من الضروري، قبل أي حديث عن الحشد الجاري
لمهاجمة
إيران أو احتمالات الانفجار الإقليمي، أن يكون الموقف من الدور الإيراني
واضحاً وصريحاً بلا مواربة.
موقفي من النظام الإيراني واضح وصريح.. خلال العقود الماضية لم
تكن إيران لاعباً محايداً في المنطقة، ولعبت دوراً محورياً في تعميق أزمات عدد من
الدول العربية..
تدخلاتها في العراق بعد 2003، دورها الحاسم
في سوريا منذ 2011، نفوذها الواسع في لبنان عبر حزب الله، وحضورها في ملفات
فلسطينية ويمنية، كل ذلك يعكس مشروع نفوذ ممتدّ لا يمكن إنكاره.
هذا المشروع لم يكن إنسانياً ولا تضامنياً،
ولم يكن عابراً ولا عفوياً، بل استند إلى حسابات استراتيجية وقومية، وربما أيضاً
مذهبية، تسعى إلى تكريس حضور إيراني مهيمن في المجال العربي.. ومن الطبيعي أن يثير ذلك
رفضاً واسعاً، وأن يُحمَّل النظام الإيراني مسؤولية جانب مهم من التفكك الذي شهدته
بعض الساحات العربية.
إيران، سواء اتفقنا مع سياساتها أم اختلفنا، ليست جسماً طارئاً على المنطقة، هي دولة ممتدة الجذور في تاريخ غرب آسيا، وحضورها الجغرافي والسياسي جزء من معادلات الإقليم منذ قرون طويلة...
غير أن وضوح هذا الموقف لا يعني الانجرار
إلى قراءة تبسيطية للمشهد الحالي، ولا القبول بتحويل الصراع إلى معادلة أخلاقية
أحادية الاتجاه.
إيران، سواء اتفقنا مع سياساتها أم اختلفنا،
ليست جسماً طارئاً على المنطقة، هي دولة ممتدة الجذور في تاريخ غرب آسيا، وحضورها
الجغرافي والسياسي جزء من معادلات الإقليم منذ قرون طويلة..
الخلاف مع نظامها السياسي أو مع مشروعها
الإقليمي لا يغيّر حقيقة أنها مكوّن ثابت في البنية الجيوسياسية للمنطقة، والتفكير
بإقصائها كلياً أو التعامل معها بوصفها عنصراً دخيلاً يمكن شطبه بالقوة هو تصور
يتجاهل معطيات التاريخ والجغرافيا.
بداية من الضروري تفكيك بعض السرديات
المتداولة حول المواجهة الراهنة:
الادعاء بأن الصدام الحالي سببه الأساس موقف
إيران من القضية الفلسطينية لا يستند إلى قراءة تاريخية دقيقة. التوتر الأميركي ـ
الإيراني بدأ منذ عام 1979، وتصاعد مع أزمة السفارة الأميركية في طهران، ثم تعمّق
عبر ملف البرنامج النووي والعقوبات والصراع على النفوذ الإقليمي، أي أن جذور
المواجهة سابقة بكثير على أي تطور ميداني في غزة أو جنوب لبنان.
كما أن مراجعة سلوك إيران الإقليمي تُظهر أن
قراراتها الاستراتيجية الكبرى كانت محكومة أولاً بمصالحها القومية..
لم تدخل حرباً تحت عنوان تحرير فلسطين أو من
أجل فلسطين، ولم يكن هذا الشعار هو المحدد الفعلي لتحركاتها المصيرية...
خطاب "الممانعة والمقاومة" كان
حاضراً في التعبئة السياسية والإعلامية، لكنه ظل جزءاً من منظومة أوسع تخدم في
النهاية موقع الدولة الإيرانية وأولوياتها، وهذا ما أثبتته الأحداث بعد أكتوبر
2023، سواء لناحية الموقف الإيراني المباشر، أو لناحية عدم السماح لحزب الله في
لبنان من دعم غزة بشكل شامل والانخراط في المعركة بشكل كامل، بدلاً من الاشتباكات
والمناوشات الحدودية.
هذا لا يعني أن الخطاب الداعم لفلسطين كان
وهماً بالكامل، لكنه كان جزءاً من منظومة رمزية أوسع ضمن ما عُرف بمحور
"المقاومة والممانعة"، وهو إطار استُخدم سياسياً لتوسيع النفوذ، وكسب
الشرعية الشعبية، وتبرير التموضع الإقليمي، غير أن السلوك العملي غالباً ما كان
محكوماً بميزان الكلفة والمنفعة الخاص بطهران، وطهران فقط!
