
سيدنا آدم الخطو إلى الجنة التي كان فيها.. منذ ذلك التاريخ يسعى الإنسان نحو ما
لا ينال ويحب أن يجعله حقيقة؛ وعلى مر العصور تشرب هذا الشعور وحب ذياك اليقين
بطرق مختلفة وأحياناً برغبة مطلقة في فعل الخير وأن يعم الوجود.
3- فنيت أعمار مصلحين في مجهودات أثمر كثير
منها، جعله الله في ميزان حسناتهم، ولم يثمر البعض لأن التصور نفسه لم يكن بمحله،
وقد كان أبرزهما إمامين برز جهدهما في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، فقد
كرّسا عمرهما لمحاولة
إصلاح الأمة العربية الإسلامية، وبالتالي وضع نظرية لتحديد
المسار وجاء من بعدهما مصلح جديد محاولاً إكمال ما بدأه من مجهودات، فقنن
لتنظيريهما وأضاف خطوات عملية لخلق نواة للإصلاح تخص مصر ثم تتسع دوائرها إلى أن
تسود العالم كله.
4- بنى سابق المنظرينِ والإمام الذي أكمل
التنظير وقنن الحراك على ترجمة مقولة سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا أبي عبيدة بن
الجراح: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ذهبنا نبتغي العزة في غيره أذلنا
الله"، فبلادنا العربية كانت وستظل -بإذن الله- نبعاً مهماً ورائقاً للهداية،
ولا هداية للعرب إلا للإسلام لا يختلف أحد على هذا، ولكن الإشكالية الكبرى بدت في
محاولة تقنين أنه ينبغي أن يجتمع العرب من فرد، أسرة، منزل، شارع، حي، مدينة أو
قرية، مديرية أو محافظة، يجب أن يجتمع الجميع على اتفاق واحد على هدي الإسلام.
5- في النقطة الأخيرة يظهر بوضوح قاطع أن
الغاية صحيحة لا يختلف عليها مخلصان شريفان: "إعادة شمس الحضارة العربية
الإسلامية" للوجود ولكن كيف؟ بجمع جميع العرب والمسلمون والعالم على نور
الإسلام وفي رحاب الطمأنينة وبين جنبات الإيمان، وفي رحاب تقديس الله الواحد، فكرة
ناصعة لكنها رغم إشراقة الغاية ونبلها إلا أنها أمنية عظيمة جديدة من أماني الحياة
التي للأسف البالغ الأسى لن تكون.
6- لو شاء الله الواحد القهار لجعل الناس
كلهم أمة واحدة: "وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ
كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ
(هود: 118- 119). قال
بعض المفسرين إن الله خلق البشرية للاختلاف، فبه تتضح الحياة وتتكامل، ونستطيع
جميعاً أن نحياها، وحينما يذهب العقل بنا إلى إمكانية جمع الناس جميعاً والبشرية
كلها على فكرة واحدة ونهج وتطبيق بعينه فإنها لخاطرة يصعب مجرد تخيلها، فبضدها
تعرف الأشياء كما قال أجدادنا العرب، وبنقيض الإيمان نستشعر الأمان والسكينة في ظل
التعمق بمسيرة معرفة الله والطمأنينة في الحياة معه، والطمأنينة بالسير في ركاب
إعمار الأرض، ولكم تمنينا أن يسود الإيمان الأرض كلها، ولكن ليس كل ما تتمناه
النفس تدركه!
7- ولو شاء الله تعالى لجعل سيدنا آدم منذ
البداية في جنة الآخرة، ولخنق ومنع الملعون إبليس من الزحف إليها، ولجعل الأنفس
مقننة مزودة بأسباب الهداية وحدها لكن الله -باختصار- لم يرد هذا، فليس من أحد
ليتخيل حدوثه.
8- في نهاية حياة الحركي/المنظّر الذي أراد
جمع العالم على الإيمان تراجع -رحمه الله- وقال: "لو استقبلت من أمري ما
استدبرت لعكفت على تربية مائة شاب من الوطن العربي في المسجد لا أخرج بهم
منه"، بحسب ما رواه عنه الشيخ محمد الغزالي وسكرتيره محمد فريد عبد الخالق، رحم
الله الجميع. لقد رأى حقيقة الأنفس وما تحتويه وما يستوجب عمراً في العلو بها.
9- إنه الإنسان؛ ملكات وعقل، قدرات وآمال،
متطلبات وكبح جماح النفس، خطو ومشاعر، طيبة نفس ونقيضها، أضداد ونقائض لا يحيط بها
إلا خالقها القائل فيها: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فألهمها فجورها
وتقواها" - سورة الشمس (7-8)، لكن أجيالاً عاشت تحلم بتعبيد الأنفس، وتجهيز
قدراتها في اتجاه واحد بما لم يجعله رب العزة لذاته العلوية وأنبيائه، فلم يتفق
البشر على الرضا وبالتالي عبادة الله، ولا حتى الإيمان بأنبيائه، فكيف يتفقون على
بشر؟
10- رغم وضوح الكلمات ومدلولها هنا إلا أن
أجيالاً عاشت محاولاً تطبيق نظرية أستاذية العالم، وأن الناس يمكن جمعهم على
الهداية، ولكن أين اختلاف المشارب والأهواء؟ وأين حتى الأقليات؟ أسئلة كانت تحتاج
لإجابة وتطوير لم تلقها.
11- إن شبه الجزيرة العربية عاد بعضها للكفر
فور وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصار المسلمون بوصف السيدة عائشة كالغنم
المطيرة في الليلة الشاتية (السيرة النبوية لابن سعد عن بن إسحاق)، بل إن النفاق
والمنافقين كانا موجودين في حياة الرسول العظيم.
12- إن البشرية وعلى رأسها المسلمون ومصلحوهم، لكي تسودها الحضارة العادلة التي لا يظلم في
ظلها الحيوان والطيور، ويشمل عدلها الأرض من جنباتها، لتحتاج لرؤية تأخذ بالأمر
الممكن لتنطلق منه، لا المحال الذي أوله محاولة إصلاح جميع البشرية!
وللحديث بقية إن ظل في العمر بقية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.