ثلاثة
مستويات رئيسة تحكم المقاربة الأمريكية تجاه
سوريا كما أظهرتها الأشهر الأخيرة:
مقاربة عسكرية- أمنية، مقاربة اقتصادية، مقاربة إسرائيلية.
المقاربة
العسكرية- الأمنية
لم
تعد سوريا اليوم بالنسبة للولايات المتحدة كما كانت عليه خلال السنوات الخمس عشرة
الماضية، إذ تحولت من ساحة مفتوحة تتصارع فيها جهات متعددة إلى ساحة منضبطة (خصوصا
بعد اتفاق دمشق مع "قوات سرويا الديمقراطية") تحكمها آليات ضابطة،
وموجهة تجاه عدو واحد، هو ما تبقى من "تنظيم الدولة" (داعش).
غير
أن المقاربة العسكرية- الأمنية الأمريكية تتجاوز "داعش"، إنها قائمة على
رؤية استراتيجية بعيدة المدى: المقاربة الأمريكية تقوم على تخفيف تواجدها العسكري
لصالح الحلفاء المحليين المنوط بهم تعويض الغياب الأمريكي، والاستمرار في القضاء
على أية تهديدات من شأنها أن تهدد المصالح الأمريكية التي تتقاطع مع مصالح الحكام
الإقليميين.
رؤية أمريكية بعيدة المدى في سوريا من شأنها أن تجعل هذا البلد -الذي ظل لعقود خارج المعادلة الأمريكية- جزءا من المصالح القومية الأمريكية
لعل
إفادة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال تشارلز كوبر أمام لجنة
القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي مطلع الشهر الجاري؛ تُلقي الضوء على هذه
المقاربة.
جاءت
الإفادة ضمن وثيقة أطلق عليها اسم "رؤية غير معهودة" (UNPRECEDENTED VISION) مخصصة
للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تحدث فيها عن تهديدات التنظيمات الإرهابية
وخطرها على استقرار سوريا.
لكن الأهم في الإفادة هو أن الولايات المتحدة تستمر في
التواصل مع الحكومة السورية، بهدف دعم تسوية تحفظ الكرامة في مرحلة ما بعد الأسد،
والعمل على بناء قدرات أمنية سورية عبر الشركاء الإقليميين.
يشير هذا الكلام إلى رؤية أمريكية بعيدة المدى في سوريا
من شأنها أن تجعل هذا البلد -الذي ظل لعقود خارج المعادلة الأمريكية- جزءا من
المصالح القومية الأمريكية.
غير أن ما يلفت الانتباه هو أن وضع سوريا الاستراتيجي ما
يزال يترنح بين الولايات المتحدة وروسيا، فالأولى لم تصل بعد إلى مرحلة تحويل
سوريا إلى حليف استراتيجي، وهذا واضح من خلال عدم قيام الولايات المتحدة بتزويد
سوريا بالسلاح الثقيل والمتطور، وهو السبب الذي جعل
الشرع يتجه نحو روسيا لحقيق
هذا الهدف.
ولا أدل على ذلك مما قاله المبعوث الأمريكي الخاص إلى
سوريا توماس باراك: "إن سوريا في الوقت الحالي بمثابة مختبر لتحالف إقليمي
جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل للمنطقة بأسرها".
المقاربة الاقتصادية
لا تنفصل المقاربة الاقتصادية عن المقاربة العسكرية-
الأمنية، فلتحقيق تطور اقتصادي لا يستلزم تحقيق استقرار أمني فحسب، بل تحويل سوريا
إلى ساحة اقتصادية تكون فيها الولايات المتحدة وحلفائها عرابين للتحول الاقتصادي
في بلد خام يحتاج إلى استثمارات اقتصادية هائلة جدا.
لا يعني ذلك غياب الأطراف الأخرى المنافسة للولايات
المتحدة مثل الصين ضمن خطتها الاقتصادية المعروفة باسم "الحزام
والطريق"، والتي تشكل سوريا جزءا محوريا فيها، والثانية روسيا التي تحاول
البقاء في المياه الدافئة، لأسباب استراتيجية ولأسباب اقتصادية أيضا.
هنا، يتداخل البعدان العسكري- الأمني والاقتصادي، بحيث
يصبح الأمن مدخلا للمشاريع الاقتصادية الكبرى، وهي مشاريع ستساهم في إعادة الإعمار.
