"بورقيبة" أو مرجع المعنى الذي لا يموت ولا يحيا

عادل بن عبد الله
"زيارته لضريح بورقيبة لم تكن فقط للبحث عن "مشروعية في رفات الأموات" كما فعل سابقوه، بل هي أساسا اعتراف منه بعجز "تصحيح المسار" عن بناء سردية وطنية جامعة تعوّض البورقيبية"- موقع رئاسة الجمهورية
"زيارته لضريح بورقيبة لم تكن فقط للبحث عن "مشروعية في رفات الأموات" كما فعل سابقوه، بل هي أساسا اعتراف منه بعجز "تصحيح المسار" عن بناء سردية وطنية جامعة تعوّض البورقيبية"- موقع رئاسة الجمهورية
شارك الخبر
رغم أنّ اسم "الحبيب بورقيبة" مؤسس الدولة-الأمّة بالمعنى الوستفالي للكلمة لا يحضر كثيرا في السجالات العمومية، فإنّ قيام علاقة استبدالية بينه وبين مفردات الجملة السياسية لأغلب مكوّنات ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية" قد جعله الشخصية الأكثر تأثيرا في هندسة فترة الانتقال الديمقراطي -خاصة المرحلة التأسيسية منها- وما تلاها من توافقات وصراعات كان مستقرّها "تصحيح المسار".

فالبورقيبية -بمرحلتيها الدستورية والتجمعية- ليست فقط تلك السردية السياسية التي أدارت الهندسة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية لتونس بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا، بل هي أيضا ذلك "الخطاب الكبير" الذي فرض حتى على ألدّ خصومه التاريخيين بمختلف أيديولوجياتهم -بحكم موازين القوى داخليا وبحكم الإملاءات الخارجية أيضا- أن يتحركوا تحت سقفه وأن يعترفوا بمرجعيته العليا في بناء "المشترك الوطني" بعد الثورة. فالسرديات السياسية كلها تكتسب شرعيتها -داخليا وخارجيا- من مقدار اقترابها من "الخطاب الكبير" وتفقدها كلما ابتعدت عنه، وهو ما فهمه النظام الحالي نفسه فعاد إلى الاحتفاء بميلاد "الزعيم" بعد أن كان الرئيس يعتبر أن زيارة "روضة بورقيبة" هي بحث عن "المشروعية السياسية في رفات الموتى".

بصرف النظر عن التوظيفات المختلفة للبورقيبية منذ انقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، فإننا نستطيع أن نقول -باستعمال المعجم النفسي- إنّ بورقيبة هو أحد النماذج الأكثر تعبيرا عن حالة "التناقض العاطفي" أو "الازدواج الوجداني" التي يعيشها أغلب التونسيين -بنخبهم وعامة مواطنيهم- تجاه رموزهم الوطنية. فالتناقض العاطفي تجاه بورقيبة (الحب/الكره وما ينتج عنهما من أمثلة أو شيطنة وأحكام قيمية مختلفة) قد كان أساس موقف مجاميع اليسار من بورقيبة مؤسس دولة الاستعمار الجديد ورمز الرجعية البورجوازية من جهة، وصاحب المشروع التحريري للمرأة والمبشّر بدولة القانون والمؤسسات من جهة ثانية، وهو أيضا موقف الكثير من القوميين الذين يكرهون تحويل بورقيبة لإقليم تونس إلى "أمّة"، ولكنهم يثمّنون البورقيبية باعتبارها هدما للتضامنات التقليدية (العروشية، القبليّة)، ومقاومة فعّالة للفكر الرجعي الذي مثّل بالنسبة إليهم العدو الوجودي للفكر القومي بنسختية الناصرية والبعثية.

أمّا الإسلاميون فإنهم يكرهون بورقيبة التغريبي المعادي للهوية العربية الإسلامية ومؤسس الدولة الجهوية-الزبونية-الريعية، ولكنهم بعد الثورة لم يملكوا إلا تحييد تلك المشاعر السلبية وتجاوزها في إطار مشروعهم السياسي القائم على التوافق مع ورثة البورقيبية المشتقة من الحزب الدستوري القديم (حزب عبد العزيز الثعالبي). وليس "التوافق" عندنا إلا شكلا من أشكال تحرير البورقيبية من الاحتكار "الحداثوي"، ومحاولة لفك الارتباط التاريخي بينها وبين السرديات اليسارية -الماركسية والقومية- التي حارب الإسلاميين بتوظيف البورقيبية من داخل أجهزة الدولة، ومن هوامشها وملحقاتها الوظيفية في المجتمع المدني والنقابات والثقافة. وهي استراتيجية سياسية كان يحتاجها الخروج من منطق "البديل" إلى منطق "الشريك"، ومن منطق "مواجهة الدولة" إلى منطق دخول أجهزتها عبر صناديق الاقتراع.

ولكنّ عدم نضج الشروط الفكرية والموضوعية لهذه التجربة، بالإضافة إلى قيام "التوافق" على خضوع النهضة لإملاءات منظومة الاستعمار الداخلي وتنكّرها لانتظارات قاعدتها الانتخابية قبل غيرها، أفشل ذلك الخيار شعبيا ونخبويا. وهو ما فتح الباب أمام "تصحيح المسار" باعتباره إعادة تنشيط مختلف للبورقيبية، ولكنها "بورقيبية" تُنكر نفسها أو غير متصالحة مع هويتها القائمة على "التفويض" وعلى احتكار "الزعيم" تمثيلَ الإرادة الشعبية، وكذلك على هيمنة السلطة التنفيذية على سائر السلطات.

