تصدّع محور "الثورات المضادة "وانعكاساته على تونس

عادل بن عبد الله
"مع الخلاف الكبير بين الإمارات والسعودية، فإن منطق الحياد بين الأطراف المتنازعة لن يصمد طويلا"- جيتي
"مع الخلاف الكبير بين الإمارات والسعودية، فإن منطق الحياد بين الأطراف المتنازعة لن يصمد طويلا"- جيتي
شارك الخبر
منذ بداية الأزمة المفتوحة بين السعودية والإمارات، كان واضحا أن ما يُسمى بمحور "التطبيع والثورات المضادة" يعيش مرحلة تصدّع بنيوي تنذر بانتهاء التحالف الاستراتيجي بين أهم مكوّنين من مكونات "الثورات المضادة"، وهو تصدّع لم يظهر على سطح الخارطة الجغرا-سياسية الإقليمية إلا بعد أن فشلت اللغة الديبلوماسية والتفاهمات السرية والمصالح المشتركة على إدارته بعيدا عن منطق الصدام الصريح. ولا يبدو أن الهجمة الصهيو-صليبية الأخيرة على إيران وتداعياتها الكارثية على دول الخليج قد غيّرت شيئا في المسار التصاعدي للأزمة بين البلدين، مع ما يعنيه ذلك من تأثيرات في الملفات الإقليمية التي تتجاوز المشرق العربي كما هو الشأن في تونس والدول المغاربية بصفة عامة.

بعيدا عن السرديات الرسمية المتغنية بالحرية والاستقلال والسيادة داخل الدولة-الأمة أو الدولة الوطنية، ينبئنا الواقع بأن تلك السرديات هي مجرد "تأنقات لفظية مدارها الفراغ" كما هو شأن القصيدة الحديثة عند أحد النقاد. فالدول العربية ليست في الحقيقة (في فلسفة التقسيم الاستعماري التي أعقبت اتفاقية سايكس-بيكو) إلا "كيانات وظيفية" لا تتحقق فيها أبسط تعريفات "الدولة" سواء بالمعنى الفيبري للكلمة، باعتبارها "إطارا إكراهيا يحتكر شرعية ممارسة العنف"، أو بالمعنى الغرامشي، باعتبارها مجالا لفعل نظام "استكمل هيمنته على الداخل إلى حد كبير.. ويسعى لصد الهيمنة الخارجية وإلى توسيع نطاق هيمنته خارج نطاق الدولة".
عمل "محور التطبيع والثورات المضادة" على إجهاض مسارات/مشاريع التغيير التي أعقبت "الربيع العربي" باستراتيجيات مختلفة تراوحت بين الانقلاب العسكري والتقسيم ونشر الفوضى، وإفساد مناخات الفعل السياسي عبر تحريك النزعات الطائفية والجهوية، أي عبر تغذية الصراعات الهوياتية القاتلة
وقد بيّن الباحث هشام البستاني في كتابه المرجعي بجزئيه "الكيانات الوظيفية" أن تعريفات الدولة الغربية لا ينطبق على الدول العربية كلها مما جعله يصفها بـ"الكيانات الوظيفية". فهي -حسب أطروحته العميقة- موضوع عنف خارجي متعدد الأشكال، وهي تكتسب أهميتها من وظيفيتها في التوازنات الإقليمية ولا هدف لها إلا بقاء مجموعاتها الحاكمة بشرعية مرتبطة بالخارج أساسا.

بناء على هذه المقدمات النظرية، فإن موجة "الثورات المضادة" لا يجب أن تُفهم باعتبارها استراتيجية إقليمية مستقلة عن الإمبريالية في لحظتها المتصهينة، مثلها في ذلك كمثل كل تلك السرديات الإسلامية والعلمانية التي مهّدت لها وتقاطعت معها بمنطق التخادم أو التعامد الوظيفي في تونس وغيرها. لقد عمل "محور التطبيع والثورات المضادة" على إجهاض مسارات/مشاريع التغيير التي أعقبت "الربيع العربي" باستراتيجيات مختلفة تراوحت بين الانقلاب العسكري والتقسيم ونشر الفوضى، وإفساد مناخات الفعل السياسي عبر تحريك النزعات الطائفية والجهوية، أي عبر تغذية الصراعات الهوياتية القاتلة. كما عمل هذا المحور -رغم تصهينه بالفعل بالنسبة للإمارات وبالقوة بالنسبة للسعودية- على شيطنة الانتقال الديمقراطي في تونس باعتباره "ربيعا عبريا" أو صناعة إمبريالية لا علاقة لها بالثورة أو بمشروع التحرر من الاستعمار في شكله غير المباشر.

