بحلول الثامن من نيسان/
أبريل 2026، انتقل المشهد السياسي العالمي من أروقة الدبلوماسية التقليدية إلى فضاءات
التوقعات الكارثية. لم يكن أحد يتخيل أن مصير قوة إقليمية كبرى، وتاريخ حضارة يمتد
لخمسة آلاف عام، سيصبح مرهونا بمنشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي مساء السابع
من نيسان/ أبريل، أطلق الرئيس دونالد
ترامب إنذارا هز العواصم العالمية، معلنا أن
"حضارة بأكملها" ستواجه الدمار في تلك الليلة. لم يكن هذا إعلانا عن هدف
عسكري محدد، بل كان انفجارا سيكولوجيا بكل المقاييس؛ الأمر الذي أجبر المجتمع الدولي
على تجاوز التحليلات السياسية المعتادة للبحث في الحالة الذهنية للقابع في المكتب البيضاوي.
ليلة التهديد الوجودي
جاء التهديد قبل دقائق
من حلول الموعد النهائي الذي حدده الرئيس في الساعة الثامنة مساء بتوقيت واشنطن. كان
منشور ترامب على منصة "تروث سوشيال" (Truth Social)
قاطعا؛ حيث أكد أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز، فإنه سيمضي قُدما
في خطة "الدمار الشامل". هذا الخطاب أصاب القادة العسكريين والدبلوماسيين
بذهول عارم، إذ نقل الصراع من نزاع حول ممرات ملاحية إلى تهديد مباشر بالإبادة. ويرى
محللون دوليون أننا لم نعد بصدد مفاوضات سياسية اعتيادية، بل نحن أمام حالة طوارئ طبية
تُدار على مسرح السياسة العالمية.
تجاوزت لغة الرئيس حدود "التهويل السياسي" لتدخل في تصنيف "النرجسية الخبيثة"؛ وهي حالة تمزج بين البارانويا المفرطة والرغبة في التدمير. ففي الأزمة الحالية مع إيران، لا يبدو أن ترامب يسعى لإبرام صفقة تخدم المصالح الأمريكية، بل يسعى لتحقيق نصر شخصي مطلق، وإلا فإنه يميل لتبني خيار الدمار الشامل
وعلى مدار سنوات،
ناقش المراقبون "نظرية الرجل المجنون" كأداة دبلوماسية، وهي النظرية التي
تفترض أن يتظاهر القائد بعدم الاستقرار لإرهاب خصومه وإجبارهم على الخضوع. ومع ذلك،
تشير أحداث أوائل نيسان/ أبريل 2026 إلى أن هذا السلوك لم يعد خيارا استراتيجيا مدروسا،
بل بات واقعا بيولوجيا ملموسا.
نبوءة طبية تتحقق
لفهم الأزمة الراهنة،
يجب استحضار التحذيرات التي سبقتها، ففي أواخر عام 2024، أصدر مئات الخبراء في
الصحة
العقلية تحذيرا علنيا عبر صحيفة "نيويورك تايمز"، رصدوا فيه مؤشرات على تدهور
إدراكي لدى الرئيس، وأشاروا تحديدا إلى أعراض "خرف الجبهة الصدغية" (FTD).
وبخلاف أنواع الخرف الأخرى، فإن هذا النوع لا يهاجم الذاكرة أولا، بل يدمر "الفلتر
الاجتماعي" والقدرة على الحكم المنطقي على الأمور.
وبحلول نيسان/ أبريل
2026، يبدو أن هذه التوقعات قد تجسدت على أرض الواقع. فقد تجاوزت لغة الرئيس حدود
"التهويل السياسي" لتدخل في تصنيف "النرجسية الخبيثة"؛ وهي حالة
تمزج بين البارانويا المفرطة والرغبة في التدمير. ففي الأزمة الحالية مع
إيران، لا
يبدو أن ترامب يسعى لإبرام صفقة تخدم المصالح الأمريكية، بل يسعى لتحقيق نصر شخصي مطلق،
وإلا فإنه يميل لتبني خيار الدمار الشامل. هذه العقلية (إما الكل أو لا شيء) تُعد عرضا
رئيسا للحالات التي وصفها المتخصصون.
هدنة الـ15 يوما:
فاصل دستوري أم تهدئة سياسية؟
تم تعليق الأزمة مؤقتا
بوقف إطلاق نار لمدة 15 يوما، وُصف رسميا بأنه إنجاز دبلوماسي ناتج عن وساطة إقليمية.
وافق ترامب على تأجيل خطة "الدمار" لأسبوعين، وبدت الصورة للعيان كأنها دبلوماسية
تقليدية، لكن مصادر في واشنطن تؤكد وجود دافع داخلي أكثر إلحاحا؛ فهذه الأيام الخمسة
عشر ليست مهلة لإيران للاستسلام، بل هي "فترة تهدئة" للنظام المؤسسي الأمريكي
نفسه.
فداخل أروقة الحكم،
يتصاعد الحديث حول "التعديل الدستوري رقم 25"، الذي يسمح للحكومة بعزل الرئيس
إذا أصبح "غير قادر على ممارسة سلطات ومهام منصبه". وللمرة الأولى، لا يبدو
هذا النقاش حزبيا، بل هو رد فعل على قائد يبدو أنه فقد اتصاله بالواقع. وتشير التقارير
إلى أن 25 في المئة من المشرعين يعتقدون الآن أن الرئيس غير مؤهل ذهنيا، ويُعتبر التهديد
بتدمير حضارة كاملة هو الدليل القاطع على غياب القدرة على التمييز أو التعاطف.
