قبل ثلاثة
أيام فقط، وتحديدا في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 2026، شهد العالم مشهدا بالغ
الدلالة، حين وقف رئيس الوزراء
الهندي ناريندرا مودي في الكنيست
الإسرائيلي ليعلن للعالم
أن الهند "ستقف بحزم إلى جانب إسرائيل". وفي مشهدٍ تكررت فيه استعارات الحدادة
والسياج الحديدي، خرج بنيامين نتنياهو ليعلن عن تأسيس "محور حديدي" جديد،
يضم الهند وإسرائيل وحلفاء آخرين، يقصد بذلك
الإمارات" في مواجهة ما وصفه بـ"قوى
الظلام".
وقد شهدت الزيارة
توقيع 16 اتفاقية تعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمية والفضاء، ورفع
العلاقات الثنائية إلى مرتبة "الشراكة الاستراتيجية الخاصة". في ذلك المشهد،
الذي وصفته أوساط عربية وعالمية بأنه تتويج لتحالف "غير مقدس"، كان لا بد
للمرء أن يتساءل: أين تقف الدول العربية من هذا كله؟ والإجابة جاءت سريعة وحاسمة، هناك
من يتحالف مع هذا المحور الموعود، وهناك من يبني محورا مضادا يحمي الأمة وهويتها.
وفي خضم هذه
التحولات الكبرى التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يبرز مشهدٌ بالغ الدلالة والخطورة:
مشهد الاصطفاف الجديد الذي يعيد رسم خارطة العلاقات الإقليمية ليس على أسس عربية أو
إسلامية، بل على أسسٍ مغامرة، تضع مصالح ضيقة فوق اعتبارات الأمة وهويتها، وليس الخافي
بأقل وقعا من الظاهر، وما يحدث على الساحة من تمايز سعودي عن مسار إماراتي أصبح اليوم
أكثر وضوحا من أن يُحجب.
في خضم هذه التحولات الكبرى التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يبرز مشهدٌ بالغ الدلالة والخطورة: مشهد الاصطفاف الجديد الذي يعيد رسم خارطة العلاقات الإقليمية ليس على أسس عربية أو إسلامية، بل على أسسٍ مغامرة، تضع مصالح ضيقة فوق اعتبارات الأمة وهويتها
ففي الوقت
الذي تتحرك فيه الرياض بحذر وثقل وحسابات استراتيجية بعيدة المدى، نجد أبو ظبي تخوض
لعبة محفوفة بالمخاطر، تتحالف فيها مع من لا يُؤتمن جانبهم، وتقيم تحالفاتٍ وصفتها
الأوساط التركية والعربية الواعية بحق بـ"مثلث الشيطان".
لقد أضحت الخلافات
بين
السعودية والإمارات، والتي كانت تُدار سابقا خلف أستار الدبلوماسية الهادئة، اليوم
على قارعة الطريق يراها الجميع. ليست الخلافات مجرد سوء تفاهم عابر بين جارين، بقدر
ما هي اختلاف جوهري في الرؤية إلى دور الدولة العربية وهويتها واستقلالية قرارها. فمنذ
توقيع الإمارات لاتفاقات التطبيع مع الكيان الصهيوني، المعروفة زورا بـ"اتفاقات
أبراهام"، اتخذت أبو ظبي مسارا يبتعد بها عن جسد الأمة العربية، ويقربها من مشروع
استعماري استيطاني لا يريد بالعرب خيرا. وقد أثبتت الأيام أن تلك الخطوة كانت مقدمة
لانخراط إماراتي كامل في مشروع "النظام الإقليمي الجديد" الذي يقوده الاحتلال
بمساعدة أمريكية، ومؤخرا بغطاء هندي مكشوف.
