الحرب والنفط والقوة: هل يزعزع صراع إيران هيمنة البترودولار؟

ألطاف موتي
"يُعد نظام البترودولار المحرك الخفي للازدهار الأمريكي"- جيتي
"يُعد نظام البترودولار المحرك الخفي للازدهار الأمريكي"- جيتي
شارك الخبر
إن التوهجات العسكرية التي أضاءت سماء الخليج العربي في أوائل عام 2026 لا تمثل مجرد ضربات تكتيكية؛ بل هي بمثابة ومضات إنذار مبكر لتحول مالي بنيوي. وفي حين يسعى البيت الأبيض إلى تأطير "عملية الغضب الملحمي" باعتبارها تدخلا أمنيا ضروريا، تشير القراءات التحليلية النقدية إلى أن ما يجري هو الفصل الأحدث في نظرية "حرب البترودولار". فعلى مدى أكثر من خمسين عاما، استندت الهيمنة العالمية للدولار الأمريكي إلى قاعدة وحيدة غير مكتوبة: يجب تداول النفط بالدولار، واليوم، تواجه هذه القاعدة تحديها الأشرس، في ظل مساعي العديد من الدول لفك الارتباط التاريخي بين تدفقات الطاقة والعملة الأمريكية.

يُعد نظام البترودولار المحرك الخفي للازدهار الأمريكي، فمن خلال ضمان تسوية المعاملات النفطية العالمية بالدولار، خلقت الولايات المتحدة طلبا عالميا ودائما على عملتها. هذا "الامتياز المفرط" يتيح لواشنطن طبع الأموال لتمويل عجوزات ضخمة، والحفاظ على بصمتها العسكرية العالمية، وخفض تكاليف الاقتراض للمستهلكين الأمريكيين. بيد أن هذا النظام يرتكز أساسا على الاستقرار والتعاون، وهما الركيزتان اللتان عصفت بهما صراعات عام 2026، كاشفة عن هشاشة نظام مالي شُيّد على أساس من الوقود الأحفوري والترهيب العسكري.

هذا النظام يرتكز أساسا على الاستقرار والتعاون، وهما الركيزتان اللتان عصفت بهما صراعات عام 2026، كاشفة عن هشاشة نظام مالي شُيّد على أساس من الوقود الأحفوري والترهيب العسكري

لقد أمضت طهران عقودا في التحضير لهذه اللحظة، ففي مواجهة عقوبات "الضغوط القصوى" التي حوّلت نظام (سويفت) المصرفي إلى سلاح موجه ضدها، تحولت القيادة الإيرانية تدريجيا نحو اقتصاد غير مقوم بالدولار. ولم يقتصر هذا التحول على الداخل فحسب، بل سعت طهران إلى بناء شبكات مالية موازية عبر الارتباط بنظام الصيني "CIPS" ونظام "SPFS" الروسي، لتكون هذه المنصات بديلا آمنا عن سيطرة "سويفت" الغربية. ومن خلال إطلاق بورصة نفطية للتداول بعملات بديلة، وتعميق تحالفها مع تكتل "بريكس"، بدأت إيران بالفعل في بيع حصة معتبرة من خامها باليوان الصيني. وقد أدى الصراع الحالي -الذي شهد توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات للبنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية في أواخر شباط/ فبراير- إلى تسريع وتيرة هذا التحول الجيواقتصادي.

ومن منظور تحليلي نقدي، قد يأتي التدخل الأمريكي بنتائج عكسية تضر بمصالح واشنطن المالية. فبينما تستخدم الولايات المتحدة آلتها العسكرية لفرض الاستقرار الإقليمي، فإنها تدفع في الوقت ذاته خصومها -بل وحتى بعض حلفائها الحذرين- للبحث عن بدائل للدولار. فحينما تستخدم واشنطن دولارها كسلاح حرب عبر العقوبات وتجميد الأصول، فإنها ترسل إشارة واضحة للعالم مفادها أن العملة العالمية "المحايدة" ليست سوى أداة سياسية. وهذا الإدراك هو ما يدفع دولا تمتد من آسيا إلى أمريكا الجنوبية نحو استكشاف مسارات التخلص من "الدولرة" كمسألة أمن قومي ووجودي.

