ثمة تداعيات مشهودة، يتكلم
فيها الإعلام كل ساعة وكل دقيقة، تبثها القنوات بالصوت والصورة، هي التداعيات العسكرية
المتعلقة بالآثار المادية للحرب سواء على
إيران أو على بلدان الخليج حيث القواعد
الأمريكية، أو على لبنان، أو على الكيان بسبب الضربات الإيرانية، أو على السفن
الأمريكية في المنطقة، أو في مضيق هرمز.. كل هذه التداعيات هي ضمن ما هي مترتبات
تقليدية في كل الحروب وضمن ما هو معلوم ومتاح متابعته بكل يسر في عالم معركة
الصورة وثورة الاتصالات وعوالم الافتراضيات.
وثمة تداعيات أخرى
أقدّر أنها جديرة بالرّصد والتحليل، وهي "انفجارات" المعارك
"الاصطفافية" في هذه
الحرب بالذات، حيث تكون إيران طرفا سواء كانت مُعتدى
عليها أو كانت مهاجِمة.
ومَكمَن الخَطر هو أن
جمهورا واسعا ومعه عدد من النخبة، يخرجون بتحليلاتهم للحدث من عوالم الحروب
وأدواتها المادية المعروفة أو حتى أهدافها الاستعمارية أو التحررية، لينخرطوا في
حفريات ماضوية وباطنية أيضا،
أن جمهورا واسعا ومعه عدد من النخبة، يخرجون بتحليلاتهم للحدث من عوالم الحروب وأدواتها المادية المعروفة أو حتى أهدافها الاستعمارية أو التحررية، لينخرطوا في حفريات ماضوية وباطنية
حيث يكون التنقيب في
صراعات تاريخية عرفتها الجماعات
الإسلامية منذ فجر الخلافة لأسباب سياسية بالأساس، وحيث يكثر البحث في بواطن الناس
أي في معتقداتهم ونواياهم، وحيث تنشط آلة الاتهام والتخوين بل حتى التكفير واللعن.
عادة، الأحداث الكبرى
تفجّر معارك فكرية وتُولّدُ حيوية فكرية بين أصحاب الرأي من المتخصصين وحتى من غير
المتخصصين؛ تدفعهم الحماسة للخوض فيما هو شأن عام وفيما يرونه متعلقا بمجتمعهم أو
بأمتهم عموما. وليس في هذه المعارك إلا نفعٌ للمجتمعات وللأمة، حين يلتزم
ّالخائضون" في الشأن العام مناهج علمية وقيما أخلاقية وآدابا في الحوار وفي
التخاطب، بحثا عن الصواب وطلبا للحق وليس انتصارا للذات ولا خدمة لمشاريع مملاة من
قوى غالبة متحكمة في مصائر الشعوب المغلوبة وفي سيادة الدول التابعة.
كثير ممن يكتبون في هذه
الحرب يعودون في تحليلاتهم إلى مرحلة الفتنة بين معاوية والحسين وما استعمل فيها
من ألبسة دينية حتى انتهت الى كونها معركة
مذهبية بين "شيعة"
و"سنة"، وهي تسمياتٌ سياسية وليست عَقَدية، إذ تحيل كل تسمية إلى
ضديدها، مع أن الإسلام واحد، ونصوصه التأسيسية هي حقول دلالية للتأويل والاجتهاد
ضمن المعلوم بالضرورة وضمن قواعد الدين ومقاصد الشريعة ومرتكزات الإيمان.
ينبري البعض يُعلي من
شأن شيعة علي بما هم شيعة العصر وينبري آخرون لمهاجمتهم وتذكيرهم بتاريخ الفرس
والصفويين، وصولا إلى الحالة السورية وتدخل إيران وحزب الله ومجموعات شيعية أخرى
لمناصرة النظام وهو يتصدى لمعارضيه في معركة كانت دموية وبشعة؛ معارضة تقاتل من
أجل مطالبها في الحرية والديمقراطية،
التناول للحرب صار تناولا مذهبيا، والتناول المذهبي خرج في الغالب عن مجرد التدارس التاريخي البارد ليتحول الى عملية استدعاء لحوادث هي من الماضي يقع تحريكها حتى تدب فيها نار الفتنة
ونظام متحالف مع قوى مقاومة يُواجه تحالفا
دوليا يريد إسقاطه لا انتصارا لمطالب السوريين المشروعة وإنما قطعا لجسر إمداد
المقاومة بمستلزمات صمودها بوجه الكيان الغاصب.
التناول للحرب صار
تناولا مذهبيا، والتناول المذهبي خرج في الغالب عن مجرد التدارس التاريخي البارد
ليتحول الى عملية استدعاء لحوادث هي من الماضي يقع تحريكها حتى تدب فيها نار
الفتنة فإذا بها كأنها تحدث اليوم وأمام أعيننا، فينطلق الحماسيون من واراء
حواسيبهم يستعملون كل مفردات الاتهام والتخوين وحتى التكفير، وليس يمنعهم من
ممارسة العنف سوى كونهم يجلسون وراء حواسيب وكون "خصومهم" موجودين على
"جبهة" افتراضية، وليس لأحد منهم من وسائل "النزال" سوى
الكلمات مشحونة ومعبّأة ومؤذية.
هذه مرحلة يُنتظر فيها
من المفكرين والإعلاميين وعلماء الشريعة أن يكون لهم دور مهم في تعديل المزاج
وتهدئة الأنفس وتوجيه البوصلة نحو وجهتها الحقيقية، حتى لا تستعيض الأمة عن عدوّ
وجودي بمنافس مختلف ولكنه في نفس الهوية الحضارية ونفس جبهة المواجهة لأعداء
حقيقيين لا يستهدفون عقيدتنا فقط، إنما يستهدفون وجودنا بكل مقوماته من دين وأوطان
وثروات وهوية حضارية وكينونة جسدية.
x.com/bahriarfaoui1