دخل العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية
الإيرانية أسبوعه الرابع،
ورغم عنف القصف وجسامة الآثار في الأرواح والمنشآت فإن المعتدين لم يحققوا أيّا من
أهدافهم التي أعلنوها قبل العدوان، ورغم أن إيران فقدت أبرز قادتها المعروفين،
وعلى رأسهم الإمام علي خامنئي، فإن البلاد لم تدخل في فوضى ولم يفقد النظام تماسكه
ولم تتفكك مؤسسات الدولة ولم تخرج الجماهير احتجاجا على السلطة، بل خرجت دفاعا عن
سيادة بلادها وانتصارا لكرامتها الوطنية بوجه المعتدين.
قبل بدء العدوان، استجمع الرئيس الأمريكي كل وسائل التهديد العسكري واستعمل كل
مفردات الوعيد، منتظرا تراجع القيادة الإيرانية عن مواقفها وحالما بثورة شعبية على
النظام "لتجنيب البلاد ويلات العدوان"، ولكن لم يحصل شيء من ذلك، فكانت
صدمة
ترامب كبيرة، حتى إنه تساءل في استغراب: "لماذا لم يستسلموا"؟
فعلا، لماذا لم يستسلموا؟ إنه ليس مجرد سؤال عسكري، إنما هو سؤال حول ظاهرة
تبدو مخالفة للطبيعة البشرية، أي طبيعة الخوف أمام جبروت قوى الشر وأمام جدية التهديدات
الخارجية، خاصة حين تصدر تلك التهديدات عن متعجرف لا يتردد في اختطاف رؤساء دول
إذا ما أبدى أحدُهم استعصاء ورفض الاستسلام، لقد اعتاد ترامب إصدار الأوامر
فيستجيب له رؤساء وملوك وأمراء ويدفعون له تريليونات من الدولارات بكل تذلّل وخوف.
لماذا لم يستسلم الإيرانيون قبل العدوان وأثناءه وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع؟
ثمة
طاقة كامنة في الإنسان المشتاق الى الحرية والمنجذب إلى عوالم المعنى والكرامة لا
يدركها المتعجرفون ممن استبدّت بهم غرائزهم وأهواؤهم وأنانيتهم، وظنوا أن الحياة
غلَبة وتسلط وقدرة على الفتك بالآخرين وعلى افتكاك ثروات الشعوب بالقوة، تلك
الطاقة الكامنة في أعماق الإنسان هي التي تمنحه القوة للصمود وتجعله لا يخشى في
سبيل كرامته الإنسانية وسيادته الوطنية أي مخاطر حتى وإن قدّم حياته ثمنا لحريته،
إذ لا معنى لعيش دون كرامة ولا معنى لكينونة دون حرية.
لقد بذلت القيادة الإيرانية منذ قيام الثورة جهدا في التعبئة والتنشئة، تعبئة
الشعب ضد الاستكبار العالمي بكل أشكاله، وتنشئة على معاني التضحية والكرامة وعلى
فلسفة الشهادة من أجل المعاني الكبرى التي يكون بها الإنسان إنسانا والتي يفقد
بفقدانها هويته الإنسانية.
لم تكن تلك التنشئة مجرد خطاب نظري، بل كانت ممارسة عملية منذ إطلاق الإمام
الخميني سنة 1979 صفة "الشيطان الأكبر" على الولايات المتحدة الأمريكية،
ومنذ رسم هدف ثورته، وهو مواجهة "الاستكبار العالمي"، لقد أبدى الإيرانيون
شجاعة وهم يواجهون تهديدات الأسطول السادس الأمريكي الذي جاء للمنطقة لتخويف
القيادة الإيرانية حتى تطلق سراح "جواسيس" السفارة الأمريكية الذين
استمر احتجازهم من قبل طلبة إيرانيين طيلة 444 يوما؛ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر
كان أول من فهم روحية هذا الشعب فكان رده على من يعيبون عليه تردده في استعمال
القوة بالقول: "ما الذي يمكن فعله مع أناس لا يخافون الموت بل يسعون
إليه"؟
عدم الخوف من الموت ليس استهانة بالحياة ولا سعيا إلى الفناء ولا هروبا من
أمانة الاستخلاف، إنما هو دفاع عن الحياة بما هي كرامة وحرية وسيادة؛ لا بما هي
عيش وكينونة جسدانية بلا معنى ولا فكر ولا قيم ولا معايير أخلاقية لتحديد الخير
والشر، الحق والباطل، العدل والظلم، فليست الحياة إلا وجودا حقيقيا في المكان وفي
الزمان، أي في وطن تتحقق فيه معاني المواطنة والسيادة والكرامة، وفي زمن نعي حركته
فنفعل فيه ونتجدد ونصنع حضارة وننافس الآخرين في سباق التقدم والإبداع والتجديد
والعنفوان الحضاري.
مباشرة الإمام علي خامنئي مهامه في مكتبه فوق الأرض رغم التهديدات، ثم خروج
أبرز القيادات الإيرانية للاحتفال مع الجماهير بيوم القدس العالمي، إنما هي مواقف لها
دلالاتها العميقة ولها رمزيتها في معنى أن القائد لا يليق به الاختباء ولا يتردد
في مواجهة "الموت".
فما هي آفاق هذا الصمود بهذه المقومات؟
لن تتحقق للرئيس الأمريكي أحلامه باستسلام الشعب الإيراني مهما كانت الكلفة
المادية والبشرية، وهي بالتأكيد كلفة كبيرة بسبب التفوق التكنولوجي لدى المعتدين
وبسبب العجرفة التي لا تستثني من القتل أطفالا ولا شيوخا ولا نساء، لن يستسلم الإيرانيون
ولن يتخلوا عن شعارهم "هيهات منا الذلة" وهو شعار عقائدي وليس مجرد شعار
سياسي أو صرخة شعبوية، إنها عقيدة تمنع صاحبها من الاستسلام.
سيفشل ترامب وحليفه وكل من سيلتحق بهما، في فرض استسلام على الشعب الإيراني،
وفي إنهاء العدوان بفرض تسويات بشروط "الغالبين" كما هو في الحروب
التقليدية، وسيصمد الإيرانيون أكثر حتى وإن استمرت
الحرب سنوات، لأن الشعوب التي
تدافع عن الحياة، تظل تلك الحياة تسعفها بكل مقومات المقاومة وتلهمها من دماء
الشهداء عزما وصبرا وشوقا فلا تيأس ولا تستسلم.
هذا الأفق لا يبصره المعتدون، ولن يصبروا لبلوغه، ولن تصبر عليهم
"شعوبهم" في معركة تبيّن لها أنها عبثية وظالمة ومُكلفة أيضا، بل حتى
الحلفاء التقليديون لاولئك المعتدين سيضطرون إلى تحسس تسويات تكون بمثابة المخارج
الآمنة لمن بدؤوا حربا عجزوا عن تحقيق أهدافهم منها بل وكشفت لهم قوّة خصمهم
الوجودي.
قد يقبل الإيراني إما بتسوية "مُغرية" وإما بهدنة اضطرارية، ولكنه
لن ينسى أنهم أعداء وسيبني على ما حققه من مكاسب جمّة مزيدا من عوامل القوة ومن
مقومات الصمود، استعدادا لمعارك قادمة ومواجهات حتمية لن تتأخّر كثيرا.
x.com/bahriarfaoui1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.