إن الكِتابَ هو أخطرُ
وظيفةً من منصّة إطلاق صواريخ، وإن
الثقافة هي أعظمُ حصن لصدّ العدوان ولحماية
الأوطان.
لقد تأسست كل الثورات الكبرى وكل الحضارات العظيمة على "النص"
أي على
الكتاب، سواء كان كتاب فلسفة أو كتاب دين أو كتاب قانون، الكتاب ليس عالم
حروف وكلمات مصفوفة، إنما هو معمارٌ جميل ومتين من المعاني والقيم والأفكار، ولا
يُعَدّ الكِتابُ كتابا إلا إذا حوى بين دفتيه ما يكون خادما للإنسان بما هو إنسان،
أي ما يرتقي بالكائن البشري من مرحلة البشرية إلى مرتبة الإنسان حُرّا مُكرّما ذا
إرادة وذا قيم يحتكم في علاقاته إلى شرائع وقوانين، وتضبط سلوكه معايير أخلاقية
تنبع من ذاته ومن وعيه ومن ذائقته السّويّة.
وكلما تعلقت الشعوب والأمم بالكتاب كانت حظوظها في النهضة أوفرَ وكانت
أقرب إلى التمدّن وإلى تحقيق الرفاه والأمان، وهي كلما ابتعدت عن الكتاب واستعاضت
عنه باللغو والتفاهة، كان مآلها إلى تخلف وضعف وتبعية وفوضى.
بعد 2011 كان يُنتظر تحريرُ هذه القلاع لا فقط بتعيين أسماء محسوبة على أشواق الثورة، وإنما بإشراك أكثر ما يُمكن من نخبنا ومثقفينا واختصاصيّينا وخبرائنا لوضع مشاريع إحيائية في الثقافة والتعليم والخطاب الديني والسلوك الاعلامي
إن المعركة الحقيقية التي على النخبة خوضها، إنما هي معركة ثقافية، بما
هي معركة برامج وتصورات أولا، وليست معركة مواقع وأسماء، هي معركة ضد "قوات
احتلال" حقيقية لقلعة الثقافة منذ عقود، فالقوى المعادية لسيادة الأوطان تدرك
جيدا أن المعارك لم تعد تُخاضُ على الجغرافيا أولا، وإنما تُخاض في الوعي، وفي
المصطلحات وفي الذائقة وفي المعاني، وفي الروح.
الفعل الثقافي هو فعل حر ينبع من شعور بالمسؤولية، ومن طاقة إبداعية
كامنة مخبوءة، ومن ثقة بالذّات تقتحم عوالم السكون والرداءة والجهل؛ تبث فيها
الحياة وتستنهض الهمم وتُواجه الزّيف والتضليل وتحث على الفعل والتجدّد والمقاومة.
لا يحتاج الفعل الثقافي مؤسسات وهياكل، إلا من جهة تيسيره وخدمة أهله
وليس بغاية التوجيه وبسط النفوذ على أهل الثقافة. وزارات التربية والثقافة والشؤون
الدينية ومؤسسات الإعلام ليست مؤسسات مقصودة لذاتها، إنما يُفتَرضُ أن تكون حقولا
لاستنبات المعاني والأفكار والقيم وإنتاج الوعي. ولكنها، وللأسف، ظلت دائما أشبهَ
ما تكون بالقلاع المُغلقة التي لا يجوز التسليم فيها مهما كان الثمن.
من أجل ذلك انصبّ جُهد العقل الاستعماري على إعادة برمجة العقل لدى
المواطن العربي من خلال اشتغاله على برامج التربية وعلى الخطاب الديني وعلى
التعبيرات الثقافية، لقد جُنّد لتلك المهمة "خُبراء" في هندسة عقل قابل
للاستعمار وروح مهادنة للظلم والإذلال، ولما كانت اللغة العربية بما هي لغة
القرآن، حاملةً لمضامين الهوية ولقيم الحياة ولمعايير الجمال والعدل، فقد حرص
المستعمر على إفراغها من مضامينها تلك. كان يُدرك أنه لن يُخضع الأرض ما لم
"يحتلّ" اللغة، لقد أدرك بأن اللغة العربية أرحب من الجغرافية وأنها لغة
"الإنسان"، لكونها اللغة الأقدر على احتواء كيمياء الروح تستثير الهمم
وتستنفر العزائم، وتُحوّل الجماهير من مجرد جموعٍ هامدة إلى حشود ثائرة متفجرة لا
تهاب الموت ولا تتراجع أمام مخاطر.