وتعكس البيانات الاقتصادية الصادرة في آذار/ مارس 2026 حالة عدم الاستقرار المتصاعدة. ورغم أن الدولار شهد في البداية ارتفاعا مؤقتا بدافع "الهروب نحو الملاذ الآمن"، إلا أن الآفاق طويلة الأجل تبدو ملبدة بغيوم الضغوط التضخمية، فقد تجاوز سعر خام برنت 92 دولارا للبرميل، وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل عشرين بالمائة من إمدادات النفط العالمية. وبالنسبة لدافع الضرائب الأمريكي، يحمل هذا الصراع فاتورة باهظة تصل إلى ما يقرب من 900 مليون دولار يوميا من الإنفاق العسكري. هذا الاستنزاف الهائل، مقترنا بارتفاع تكاليف الطاقة ومعدلات الفائدة المرتفعة، يعمق من جراح الأزمة المالية داخل الولايات المتحدة. ومع تصاعد معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، بدأ المواطن الأمريكي يشعر بثقل هذه الحروب في تفاصيل حياته اليومية، حيث تتآكل القوة الشرائية للدولار أمام أعين الجميع.

منذ اندلاع صراع عام 2026، فقد الدولار المرجح بالتجارة جزءا كبيرا من قيمته طويلة الأجل مقابل سلة من العملات، على الرغم من مكاسب "تجنب المخاطرة" قصيرة الأجل، وذلك في ظل تسريع البنوك المركزية لتحولها نحو الذهب والعملات الإقليمية

علاوة على ذلك، يمثل "إنذار اليوان" ضربة موجهة في صميم البترودولار، إذ تشير التقارير إلى أن طهران تستغل سيطرتها على مضيق هرمز لمطالبة مستوردي النفط بتسوية معاملات العبور باليوان. وإذا ما رضخت كبرى الدول المستوردة للطاقة -المتعطشة للوقود لتشغيل آلتها الصناعية- لهذه الشروط، فإن ذلك سيعني كسر احتكار الدولار فعليا. تحول كهذا سيؤدي إلى وقف ضخ مليارات الدولارات أو "إعادة تدويرها" في سندات الخزانة الأمريكية، مما سيجبر الولايات المتحدة على مواجهة واقع لم تعهده منذ عقود: التنافس على رأس المال في ساحة متكافئة وبلا شبكة أمان يوفرها البترودولار.

تجسد حرب إيران 2026 حلقة مفرغة وبالغة الخطورة، فلحماية البترودولار، تضطر الولايات المتحدة لاستعراض قوتها العسكرية؛ بيد أن كل تصعيد عسكري يخلق حافزا أكبر للعالم للابتعاد عن العملة الخضراء. ويرى منتقدو هذه السياسات أن واشنطن تخوض حرب الأمس لحماية نظام نقدي يتجاوزه الزمن حاليا بفعل التحول العالمي في مجال الطاقة وصعود التمويل الرقمي المتعدد الأقطاب. إن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية للحفاظ على الهيمنة المالية لم يعد سوى استراتيجية تتناقص عوائدها باضطراد.

وفي الختام، فإن الصراع الدائر في الخليج يتجاوز كونه مجرد صراع إقليمي على النفوذ، بل هو اختبار إجهاد حقيقي للنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة. وإذا عجزت واشنطن عن تأمين مضيق هرمز واستعادة مكانة الدولار كعملة حصرية للطاقة، فقد نشهد نهاية مفاجئة لحقبة البترودولار. إن الانتقال نحو عالم مالي متعدد الأقطاب من شأنه أن يقلص قدرة واشنطن على استعراض قوتها في الخارج، ويفرض عليها تكيفا اقتصاديا مؤلما في الداخل. وعليه، فإن الضحية الحقيقية لحرب إيران 2026 قد لا تكون النظام في طهران، بل التفوق المطلق الذي طالما تمتع به الدولار الأمريكي.

حقيقة رئيسية: منذ اندلاع صراع عام 2026، فقد الدولار المرجح بالتجارة جزءا كبيرا من قيمته طويلة الأجل مقابل سلة من العملات، على الرغم من مكاسب "تجنب المخاطرة" قصيرة الأجل، وذلك في ظل تسريع البنوك المركزية لتحولها نحو الذهب والعملات الإقليمية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)