ترامب: ذروة الطغيان وانفجار الوعي

بحري العرفاوي
"بلغت به الغطرسة مرحلة جنون العظمة"- جيتي
"بلغت به الغطرسة مرحلة جنون العظمة"- جيتي
شارك الخبر
لا شيء يذهب سُدى، وما من فعل أو ظاهرة أو حدث إلا وتترتب عليه نتائج ذات علاقة سببية وفق قانون التاريخ ومبدأ علاقة المآلات بالمقدمات، وتلك المترتبات وإن كانت في علاقة سببية بما سبقها من مقدمات فإنها لا تكون دائما منسجمة معها أو تتمّة لها، وإنما كثيرا ما تكون مناقضة لما تقدّم، وليس فقط مناقضة نظريا وأخلاقيا وإنما مناقضة بمعنى مواجهة ومقاومة، وقد تنتهي إلى أن تكون هي البديل بالمعنى الحضاري الشامل.

إن التفوق الحضاري لا يتحقق فقط بالتفوق في القوة المادية بما هي اقتصاد وتكنولوجيا، وإنما يحتاج التفوق الحضاري إلى قوة أخلاقية تحقق الجوهر الإنساني لتلك الحضارة المتفوقة ماديا.

لقد ظلت الولايات المتحدة لعدة عقود حاضرة في وجدان كثير من شعوب العالم الثالث وخاصة في البلاد العربية والإسلامية، كدولة راعية للديمقراطية وحقوق الإنسان، رغم جرائمها بحق الهنود الحُمر وفي ناكازاكي وهيروشيما. ظلت أمريكا "صديقة" للعديد من الأنظمة التابعة وظل تمثال الحرية يشد إليه كثيرا ممن تسكنهم أشواق الحرية وقيم التحرر، بل لقد صارت أمريكا دولة الرأسمالية "المؤمنة" في مواجهة الشيوعية الكافرة خاصة بعد غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان (25 كانون الأول/ ديسمبر 1979- 2 شباط/ فبراير 1989)، وقد خطب دعاة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي يحرّضون الشباب على الجهاد ضد الشيوعية الكافرة وكان ذلك برعاية مباشرة من المخابرات الأمريكية، وأيضا تدفق الأسلحة المتطورة حيث اشتغلت المصانع الحربية لتحقيق أكثر من مكسب للرأسمالية الأمريكية "المؤمنة".

التفوق الحضاري لا يتحقق فقط بالتفوق في القوة المادية بما هي اقتصاد وتكنولوجيا، وإنما يحتاج التفوق الحضاري إلى قوة أخلاقية تحقق الجوهر الإنساني لتلك الحضارة المتفوقة ماديا

حين أعلن الاتحاد السوفييتي رسميا يوم 15 شباط/ فبراير 1989 عن انسحاب كل قواته من أفغانستان، كان الشعور العام لدى المسلمين، بأن الإسلام قد انتصر على الكفر، وفي ذات اللحظة كان العقل الاستراتيجي الأمريكي يُخطط إلى ما بعد هزيمة الشيوعية، فقد كان الانتصار على الاتحاد السوفييتي انتصارا للرأسمالية لا فقط بما هي قوة عسكرية واقتصادية، وإنما وأساسا بما هي فلسفة ليبرالية، أي رؤية للحرية وللإنسان ولرأس المال.

تفكك الاتحاد السوفييتي يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991 كان تاريخ ولادة "الأمركة"، أي مشروع هيمنة القطب الواحد مدعوما بتنظيرات حول "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات"، لقد صار العالم الإسلامي "مُتاحا" للرأسمالية الأمريكية "المؤمنة" التي ساهمت في تحرير أفغانستان المسلمة من الاحتلال الشيوعي الكافر، وساهمت ضمن تحالف دولي في تحرير الكويت من "احتلال البعث العراقي".

صارت أغلب الأنظمة العربية ترى في أمريكا إما قوة حامية وإما قوة متربّصة في غياب الاتحاد السوفييتي الذي ظل يمثل قُطبا ضامنا للتوازن في العلاقات الدولية.

بدأت أمريكا منذ الحرب الأولى على العراق تكشف عن درجة عالية من الغرور ورفعت عصا غليظة في وجه الجميع واعتبرت أن من ليس معها فهو ضدها، بل لقد هدد بوش الابن عشية 11 أيلول/ سبتمبر 2001 بحرب صليبية.