ما نشهده اليوم
هو تبلور واضح لاصطفافين متقابلين؛ الأول هو الاصطفاف السعودي الباكستاني التركي، الذي
بدأ يتعزز بثقل قطري ومصري متزايد، والثاني، وهو الاصطفاف الإماراتي الهندي الإسرائيلي،
الذي تحاول تل أبيب تسويقه تحت مسمى "
التحالف السداسي" أو "الهندي-الإبراهيمي".
في هذا الاصطفاف
الجديد، تبدو السعودية وكأنها تستعيد دورها الطبيعي كحاضنة للأمة وقلبها النابض. فالرياض،
التي تدرك ثقلها الديني والتاريخي، لم تنخدع بوعود الغرب أو بضغوط تل أبيب حينما أدرك
ولي العهد محمد بن سلمان أن الولايات المتحدة غير جادة في منح المملكة ما تستحقه من
ضمانات دفاعية أو تعاون نووي، وأنها تتعامل مع المنطقة بمنطق "صانع الأزمات"،
اتجه شرقا نحو الباكستان وتركيا والصين. وهنا يكمن التوجه السعودية في تنويع التحالفات
والابتعاد عن الأحادية التي وقع فيها الآخرون.
فالاتفاقية
الدفاعية الاستراتيجية مع باكستان في أيلول/ سبتمبر 2025 كانت رسالة واضحة للعالم بأن
الرياض تمتلك خيارات استراتيجية كبرى. باكستان، الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي،
تشكل مع السعودية عمقا استراتيجيا لا يُقدر بثمن. ثم يأتي الدور التركي، ذلك الحليف
الذي يمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وخبرة قتالية هائلة، وصناعات دفاعية متطورة تضعها
في مصاف الدول الكبرى. التقارب السعودي التركي، الذي بلغ ذروته في اللقاءات الأخيرة
بين أردوغان وابن سلمان، يؤسس لـ"حلف إسلامي" حقيقي، قادر على إنتاج طائرات
الجيل الخامس "قاآن" وتأمين المنطقة دون وصاية خارجية. هذا الحلف، الذي تباركه
الصين وتدعمه لوجستيا، يمثل نقلة نوعية في مفهوم الأمن الإقليمي.
في المقابل،
ماذا تفعل الإمارات؟ للأسف، نجدها تتصرف كدولة صغيرة تشعر بالرهبة من جارتها الأكبر،
فتبحث عن ملاذات خارجية تعوض بها شعورها بالنقص، نجد أبو ظبي تتحالف مع الهند لمجرد
أن الهند قلقة من تحالف إسلامي يضم باكستان وتركيا. نعم، لقد انطلقت أبو ظبي من عقدة
معادية للإسلام السياسي لتصل إلى أحضان تحالف هندي صهيوني، متناسية أن القضية الفلسطينية
هي قضية الأمة المركزية، وأن التطبيع مع من يقتل الأطفال في غزة هو وصمة عار لن تمحوها
صفقات الغاز أو بيع الأسلحة.
هذا "التحالف
الهندي-الإبراهيمي" الذي تبشر به وسائل الإعلام الإسرائيلية ليس إلا وهْم استراتيجي.
فهو يجمع أطرافا لا تجمعها ثقافة مشتركة، ولا جوار جغرافي، ولا تاريخ واحد، إنه تحالف
مصلحي مؤقت، مبني على الخوف من الإسلام ومحاولة إقصاء تركيا وباكستان من المعادلة الإقليمية.
لكن الواقع يقول إن دولا بحجم الهند وإسرائيل والإمارات لا يمكنها أن تشكل ثقلا حضاريا
موازيا لما يمكن أن تنتجه إرادة إسلامية ممثلة في السعودية وباكستان وتركيا. فالهند،
رغم ثقلها الديموغرافي والاقتصادي، تعاني من عقدة تاريخية تجاه باكستان، وتحاول استغلال
الإمارات كورقة في لعبتها ضد جارتها المسلمة، والإمارات، للأسف الشديد، وافقت على أن
تكون هذه الورقة.