بعد 2011 كان يُنتظر تحريرُ هذه القلاع لا فقط بتعيين أسماء محسوبة على
أشواق الثورة، وإنما بإشراك أكثر ما يُمكن من نخبنا ومثقفينا واختصاصيّينا
وخبرائنا لوضع مشاريع إحيائية في الثقافة والتعليم والخطاب الديني والسلوك
الاعلامي. من يُنجزون ثورة هم من يُنزّلون برامجها في واقع الناس مع الناس وبالناس،
إنهم لا يطمئنون لنشوة سلطة لن يحافظوا عليها ما لم تُحَصّن بثقافة وطنية أصيلة
وببرامج تربوية حديثة وبخطاب ديني يتجه إلى الإنسان متجاوزا الهويات الحزبية والأيديولوجية
والطبقية.
وهنا يتأكد واجب النخبة الثقافية والفكرية تجاه وطنهم وشعبهم، وتجاه
أنفسهم أولا حين يرتقون بها إلى مرتبة المسؤولية التاريخية ومرتبة
"العلاماتِ" التي يتأسّى بها عموم الناس ويستضيئون بفكرها عندما تلتبس
المسائل وتتداخل المفاهيم وتتشابه الظواهر. إن المثقف هو "نبيّ" عصره،
لا يمارس وصاية ولا يتعالى بمعرفة، وإنما يمارسُ الكشف عن الحقائق ويساعد في فهم
الظواهر ويرافق حركة الناس في اتجاهها نحو مصيرها التحرري.
أسوأ ما تعرّض له مجتمعنا منذ فترة الاستعمار وإلى الآن، ليس فقط نهب الثروات وتفقير الناس ماديا، وإنما، وأساسا، هو "النّهب الثقافي" حين وقع تحويل الثقافة إلى أنشطة فلكلورية واستعراض بهلواني وتعبيرات تافهة
وعلى أي سلطة ألا تخشى من
المثقفين وألا تسعى إلى إخضاعهم ليكونوا في
خدمتها، لأنها ستُنتج بذلك منافقين يتحاشون إغضابها خوفا أو طمعا. إن الحاكم إذ
يُسكت المثقف إنما يطفئ شموعا كان يمكن أن تضيء له الطريق كما تضيئه للشعب، إنه لا
يكون بصدد الإضرار بأولئك المثقفين فقط، وإنما يكون بصدد الاضرار بنفسه وبعموم
الناس وبالمصلحة الوطنية.
ولعل أسوأ ما تعرّض له مجتمعنا منذ فترة الاستعمار وإلى الآن، ليس فقط
نهب الثروات وتفقير الناس ماديا، وإنما، وأساسا، هو "النّهب الثقافي"
حين وقع تحويل الثقافة إلى أنشطة فلكلورية واستعراض بهلواني وتعبيرات تافهة سخيفة
حمقاء بغاية إلهاء الناس وصرف أنظارهم عما يفعل الظالمون والفاسدون والناهبون، فلا
ينهضون للدفاع عن حق ولا ينتصرون لحقيقة ولا يواجهون مُعتَدين ولا يُمَيّزون بين
ما ينفع الناس وما يضرهم.
إن أكبر جريمة تُرتَكب ضد المجتمع هي جريمة "التلويث" الثقافي،
وإن من يُساهم فيها من المحسوبين على الإبداع والفن إنما هم مجرمون ضد الوطن
لكونهم يُفرغون المواطنين من المعنى ويزيّفون وعيهم ويَصرفونهم عن قضايا وطنهم
الحقيقية ويُشغلونهم بالزيف والفراغ.
كلّ من يشتركون في "هَدمِ" صرح المواطن، إنما هم خَدَمٌ
للاستعمار، وليس فقط للاستبداد الذي يستعملهم ويسترضونه، لا ينصحون ولا ينقدون ولا
يُشيرون بما ينفع الناس.
x.com/bahriarfaoui1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.