إننا أمام فرضيات سردية مسنودة بالمال وبالإعلام وبشبكة واسعة من "جرحى الثورة" أو الوكلاء المحليين الناقمين عليها لأسباب أيديولوجية أو مادية، وهو ما مكّن للثورات المضادة التي نجحت في غلق "الفاصلة الديمقراطية" بأكثر من طريقة كان مُؤداها جميعا عودة المنظومات القديمة للحكم، وإن كان ذلك بواجهات/ سرديات سياسية جديدة.

إن حصر محور الثورات المضادة في رأسيه -أي في السعودية والإمارات- هو أمر مجانب الصواب، فالثورات المضادة هي محور يضم كل منظومات الاستعمار الداخلي في الدول التي مسها الربيع العربي وفي غيرها. وهو محور لا نجد رأسه الحقيقي في الخليج، بل في الكيان الصهيوني وفي الغرب المتصهين. فالإمارات والسعودية ليستا في نهاية التحليل إلا كيانين وظيفيين لا يمكنهما التحرك إقليميا إلا بضوء أخضر من مراكز القرار الدولي، وهي مراكز لا يهمها إلا أمرين: أولا حماية مصالحها المادية والرمزية داخل "الكيانات الوظيفية"، وهو ما يستدعي الدفاع عن "النوى الصلبة" لتلك الكيانات مع إمكانية التخلص من بعض هوامشها أو واجهاتها السياسية؛ ثانيا منع أي تهديد استراتيجي للكيان الصهيوني، أي منع ظهور أنظمة حكم ديمقراطية تعبّر عن الإرادة الحقيقية للأقطار العربية، وتصعّد إلى مراكز القرار السياسي بعض الأطراف الرافضة لمنطق الصراع الوجودي والنفي المتبادل بين الإسلاميين والعلمانيين، والرافضة لمسار التطبيع ولوجود الكيان في ذاته.

صمود إيران والوصول إلى تفاهمات صلبة مع جوارها الإقليمي -خاصة السعودية- فيعني تقلص النفوذ الذي مارسته الإمارات في المنطقة سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلائها المحليين، كما يعني انتكاسة كبيرة لمشروع التطبيع وبالتالي إضعافا لكل الأنظمة والكيانات الأيديولوجية والسياسية التي ربطت مصيرها به

بحكم الوضع الحالي في منطقة الخليج وسُلّم الأولويات "الوجودية" لأطراف الصراع، فإن آثار تصدع محور الثورات المضادة لن تظهر في تونس أو غيرها بصورة آنية. فالحرب الحالية لم تغير فقط التحالفات الإقليمية - كما فعلت الأزمة بين السعودية والإمارات- بل هي ستغير وجه المجال العربي-الإسلامي بأكمله مهما كانت نتائجها. فانتصار التحالف الأمريكي-الصهيوني لا يعني فقط سقوط إيران وسردية الممانعة والمقاومة، بل يعني تقوية النفوذ الإماراتي المتصهين، ونهاية كل تلك السرديات السلطوية التي راهنت على ازدواجية الخطابات الثورجية الموجهة للداخل، والمواقف التطبيعية الفعلية الموجهة للخارج. أمّا صمود إيران والوصول إلى تفاهمات صلبة مع جوارها الإقليمي -خاصة السعودية- فيعني تقلص النفوذ الذي مارسته الإمارات في المنطقة سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلائها المحليين، كما يعني انتكاسة كبيرة لمشروع التطبيع وبالتالي إضعافا لكل الأنظمة والكيانات الأيديولوجية والسياسية التي ربطت مصيرها به.

رغم تركيز أغلب التحليلات على أهمية الخلاف الإماراتي السعودي في تصديع "محور الثورات المضادة والتطبيع"، فإن هذا المحور -فيما يخص تونس- قد عرف تصدّعه الأهم بعد الأزمة المفتوحة بين الإمارات والجزائر، وهي أزمة جعلت النظام التونسي في وضع حرج بحكم علاقته الوثيقة بهذين الطرفين الداعمَين له، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الخلاف الكبير بين الإمارات والسعودية، فإن منطق الحياد بين الأطراف المتنازعة لن يصمد طويلا.

كما أن التقارب السعودي-التركي-المصري-القطري وتشكل تحالف إقليمي "سُنّي" في مواجهة التحالف الإماراتي-الإسرائيلي-الهندي؛ سيفرض على تونس إعادة التموضع سياسيا بصورة لا مهرب منها. وهو تموضع لن يُختزل في مستوى العلاقات الخارجية، بل ستكون له انعكاسات داخلية مؤكدة سواء في المستوى الاقتصادي أو في المستوى السياسي. وسيكون من باب التخمين والرجم بالغيب بناء نظام توقع موضوعي لخيارات النظام التونسي أو بالأحرى للخيارات التي سيفرضها الواقع الجيو-استراتيجي عليه، ولكنها خيارات نستبعد أن تكون من خارج صندوق العقل السياسي لنخب "الكيان الوظيفي" كما عرّفه الباحث هشام البستاني.

x.com/adel_arabi21




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)