ضمن هذا التوجه، أثنت السفارة الأمريكية في دمشق قبل
أيام على التطورات الحاصلة في سوريا منذ وصول الحكم الجديد، فكتبت السفارة في
منشور على حسابها في منصة "إكس" أن "النتائج تتحدث عن نفسها، فقد
تم تسجيل أكثر من 18 ألف شركة في دمشق، وعاد 1.5 مليون لاجئ إلى البلاد، كما تم
التعهد باستثمارات تقدر بمليارات الدولارات".
لم تكتف السفارة بذلك، بل قدمت معلومات تفصيلية عن
المناخ الاقتصادي في سوريا، ودعت المستثمرين إلى الاستثمار في قطاعات البنى
التحتية: الكهرباء، والنفط والغاز، والتكنولوجيا،
والاتصالات، والعقارات، والخدمات المصرفية.
يشير ذلك بطبيعة الحال
إلى الثقة الأمريكية بالوضع القائم في سوريا وبالثقة في مستقبل سوريا.
المقاربة تجاه إسرائيل
حاولت الولايات المتحدة
قبل نحو عام ربط الملفين العسكري- الأمني والاقتصادي بضرورة تحقيق اتفاق سوري
إسرائيلي، لكن تعقد هذا الملف في ضوء التعنت الإسرائيلي، جعل الولايات المتحدة
تفصل جزئيا مقاربتها تجاه سوريا وإسرائيل عن التطورات الداخلية في سوريا ومستقبلها،
وترك الملف الإسرائيلي يأخذ دوره ببطء بعيدا عن الملفين السابقين.
لكن هذا تطلب من واشنطن
الضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف هجماتها المباشرة في العمق السوري، وعدم اللعب
على النسيج الاجتماعي، وهو ما حدث فعلا بعد أحداث تموز/ يوليو العام الماضي.
بالنسبة للولايات
المتحدة، من الضروري حصول اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل بما يحقق الاستقرار ويمنح
كل طرف ما يريده، على أن يُترك مصير الجولان إلى مراحل لاحقة، وهو مصير ليس من
اهتمام الولايات المتحدة في هذه المرحلة.
خاتمة
تشير المعطيات السابقة
إلى تحول مهم في العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة، غير أن هذا التحول ما يزال
هشا للغاية، لأنه مرتبط بالشخوص وليس بمؤسسات الدولة ومصالحها العليا. الدعم الذي
حصل عليه الشرع كان نتاجا عن إعجاب الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بشخص الشرع من
جهة، وعدم إيلاء الرئيس الأمريكي الاهتمام الكافي بالوضع السياسي الداخلي في
سوريا.
لكن
العلاقات الشخصية،
كما يُخبرنا عالم السياسة القائم على المصالح والبراغماتية، سرعان ما تتغير أو
تنهار إذا ما تغير الأشخاص الحاكمون، وهذا ما يظهر داخل الولايات المتحدة، حيث لا
يتقاسم ترامب رؤيته حيال سوريا مع مؤسسات الدولة الرئيسية، ومع الحزب الديمقراطي
الذي يرى أن الولايات المتحدة في ظل ترامب استعجلت كثيرا في الانفتاح على سوريا
ووضع ثقتها بالحكام الجدد.
من هنا، من المتوقع أن
تتغير العلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا إذا ما وصل الديمقراطيون إلى البيت
الأبيض، إذ سيضعون نصب اهتمامهم التطورات السياسية في سوريا، خصوصا قضايا الأقليات
والحكم الرشيد والديمقراطية.. إلخ.
وفق المعايير التقليدية
الأمريكية، لم يُقدم الشرع ما يرضي واشنطن، باستثناء رغبته في الانفتاح على
إسرائيل، ذلك أن تحويل العلاقة بين الدولتين يتطلب أكثر من مجرد تحول في الرؤى
السياسية، إنه يتطلب إحداث تغيرات في بنية الدولة السورية وعلاقاتها مع المجتمع،
بما يجعل هذا البلد محلا للثقة والاستثمار فيه. ولا يبدو أن الحكام في سوريا
يدركون هذا المسألة، إذا أن سلوكهم قائم على الاكتفاء بالدعم الأمريكي في شخص ترامب
فقط.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.