لقد بلغ الاندفاع
الإماراتي حدا جعل المراقبين يتحدثون عن "انبطاح" استراتيجي مكشوف. ففي الوقت
الذي تسعى السعودية لحماية سيادة دول عربية من سياسية العبث الإماراتية
الصهيونية، فإن الإمارات تتعمق أكثر في المستنقع الإسرائيلي، وفي الوقت الذي كانت فيه
السعودية تتقارب مع إيران تحت رعاية صينية لتهدئة المنطقة، كانت الإمارات تشحذ همم
الهند وإسرائيل لخلق توترات جديدة، إنها سياسة "القطط الثلاث" التي وصفها
الإعلام التركي: الهند، وإسرائيل، واليونان، وقبرص، كلها مجتمعة لتطويق تركيا، والإمارات
تدفع ثمن هذه المغامرة.
أما الحديث
عن "الهند كحليف" فهو حديث يثير السخرية، خاصة عندما نقرأ التحليلات التي
تشير إلى أن الإمارات تلجأ إلى نيودلهي بعد إخفاقاتها العسكرية في السودان والصومال
واليمن. نعم، إنها محاولة للبحث عن "بديل" بعد أن اصطدمت مغامرات أبو ظبي
بالجدار السعودي الصلب في اليمن، وبعد أن خسرت قواعدها في الصومال، إنها سياسة "الانهزامي"
الذي يبحث عن عكاز بعد أن خسر ساقيه.
السعودية،
في المقابل، تبني تحالفا مع مصر بقيادة السيسي، وهو تحالف يحترم سيادة الدول ويبني
على أسس متينة. زيارة أردوغان للقاهرة بعد لقائه بابن سلمان تؤكد أن هناك تيارا عربيا
إسلاميا واعيا يتشكل، يضم القاهرة والرياض وأنقرة وإسلام آباد والدوحة، قادر على مواجهة
التحديات، ومتماسك بفضل وحدة الهدف والمصير. هذا التحالف لا يقوم على العداء لأحد،
بل على بناء الذات، وتأمين المنطقة من عبث الأحلاف الخارجية التي تريد تحويل المنطقة
إلى ساحة صراع.
لا يمكن للمرء
إلا أن يتأمل التناقض الصارخ: المملكة العربية السعودية تسعى لتوحيد الصف الإسلامي
ودعم القضية الفلسطينية، بينما إمارة أبو ظبي تراهن على مشروع "الشرق الأوسط الجديد"
الذي يريد تصفية القضية وإخضاع المنطقة لإرادة اللوبي الصهيوني في واشنطن ونيودلهي؛
الإمارات تتصرف كدولة تبحث عن "شرعية" خارج هويتها، فتلجأ إلى إسرائيل التي
لا تعترف بها شعوب المنطقة، بينما السعودية تلجأ لعمقها العربي والإسلامي.
إن الاصطفاف
الجديد واضح: من يريد أن يبني أوطانا ويحمي مقدسات ويوحد كلمة المسلمين، فعليه بالنموذج
السعودي الباكستاني التركي، ومن يريد أن يراهن على سراب "التحالفات الدولية"
ويبيع وهمه لقاء مال أو منصب إقليمي، فليذهب إلى حيث ذهبت الإمارات. لكن التاريخ لن
يرحم، فمن يخون الأمة ويتحالف مع أعدائها تحت شعار "المصالح الاقتصادية"
أو "موازنة القوى" سيجد نفسه وحيدا عندما تنقلب عليه تلك القوى نفسها. إسرائيل
لا تعرف الصداقة، والهند تنظر للإمارات كسوق فقط.
لقد حان الوقت
لنقولها بصوت عالٍ: الإمارات اليوم تدفع ثمنا باهظا لسياساتها الانفصالية، فبعد أن
حاولت فرض الأمر الواقع في اليمن وفشلت، حتى وصلت إلى تناقض مع نفسها، ها هي اليوم
تكتشف أن "التحالف الهندي الصهيوني" لا يسمن ولا يغني من جوع، إنه مجرد ديكور
إعلامي لا يمكنه مواجهة قوة "الناتو الإسلامي" الناشئ بقيادة السعودية.