تمرد صامت في البنتاغون
وشلل دولي
يكمن الجزء الأكثر
خطورة في هذه الأزمة في تصدع تسلسل القيادة العسكرية، فالجيش الأمريكي يقوم على مبدأ
طاعة الأوامر القانونية، لكن الأوامر يجب أن تكون عقلانية ومشروعة. وتشير التقارير
الواردة من البنتاغون إلى أن كبار الجنرالات يعيشون حالة من "المقاومة السلبية"،
حيث يتردد القادة العسكريون في تحريك الأصول الاستراتيجية لتنفيذ ضربة "حضارية".
يواجه القادة فخا
أخلاقيا وقانونيا؛ فإذا أمر الرئيس بتدمير البنية التحتية المدنية، فإن ذلك يُعد
"جريمة
حرب"، واتباع الأمر يعرضهم للملاحقة الدولية، أما الرفض فيعني
"التمرد". وتعمل الفرق القانونية حاليا لتحديد ما إذا كانت أوامر الرئيس
"باطلة عقلانيا"، وعندما يبدأ الجيش بالتشكيك في سلامة عقل القائد الأعلى،
فإن الأمة تكون في أزمة دستورية.
وعلى الصعيد الدولي،
انتقلت المعركة إلى الأمم المتحدة، حيث استخدمت روسيا والصين "الفيتو المزدوج"
لمنع قرار يسمح لقوة دفاعية بفتح مضيق هرمز، معلنتين صراحة فقدان الثقة في القيادة
الأمريكية بسبب التهديدات "القيامية" التي يطلقها الرئيس. هذا الانقسام العالمي
يعكس رعبا دوليا من وجود فاعل غير مستقر يقود أقوى آلة عسكرية في التاريخ.
إخفاق "عقلنة
الخطاب المنفلت"
على مدار سنوات، دأبت
قطاعات إعلامية على ممارسة ما يُعرف بـ"عقلنة الخطاب" (Sanewashing)؛
وهي عملية صياغة يقوم من خلالها الصحفيون باختزال الخطابات المشتتة والمفككة وتحويلها
إلى جمل منطقية ومتسقة. لقد ساهمت هذه الممارسة في حجب المدى الحقيقي للتدهور الذي
أصاب الرئيس عن أعين الجمهور.
بيد أن منشورات منصة
"تروث سوشيال" في نيسان/ أبريل 2026 جعلت من محاولات "عقلنة الخطاب"
أمرا مستحيلا؛ فالرأي العام يشاهد اليوم قائدا يقضي ليله ساهرا في بث رسائل ذات طابع
"قيامي" كارثي، بل ويهاجم مناصريه لمجرد إبدائهم القلق، وحتى المحافظون المخلصون
باتوا يصفون المشهد بأنه "عيد فصح دموي". لقد بلغت الحدة في الخطاب مستوى
من التطرف يستعصي على التجميل أو المواربة؛ إذ لا يمكن بحالٍ من الأحوال "عقلنة"
تهديدات صريحة بالإبادة الجماعية.
السباق مع الزمن
الحالية هي مجرد لحظة صمت يشوبها الخوف، أثبتت أن أنظمة الضبط والتوازن التقليدية تعاني لاحتواء حالة طوارئ سيكولوجية في أعلى هرم السلطة
يشهد العالم الآن
سباقا بين قوتين: تدهور الصحة العقلية للرئيس من جهة، وصمود المؤسسات الأمريكية من
جهة أخرى. ويواجه نائب الرئيس والوزراء ضغوطا هائلة لتقرير ما إذا كان بإمكانهم ترك
"الزناد النووي" في يد قائد غير مستقر.
إن هدنة الـ15 يوما
هي "عد تنازلي بيولوجي"؛ إذا لم تتحرك المؤسسات، سيعود العالم إلى نقطة الصفر
بعد أسبوعين. إن الخطر على استقرار الكوكب بات يفوق الخطر الناجم عن أي صراع إقليمي،
فوجود قائد لا يدرك عواقب أفعاله يمثل تهديدا للبشرية جمعاء.
عالم تحت الارتهان
اعتبارا من 8 نيسان/
أبريل 2026، أصبح العالم فعليا رهينة لحالة طبية. الهدنة الحالية هي مجرد لحظة صمت
يشوبها الخوف، أثبتت أن أنظمة الضبط والتوازن التقليدية تعاني لاحتواء حالة طوارئ سيكولوجية
في أعلى هرم السلطة.
لن يحكم التاريخ على
هذه الفترة من خلال نتائج الحرب، بل من خلال قدرة المؤسسات على الاعتراف بالأزمة الطبية
في سدة الحكم. لقد بدأ "العد التنازلي الإدراكي"، والأيام القادمة ستحدد
ما إذا كان العالم سيستعيد عقلانيته أم سينجرف في تداعيات الانهيار النفسي لرجل واحد.
العالم يحبس أنفاسه، والساعة تدق.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.