يعلم أي متابع للشأن التونسي أن "التأسيس الثوري الجديد"، باعتباره السردية السياسية التي اشتُق منها "تصحيح المسار" بعد أن أصبح "الخبير الدستوري" رئيسا للدولة، قد حرص على عدم التماهي مع أية سردية سياسية بما فيها البورقيبية. فطرحُ مشروع "التأسيس" ذاته يفترض وجود مسافة نقدية من التأسيس الأول لجمهورية تحت سقف البورقيبية، كما أن "ثورية" التأسيس تنبئنا بأنّ المطروح لن يكون مشروعا إصلاحيا من داخل المنظومة القديمة، بل سيكون "تأسيسا جديدا" لا علاقة له بصراع التأويلات للبورقيبية من داخل النظام وخارجه.

ولم يكن انتقاد "الخبير الدستوري" قيس سعيد للفاعلين السياسي ومطالبته لهم بالرحيل جميعا ينفصل عن موقفه السلبي من البورقيبية التي حوّلها منطق "استمرارية الدولة" إلى "خطاب كبير" للثورة، ومرجع المعنى الأعلى لكل المتصارعين على التحكم في هندسة المشهد العام. ولكنّ البورقيبية ليست فقط تشريعات لتنظيم المجتمع، وليست أيضا سرديات سياسية تتصارع على احتكار "واجهة" منظومة الاستعمار الداخلي، إنها بالأساس سردية تلك المنظومة المهيمنة على "الكيان الوظيفي" الذي يوصف مجازا بأنه "دولة حرة مستقلة ذات سيادة".

بعيدا عن منطق "المؤامرة" وعن التحليلات السياسية التي لم تتخلص من مصفوفات المشاعر ومن روح "أغراض الشعر" خاصة منها المدح والهجاء والرثاء، فإننا نذهب إلى أنّ علاقة الأستاذ قيس سعيد بالبورقيبية ليست علاقة انتهازية، وإن كنّا لا ننزهها من البراغماتية المرتبطة بالواقعية السياسية. فإذا كان "الخبير الدستوري" وصاحب "التأسيس الثوري الجديد" ينتقد أولئك الذين يعوّضون فقدان المشروعية (أي غياب الإنجاز) بإعادة تنشيط البورقيبية -رغم أنهم كانوا من الذين خانوها بعد وفاة الزعيم أو من الذين عارضوها خلال حياته - فإنه لا يفعل ذلك انتقادا للبورقيبية في ذاتها بل رفضا لتوظيفاتها اللاحقة.

فـ"سيادة الدولة" وحمايتها ومنع تفككها -وهي ثوابت بنيوية في سردية تصحيح المسار- لا تنفصل عن المشروع البورقيبي، بل إن "مشروع التحرير الوطني" ليس في جوهره نقض للبورقيبية أو تشكيك في "وطنيتها"، بل هو استكمال لها من موقع جديد على الأقل في مستوى الخطاب السلطوي: تحرير للبلاد من التبعية الخارجية للإمبريالية والصهيونية (وهو ما لم يكن يطرحه بورقيبة ذاته ولكن تقضيه ثورية "تصحيح المسار" وخلفيتها اليسارية الكامنة)، وتحرير للبلاد من الارتهان الداخلي لمصالح "الفاسدين" و"اللوبيات" و"الخونة" (وهو ما يمكننا اعتباره حربا على "الانحرافات" بالبورقيبية قبل الثورة وبعدها، لا حربا على البورقيبية نفسها).

إنّ الإشكال الأساسي الذي يواجه هذه السردية السياسية في علاقتها بالبورقيبية هو في فصلها بين شبكات الفساد وبين منظومة الاستعمار الداخلي، وكذلك في مصادرتها على أن ذلك الفساد هو أثر مشتق وغير مقصود -وبالتالي يمكن مواجهته بصورة فردية وببعض التشريعات الجزئية- وليس مكوّنا بنيويا من مكوّنات "منظومة الاستعمار الجديد" بفضل الترسانة التشريعية والعلاقات الخارجية التي تحمي مصالحها المادية والرمزية، منذ بداية تشكلها على عهد "بورقيبة" ذاته وليس من بعده. وهو ما يعني أننا لا نحتاج إلى افتراض وجود تنسيق سابق بين الرئيس وبين النواة الصلبة للمنظومة القديمة، كما أننا لا نحتاج إلى اعتبار تغير موقف الرئيس من بورقيبة نوعا من "الانتهازية".

فمهما كان صدق الرئيس في مشروعه الإصلاحي فإنه محكوم بالفشل بحكم فقدانه لـ"عصبية" بديلة تعوّض منظومة الاستعمار الداخلي ونخبها الوظيفية. ولذلك فإن زيارته لضريح بورقيبة لم تكن فقط للبحث عن "مشروعية في رفات الأموات" كما فعل سابقوه، بل هي أساسا اعتراف منه بعجز "تصحيح المسار" عن بناء سردية وطنية جامعة تعوّض البورقيبية لدى عموم الشعب من جهة أولى، وكذلك بعجز منظومة الحكم -من جهة ثانية- على تحييد منظومة الاستعمار الداخلي، أو على الأقل عجزها عن أن تفرض على النواة الصلبة لتلك المنظومة جملة من "التسويات التاريخية" التي تدمجها في مشروع "تحرير وطني" يتجاوز البورقيبية جدليا، أي يتجاوزها بمنطق المساءلة النقدية ولا يبقى أسير أساطير التأسيس للدولة-الأمة، تلك الأساطير التي أدارت البلاد بسردية وطنية تحررية "خطابيا" وبممارسات جهوية-زبونية-ريعية تابعة "واقعيا".

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)