حين يصبح النصر رواية لا نتيجة

إبراهيم حمامي
يبدو المشهد وكأن الجميع انتصر في روايته الخاصة، بينما الحقيقة أن لا أحد حسم شيئاً بعد. ما جرى هو تثبيت لمواقف التفاوض، لا تحقيق لأهدافها.. الأناضول
يبدو المشهد وكأن الجميع انتصر في روايته الخاصة، بينما الحقيقة أن لا أحد حسم شيئاً بعد. ما جرى هو تثبيت لمواقف التفاوض، لا تحقيق لأهدافها.. الأناضول
شارك الخبر
في خضم ما جرى، لا تبدو المسألة صراعاً بين منتصر ومهزوم، بل أقرب إلى مواجهة مفتوحة جرى تجميدها مؤقتاً بغطاء تفاوضي.. كل طرف دخل الطاولة وهو يحمل سقفاً عالياً من الشروط، ثم بدأ بتسويق رواية مفادها أنه فرض إيقاعه على الآخر.. لكن عند التدقيق، يتضح أن ما عُرض من "نقاط أمريكية" و"نقاط إيرانية" ليس إلا تعبيراً عن رؤيتين متناقضتين، يحاول كل طرف تقديمها لجمهوره على أنها تقدّم أو إنجاز.

الولايات المتحدة، من خلال حزمة ال 15 بنداً، تروّج أنها نجحت في نقل التفاوض إلى جوهر ما تريده: تفكيك البرنامج النووي العسكري، وقف التخصيب، ضبط الصواريخ، وإنهاء النفوذ الإقليمي..

مجرد إدراج هذه البنود على طاولة النقاش يُقدَّم داخلياً على أنه إنجاز بحد ذاته، حتى لو لم توافق إيران عليها فعلياً،كما أن ربط رفع العقوبات بهذه الشروط يعطي انطباعاً بأن واشنطن ما تزال تمسك بأوراق الضغط الأساسية.

لا تبدو الهدنة الحالية سوى هدنة هشة، أقرب إلى استراحة تكتيكية منها إلى وقف حقيقي للصراع، فهي لم تُبنَ على توافقات صلبة، بل على توازن مؤقت في الضغوط والحسابات، ومن المرجح أن يستغلها كل طرف لإعادة ترتيب أوراقه، وتعزيز قدراته، وتثبيت مواقعه، استعداداً لجولة قادمة تبدو شبه حتمية - قد لا يكون توقيتها معروفاً، لكنها بالتأكيد ليست بعيدة.
في المقابل، إيران تقدّم روايتها بشكل مختلف تماماً. فهي لا تتعامل مع هذه البنود كأمر واقع، بل كـ"مقترحات قيد التفاوض"، وتروّج أن قبول الولايات المتحدة بفتح باب التفاوض، ووقف إطلاق النار المؤقت، جاء نتيجة صمودها ورفضها التفاوض تحت الضغط..

ومن خلال طرحها لعشرة بنود مضادة، تحاول إظهار أنها أعادت تعريف جدول الأعمال: من نقاش حول برنامجها النووي، إلى نقاش أوسع حول الأمن الإقليمي، ورفع العقوبات، وضمانات عدم الاعتداء.

وتتجلى المفارقة بوضوح عند مقارنة النقاط بين الطرفين:

ـ النووي مقابل الأمن:

واشنطن تطرح تفكيك البرنامج ووقف التخصيب، وتروّج أنها وضعت "الخطوط الحمراء" على الطاولة.

طهران، بالمقابل، تتجنب الالتزام الواضح، وتروّج أن الأولوية أصبحت "ضمان عدم التعرض لهجوم" وإنهاء الحرب، أي نقل النقاش من التقنية إلى الأمن السيادي.

ـ العقوبات مقابل التنازلات:

الولايات المتحدة تقول إنها مستعدة لرفع العقوبات، لكن ضمن صفقة شاملة.

إيران تروّج أن رفع العقوبات هو حق أساسي غير مشروط، وتضعه كبند مركزي لا كجزء من مقايضة.

ـ النفوذ الإقليمي:

واشنطن تعرض إنهاء دعم الفصائل/الوكلاء كشرط، وتعتبر طرحه تقدماً.

إيران ترد عملياً بالمطالبة بوقف الضربات على حلفائها، ما يعني أنها لم تتراجع، لكنها تعيد صياغة الموضوع كـ"حماية للاستقرار"، وتحاول تثبيت دورها كقوة إقليمية.

ـ مضيق هرمز:

الولايات المتحدة تطرح ضمان حرية الملاحة بلا قيود.

إيران تروّج أنها فرضت نفسها كجهة تنظيم وسيطرة عبر فتحه بشروط وطرح رسوم عبور، أي تحويله من ملف أمني إلى ورقة سيادية واقتصادية.

ـ وقف إطلاق النار:

واشنطن تقدّمه كخطوة لتهيئة التفاوض.

بين السقف الأمريكي العالي والسقف الإيراني المقابل، تبقى المسافة واسعة، ويظل "الانتصار" حتى الآن مجرد صياغة إعلامية أكثر منه واقعاً سياسياً.
طهران تروّجه كتنازل أمريكي جاء بعد رفضها التفاوض تحت النار.

حتى التفاصيل الخلافية، مثل مسألة إدراج "التخصيب" في نسخة دون أخرى، تُستخدم إعلامياً من الطرفين: الولايات المتحدة لتقول إن إيران تناور ولا تلتزم، وإيران لتقول إن الشروط لم تُحسم بعد وما زالت قابلة للتعديل.

الخلاصة أن كل طرف لا يروّج لما تم الاتفاق عليه، بل لما تم إدخاله إلى النقاش. واشنطن تقول: "أجبرناهم على مناقشة تفكيك برنامجهم"، وطهران تقول: "أجبرناهم على وقف النار والاعتراف بشروطنا الأمنية".

في هذا السياق، لا تبدو الهدنة الحالية سوى هدنة هشة، أقرب إلى استراحة تكتيكية منها إلى وقف حقيقي للصراع، فهي لم تُبنَ على توافقات صلبة، بل على توازن مؤقت في الضغوط والحسابات، ومن المرجح أن يستغلها كل طرف لإعادة ترتيب أوراقه، وتعزيز قدراته، وتثبيت مواقعه، استعداداً لجولة قادمة تبدو شبه حتمية - قد لا يكون توقيتها معروفاً، لكنها بالتأكيد ليست بعيدة.

لهذا، يبدو المشهد وكأن الجميع انتصر في روايته الخاصة، بينما الحقيقة أن لا أحد حسم شيئاً بعد. ما جرى هو تثبيت لمواقف التفاوض، لا تحقيق لأهدافها.  

وبين السقف الأمريكي العالي والسقف الإيراني المقابل، تبقى المسافة واسعة، ويظل "الانتصار" حتى الآن مجرد صياغة إعلامية أكثر منه واقعاً سياسياً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)