السعودية تبني تحالفا قائما على القوة الاقتصادية (هي)، والقوة النووية
(باكستان)، والقوة العسكرية والتكنولوجية (تركيا)، والقوة البشرية (مصر)، والثقل السياسي
(قطر). هذا هو تحالف المستقبل، أما تحالف الإمارات مع الهند وإسرائيل فهو تحالف الماضي،
تحالف التبعية والخنوع والانبطاح الذي سينتهي كما انتهت كل مشاريع العملاء في المنطقة.
التحالف "الهندي إبراهيمي" الذي يبشر به نتنياهو ومودي ومعهما بعض المستشارين في أبو ظبي، لن يكون سوى نقش على ماء، يذوب مع أول احتكاك بحقائق التاريخ والجغرافيا
وفي الوقت
الذي يتباهى فيه مقربون من صانع القرار في أبو ظبي بـ"المحور الهندي الإسرائيلي
الإماراتي"، ويروجون له كإنجاز استراتيجي يعيد تشكيل المنطقة، تزداد عزلة أبو
ظبي أكثر فأكثر، ليس فقط على المستوى الشعبي العربي الذي ما زالت القضية الفلسطينية
تُمثل له بوصلة الضمير، بل أيضا على المستوى الرسمي، حيث تتساقط أوراقها واحدة تلو
الأخرى. فبينما تتصور أبو ظبي أنها تبني تحالفات كبرى مع قوى صاعدة مثل الهند، تكتشف
أن هذه التحالفات لا تقدم لها ورقة ضغط حقيقية في محيطها الإقليمي، بل تزيد من فجوتها
مع جيرانها وأشقائها. فالهند، المنشغلة بهواجسها الداخلية وصراعها مع باكستان، لن ترسل
جيوشا للدفاع عن الإمارات إذا ما احتدمت الأزمات، ولن تبيعها تكنولوجيا متطورة بدون
شروط، ولن تساندها في قضاياها المصيرية ما لم تتوافق مع مصالحها هي. وإسرائيل، التي
تتعامل مع الجميع كأدوات في لعبة الأمم، ترى في الإمارات مجرد "تطبيع مثالي"
يمكن استعراضه أمام العالم، لا أكثر.
العزلة الإماراتية
تتجلى في كل مشهد: في اليمن حيث فشلت في فرض أمر واقع، في الصومال حيث خسرت قواعدها،
وفي السودان حيث اصطدمت مشاريعها بالجدار السوداني الصلب، وفي الخليج نفسه حيث تزداد
الفجوة اتساعا مع السعودية التي اختارت الطريق الآخر، الطريق الذي يؤدي إلى باكستان
المسلمة، وتركيا القوية، والصين الصاعدة، ومصر العميقة، وقطر المتصالحة.
إنها عزلة
من نوع خاص، عزلة من يختار الوقوف في صف أعداء الأمة، ليجد نفسه وحيدا بينهم، بلا سند
حقيقي، وبلا عمق استراتيجي، وبلا شرعية شعبية أو تاريخية. فالتحالف "الهندي إبراهيمي"
الذي يبشر به نتنياهو ومودي ومعهما بعض المستشارين في أبو ظبي، لن يكون سوى نقش على
ماء، يذوب مع أول احتكاك بحقائق التاريخ والجغرافيا. سيبقى العرب عربا، والمسلمون مسلمين،
وفلسطين قضية، والقدس عاصمة، ومن يظن غير ذلك فهو واهم. عزلة أبو ظبي اليوم هي ثمن
انحيازها لغير صف أمتها، ولن ينقذها من هذه العزلة لا الهند ولا إسرائيل، بل عودة راشدة
إلى حضن العروبة والإسلام.