أما ما يجري اليوم، فلا يمكن اختزاله في
الإدعاء الأمريكي ـ من خلال التحريض وكذلك التوجيه الإسرائيلي ـ حول البرنامج
النووي أو الصواريخ الباليستية..
المستفيد من هذا المسار ليس طرفاً مجهولاً.. إسرائيل"، بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأميركية، تقف في موقع المستفيد الوحيد من أي إعادة تشكيل للإقليم تُفضي إلى إضعاف القوى الإقليمية الأخرى وخلق فراغات استراتيجية واسعة.
المسألة تتجاوز البرنامج النووي والصواريخ
الباليستية إلى إعادة ترتيب ميزان القوى في المنطقة...
هناك محاولة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
بحيث يترسخ تفوق إقليمي أحادي، عبر إضعاف القوى المنافسة واستنزافها وإعادة صياغة
البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
المستفيد من هذا المسار ليس طرفاً مجهولاً.. إسرائيل"، بدعم مباشر
من الولايات المتحدة الأميركية، تقف في موقع المستفيد الوحيد من أي إعادة تشكيل
للإقليم تُفضي إلى إضعاف القوى الإقليمية الأخرى وخلق فراغات استراتيجية واسعة.
هي محاولة لفرض هيمنة إسرائيلية مطلقة على
المنطقة.
انهيار التوازن لا ينتج استقراراً دائماً،
بل غالباً ما يطلق موجات جديدة من عدم اليقين والفوضى.
في حال انهيار التوازنات القائمة، لن تكون
الخسارة مقتصرة على إيران، بل ستطال مجمل دول المنطقة التي ستجد نفسها أمام واقع
تُفرض فيه معادلات القوة من خارج إرادتها.
والخاسر في أي انفجار واسع لن يكون طرفاً
واحداً، بل قد تمتد آثاره إلى مجمل دول المنطقة، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.
المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة
تقنية حول تخصيب اليورانيوم أو مدى الصواريخ، بل صراع على شكل النظام الإقليمي
القادم...
المسألة إذاً ليست دفاعاً عن النظام
الإيراني، ولا تبرئةً لسياسته، بل قراءة لمآلات صراع قد يعيد تشكيل الإقليم بأكمله.
هناك مشروع نفوذ إيراني حقيقي، وهناك أيضاً
واقع جيوسياسي يجعل إيران جزءاً دائماً من معادلة المنطقة، وبين هذين المعطيين
تتشكل اللحظة الراهنة.
من هنا، يصبح النقاش أكثر تعقيداً من مجرد
ثنائية "مع إيران أو ضدها"، فالمشهد الحالي لا يمكن اختزاله في خطاب
تعبوي، ولا في شيطنة مطلقة، ولا في تبرئة كاملة..
النقاش الحقيقي هو: كيف يمكن حماية مصالح شعوب المنطقة بعيداً عن الاصطفاف الأعمى، وبعيداً أيضاً عن تجاهل أخطاء أي طرف؟ وكيف يمكن منع تحوّل الصراع إلى إعادة إنتاج لخرائط النفوذ على حساب استقرار المجتمعات؟
النقاش الحقيقي هو: كيف يمكن حماية مصالح
شعوب المنطقة بعيداً عن الاصطفاف الأعمى، وبعيداً أيضاً عن تجاهل أخطاء أي طرف؟
وكيف يمكن منع تحوّل الصراع إلى إعادة إنتاج لخرائط النفوذ على حساب استقرار
المجتمعات؟
إن المطلوب اليوم موقف إقليمي واعٍ ومتزن:
موقف لا يتجاهل مسؤولية إيران عن سياسات أسهمت في إضعاف عدد من الدول العربية،
لكنه في الوقت ذاته يرفض تحويل المنطقة إلى ساحة لإعادة هندسة الخرائط بالقوة، أو
إلى مسرح لتكريس هيمنة أحادية طويلة الأمد*.
حماية مصالح شعوب المنطقة تقتضي رؤية
مستقلة، توازن بين نقد ورفض السياسات الإيرانية ورفض أي مشروع يعيد صياغة المنطقة
على قاعدة الإخضاع والفراغ الاستراتيجي.
هذه لحظة مفصلية، ونتائجها لن تُقاس بربح
طرف وخسارة آخر، بل بشكل المنطقة التي ستخرج من هذا الصراع.