صارت الإدارة الأمريكية تمارس دور شرطي العالم تُصدر الأوامر والنواهي وتهدد كل متمنّع بسوء مآل، فكان احتلال أفغانستان في 2001 ثم احتلال العراق في 2003، ومارست القوات الأمريكية أبشع أشكال التعذيب والإهانة والتنكيل في غوانتانامو وأبو غريب، لا فقط بغاية فرض السيطرة وبسط الهيمنة، وإنما أساسا بهدف كسر الإرادة وتهشيم شخصية العربي المسلم خصوصا والإنسان الحر المقاوم عموما.

وكلما تمت الغلبة للأمريكي في مكان ما ازداد نهمُه لمزيد السيطرة ومزيد نهب الثروات سواء باستعمال القوة أو باستعمال التهديد برفع "الحماية"، وهذا الأسلوب مارسه ترامب بكل عجرفة واستعلاء مع عديد الأنظمة العربية، ثم بلغت به الغطرسة مرحلة جنون العظمة فتجرّأ على اختطاف رئيس دولة مستقلة ليعلن بعدها أنه بدأ ببيع نفط فنزويلا.

ترامب يبلغ بالولايات المتحدة اليوم مبلغ البطش المطلق، وينزع من على وجه أمريكا كل ستائر الحداثة والديمقراطية والمدنية وحقوق الإنسان وكرامة الشعوب، إنه يُهين أمريكا حين يُقَدمها للعالم على أنها وحشٌ تقوده الغريزة ولا تضبطه قيم ولا أخلاق ولا عُهود ولا التزمات دولية، لقد أعلن ترامب تنكره للاتفاق النووي مع إيران وأعلن انسحاب أمريكا من عدة منظمات دولية وهاجم حلفاءه التقليديين من عرب وأوروبيين.

طوفان الأقصى وما ترتب عنه من عدوان صهيوأمريكي على إيران، وفّر على فلاسفة القيم ومنظّري الثورات وقادة المقاومة كثيرا من الوقت ومن الجهد كانوا يحتاجونهما لكشف زيف النظام الرأسمالي لأحرار العالم وللأمريكيين أنفسهم

بعد طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 سقطت كل أوراق التوت عن السياسة الأمريكية، فما حدث في غزة لم يكن فقط جريمة ضد مجموعة بشرية في رقعة جغرافية محدودة، إنما كان فظاعة لم يشهد لها العالم مثيلا. لم تتوفر أثناء جرائم صربيا في البوسنة وسائل نقل المشهد المرعب كما توفرت أثناء الجرائم الصهيوأمريكية في غزة، لقد بلغ الإجرام درجة من البشاعة والفظاعة والقساوة ما يعجز العقل عن تفسيره وما تعجز البلاغة عن توصيفه وما يعجز الضمير الإنساني عن تحمّله.

لقد اختزل ترامب اليوم كل معاني الفساد في الأرض وكل صور البطش، وهو يحرص على أن تكون صورته تلك هي صورة الولايات المتحدة الأمريكية.

حين تستنفد أي حضارة أهدافها، تبدأ بالتراجع، وتبدأ باستهلاك ذاتها، خاصة حين تكون تلك الأهداف محدودة غير مستجيبة لحقيقة الإنسان بما هو جسد وعقل وروح. أمريكا الرأسمالية كانت تبني حضارتها في غير مسار تطور الإنسان، كانت تسير بمحاذاته ولا تستوعبه بل ولا تفهمه، فلسفة رأس المال هي فلسفة قاصرة لا تستجيب لحقيقة الإنسان.

ثمة حتميات في طبيعة الخلق تتحول إلى حتميات في التاريخ، وذروة البطش هي لحظة انفجار الوعي الإنساني، وعي عقلي وعاطفي ينبع من حقيقة الإنسان.

طوفان الأقصى وما ترتب عنه من عدوان صهيوأمريكي على إيران، وفّر على فلاسفة القيم ومنظّري الثورات وقادة المقاومة كثيرا من الوقت ومن الجهد كانوا يحتاجونهما لكشف زيف النظام الرأسمالي لأحرار العالم وللأمريكيين أنفسهم.

المعركة الدائرة الآن في المنطقة بين التحالف الصهيوأمريكي الرجعي من جهة وبين المحور المقاوم التحرري الإنساني؛ ليست مجرد منازلة عسكرية إنما هي معركة تدور رحاها في أعماق "الإنسان" المُفرَد الجمع؛ الإنسان الكوني على اختلاف هوياته الدينية والفلسفية والثقافية، وكلما طال أمد هذه المعركة كانت حظوظ انتصار "الإنسان" أوفرَ، فالزمن ليس في صالح المشاريع البالية وإنما هو في صالح أشواق التحرر.

 x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)