من إيران إلى كل المنطقة: الاستراتيجية الأمريكية لم تتغير من زمن كيسنجر لزمن المسيّرات!!

محمد موسى
"تُستخدم الضربات العسكرية المكثفة ليس لتحقيق نصر تقليدي، بل لإعادة صياغة شروط التفاوض وفرض معادلات ردع جديدة"- القيادة المركزية الأمريكية
"تُستخدم الضربات العسكرية المكثفة ليس لتحقيق نصر تقليدي، بل لإعادة صياغة شروط التفاوض وفرض معادلات ردع جديدة"- القيادة المركزية الأمريكية
شارك الخبر
الكل ينتظر الرئيس ترامب وماذا سيفعل: يضرب، يدمر، يهدد، يصعق، يرعد، يفاوض أو لا يفاوض، يمدد المهل أو لا يمدد، ولكن لا شيء تغير أو يتغير في أساسيات استراتيجيات أمريكا، وآخرها ما كان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، حينما أعلنت الولايات المتحدة استراتيجيتها للأمن القومي (NSS 2025)، وقدّمتها بوصفها إطارا ناظما للحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي. غير أنّ فهم هذه الوثيقة لا يكتمل دون وضعها في سياق أوسع من التفكير الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو سياق لم يتشكل بفعل لحظة طارئة، بل عبر تراكم تاريخي طويل يقوم على إدارة الإقليم من خلال إعادة تشكيل توازناته ومنع تماسكه البنيوي.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبلورت رؤية أمريكية تعتبر أن الاستقرار المرغوب ليس ذاك القائم على وحدة القوى، بل على توزيعها ومنع تحولها إلى كتلة صلبة قادرة على تحدي النفوذ الخارجي. وفي هذا الإطار، أسست مقاربات هنري كيسنجر لفكرة "توازن القوى المُدار"، حيث يُعاد ضبط العلاقات الإقليمية عبر مزيج من الاحتواء والتفكيك وإعادة التركيب، بما يضمن بقاء أي قوة ضمن حدود لا تسمح لها بالهيمنة. وتطورت هذه الرؤية مع أطروحات برنارد لويس، التي قدّمت قراءات جيوسياسية وثقافية للمنطقة استُخدمت في كثير من الأحيان لتبرير سيناريوهات إعادة رسم الحدود والهويات على أسس فرعية.
تبدو المواجهة الراهنة مع إيران أقرب إلى اختبار عملي لعقيدة استراتيجية متجددة في أدواتها، ثابتة في أهدافها. إذ تنطلق الاستراتيجية الأمريكية من مبدأ "السلام من خلال القوة"
ولم تبقَ هذه التصورات في إطار التنظير، بل وجدت امتداداتها في دراسات صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية، تناولت إمكانات "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" كجزء من متطلبات الأمن القومي الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.

ضمن هذا السياق التاريخي، تبدو المواجهة الراهنة مع إيران أقرب إلى اختبار عملي لعقيدة استراتيجية متجددة في أدواتها، ثابتة في أهدافها. إذ تنطلق الاستراتيجية الأمريكية من مبدأ "السلام من خلال القوة"، حيث تُستخدم الضربات العسكرية المكثفة ليس لتحقيق نصر تقليدي، بل لإعادة صياغة شروط التفاوض وفرض معادلات ردع جديدة. فاستهداف البنية التحتية والقدرات القيادية الإيرانية يعكس توجها نحو إدارة الصراع بالقوة المحسوبة، بما يفضي إلى دفع الخصم نحو طاولة التفاوض من موقع أضعف.

في موازاة ذلك، تكشف الأزمة عن مركزية البعد الاقتصادي في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث يتداخل الأمن القومي مع أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. فتهديد مضيق هرمز أعاد تسليط الضوء على هشاشة "نقاط الاختناق" العالمية، وقدرتها على إحداث اضطرابات تتجاوز الإطار الإقليمي لتطال الاقتصاد الدولي برمته. وقد أظهرت التطورات الأخيرة كيف يمكن لتحرك محدود في هذا الممر الحيوي أن يطلق موجات تضخمية ويقوض استقرار الأسواق، بما يتعارض مع أحد الأهداف المعلنة للاستراتيجية الأمريكية، وهو الحفاظ على نظام اقتصادي عالمي مستقر تقوده واشنطن.

في الوقت ذاته، تسعى الولايات المتحدة إلى تفادي تكرار نماذج التدخل العسكري طويل الأمد التي اختبرتها في العراق وأفغانستان، عبر تبني نمط من "القوة الحاسمة قصيرة الأمد"، يقوم على الضربات الدقيقة، والتفوق التكنولوجي، وتقليص الانخراط البري المباشر. ويُستكمل هذا التوجه بالاعتماد على الحلفاء الإقليميين، في إطار ما يُعرف بتقاسم الأعباء، حيث تتوزع الأدوار بين الفاعلين بما يخفف الكلفة عن الولايات المتحدة، وإن كان ذلك يكشف في الوقت نفسه عن حدود التنسيق وتباين الأولويات بين الحلفاء. أما على مستوى الأهداف الأعمق،
الانتقال من التنظير إلى التطبيق يكشف عن فجوات بنيوية لا يمكن تجاهلها. ففكرة "الحرب المحدودة والقابلة للضبط" تصطدم بواقع إقليمي شديد التعقيد، حيث تتعدد الفواعل وتتداخل الجبهات، ما يزيد من احتمالات التوسع غير المحسوب
فإن المواجهة مع إيران تندرج ضمن سعي أوسع لإعادة ضبط توازن القوى الإقليمي ومنع تشكّل مركز قوة مهيمن خارج الإطار الأمريكي. فإضعاف النفوذ الإيراني لا يُفهم فقط في سياق الردع العسكري، بل كجزء من عملية إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية للمنطقة، بما يضمن بقاءها في حالة توازن هش قابل للإدارة.

إلى جانب ذلك، تعكس الحرب الراهنة تحولات نوعية في طبيعة الصراعات، حيث تتداخل الأدوات العسكرية التقليدية مع التقنيات الحديثة، من الطائرات المسيّرة إلى الهجمات السيبرانية، وصولا إلى توظيف البيانات كسلاح استراتيجي. وهو ما يتسق مع أولوية "السيادة التكنولوجية" التي تضعها الاستراتيجية الأمريكية في صلب تنافسها العالمي. ومع ذلك، فإن الانتقال من التنظير إلى التطبيق يكشف عن فجوات بنيوية لا يمكن تجاهلها. ففكرة "الحرب المحدودة والقابلة للضبط" تصطدم بواقع إقليمي شديد التعقيد، حيث تتعدد الفواعل وتتداخل الجبهات، ما يزيد من احتمالات التوسع غير المحسوب. كما أن التداعيات الاقتصادية، لا سيما في أسواق الطاقة، تبرز كعامل ضغط قد يقوض بعض أهداف الاستراتيجية، من خلال تغذية عدم الاستقرار المالي عالميا.

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الحرب الراهنة تمثل تطبيقا متقدما لعقيدة واشنطن الجديدة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود القدرة على التحكم في مسارات الصراع. غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن هذه السياسات، رغم تبدل أدواتها وخطاباتها، تندرج ضمن مسار تاريخي مستمر يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يمنع تبلور قوى إقليمية مستقلة. من هنري كيسنجر إلى برنارد لويس، مرورا بالأدبيات الاستراتيجية للمؤسسات الأمريكية، يظل الخيط الناظم واحدا: إدارة المنطقة عبر تفكيك مراكز القوة وإعادة توزيعها ضمن بنية مجزأة.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل