في 20 كانون
الثاني/ يناير 2026، اقتحمت السلطات
الإسرائيلية وهدمت مقرّ وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين
الفلسطينيين (
الأونروا) في القدس الشرقية المحتلة، في سلوك
شكّل تحديا واضحا للأمم المتحدة والقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبعد خمسة أيام، أُضرمت النيران في المقرّ نفسه. لا يمكن النظر إلى هذه الوقائع
بوصفها أحداثا معزولة أو أضرارا جانبية، بل تعكس نمطا متزايدا من استهداف مؤسسات
الأمم المتحدة وتقويض دورها، ولا سيما في السياق الفلسطيني.
يسعى هذا المقال
إلى تحليل استهداف الأونروا بوصفه حالة اختبار حقيقية لمنظومة الأمم المتحدة، من
خلال تناول البعد القانوني المتعلق بحصانات الوكالات الأممية، وتحليل السياق
السياسي الذي يحيط بمحاولات تقويض عمل الوكالة، ومناقشة مسؤولية الدول الأعضاء
تجاه حماية مؤسسات المنظمة. وينطلق المقال من السؤال المركزي التالي: إلى أي حد
يشكّل استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) خرقا للحصانات
الأممية، ومؤشرا على تآكل منظومة الأمم المتحدة وفشل الدول الأعضاء في الوفاء
بالتزاماتها القانونية؟
الأونروا
والحماية القانونية لمؤسسات الأمم المتحدة
يعكس هذا التحول من الخطاب إلى الفعل مسعى واضحا لإعادة تعريف وضع الأونروا خارج الإطار الأممي، وفتح الباب أمام استبدالها ببدائل "إنسانية" تُدار خارج منظومة الأمم المتحدة، بما يؤدي عمليا إلى تقليص الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين
أُنشئت وكالة غوث
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949 بموجب قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة رقم 302، لتقديم الإغاثة والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين إلى حين
التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم. وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، شكّلت الأونروا
أحد أبرز تجليات التزام المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وارتبط استمرار
عملها قانونيا بعدم حل قضية اللاجئين وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ولا سيما
القرار 194 المتعلق بحق العودة.
من الناحية
القانونية، تتمتع الأونروا، بوصفها وكالة أممية، بالامتيازات والحصانات المقررة
للأمم المتحدة بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946. وتشمل هذه
الحصانات حرمة مقار الوكالة وممتلكاتها، وعدم جواز انتهاكها أو إخضاعها لأي إجراء
قسري من قبل سلطات الدولة المضيفة. ويُعد أي اقتحام أو هدم أو إحراق لمقار
الأونروا خرقا مباشرا لهذه الاتفاقية، وانتهاكا واضحا لالتزامات الدولة القائمة
بالفعل بموجب القانون الدولي.
ويترتب على هذا
الخرق مسؤولية دولية وفقا لقواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا،
بما يشمل الالتزام بوقف الانتهاك، وضمان عدم تكراره، وجبر الضرر. كما يترتب على
باقي الدول الأعضاء التزام قانوني بعدم الاعتراف أو المساهمة في وضع غير قانوني
ناتج عن هذا الانتهاك، والعمل جماعيا على حماية مؤسسات الأمم المتحدة من أي مساس
بحصاناتها.
من خرق قانوني
إلى نمط استهداف سياسي ممنهج
لا يمكن فصل
الاعتداء على مقر الأونروا في القدس الشرقية عن سياق سياسي أوسع يسعى إلى تحييد
دور الوكالة وتقويض وجودها. فقد تصاعد في السنوات الأخيرة خطاب سياسي يحمّل
الأونروا مسؤولية استمرار قضية اللاجئين، ويعمل على تصويرها كطرف سياسي بدلا من
كونها وكالة أممية إنسانية. وقد تُرجم هذا الخطاب إلى إجراءات عملية، شملت تشريعات
إسرائيلية تحظر عمل الأونروا في القدس الشرقية، ومنع دخول موظفيها الدوليين إلى
الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقطع قنوات التواصل الرسمية معها.
ويمثّل اقتحام
مقر الأونروا ونزع علمها ورفع العلم الإسرائيلي مكانه محاولة لفرض السيادة القسرية
على منشأة تابعة للأمم المتحدة، في سلوك يتجاوز كونه انتهاكا قانونيا إلى كونه
رسالة سياسية تستهدف مكانة المنظمة الدولية ذاتها. ويعكس هذا التحول من الخطاب إلى
الفعل مسعى واضحا لإعادة تعريف وضع الأونروا خارج الإطار الأممي، وفتح الباب أمام
استبدالها ببدائل "إنسانية" تُدار خارج منظومة الأمم المتحدة، بما يؤدي
عمليا إلى تقليص الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين.
المؤشرات الرقمية
ودلالاتها القانونية
تكشف الأرقام
المرتبطة باستهداف الأونروا عن حجم المخاطر التي تواجهها الوكالة. فمنذ بدء الحرب
الأخيرة، سُجّل مقتل مئات العاملين المرتبطين بالأونروا، وتضرّر مئات المنشآت
التابعة لها، وتحولت مقارها، التي يفترض أن تكون ملاذا آمنا للمدنيين، إلى أهداف
مباشرة. كما أعلنت الوكالة عن تقليص ساعات العمل وخفض الرواتب نتيجة عجز مالي حاد،
بعد تعليق مساهمات عدد من الجهات المانحة في ظل حملة سياسية استهدفت تمويلها.
ولا تحمل هذه
الأرقام دلالات إنسانية فحسب، بل تعكس أبعادا قانونية وسياسية أعمق. فتعطيل قدرة
الأونروا على أداء مهامها لا يعني فقط تقليص الخدمات المقدمة لملايين اللاجئين، بل
يؤدي إلى تفكيك آليات الحماية الدولية التي أُنشئت خصيصا للتعامل مع وضعهم
القانوني. ويخلق هذا الواقع فراغا قانونيا قد يُستغل لإعادة صياغة قضية اللاجئين
بوصفها أزمة إنسانية مؤقتة، بدلا من كونها قضية حقوقية وسياسية غير محلولة.
مسؤولية الدول
الأعضاء وتآكل منظومة الأمم المتحدة
بموجب ميثاق
الأمم المتحدة، تلتزم الدول الأعضاء باحترام مقاصد المنظمة ومبادئها، وتنفيذ
قراراتها، والتعاون مع أجهزتها ووكالاتها، وضمان احترام امتيازاتها وحصاناتها.
ويشكّل العجز عن حماية وكالة أممية بحجم الأونروا، أو الصمت إزاء استهدافها، إخلالا
بهذه الالتزامات، ويعكس ازدواجية في تطبيق القانون الدولي.
إن تكرار
الاعتداءات على مؤسسات الأمم المتحدة دون مساءلة فعالة لا يهدد الأونروا وحدها، بل
يضرب مصداقية النظام الأممي برمّته، ويحوّل الحصانات الدولية من ضمانة قانونية إلى
نصوص شكلية قابلة للتجاهل. كما يكرّس منطق الإفلات من العقاب، ويقوّض قدرة الأمم
المتحدة على أداء دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان، ليس في
فلسطين فقط، بل في سياقات نزاع أخرى.
وفي هذا السياق،
لا يمكن فصل مسألة احترام الحصانات الأممية عن الالتزامات المترتبة على عضوية
الدول في الأمم المتحدة ذاتها. فالدولة العضو لا تتمتع فقط بحقوق المشاركة داخل
أجهزة المنظمة، بل تتحمل في المقابل واجب احترام مقاصدها ومبادئها والتعاون مع
وكالاتها وحماية منشآتها. وقد شددت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في
الأرض الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، في أكثر من مناسبة، على أن سلوك
إسرائيل تجاه مؤسسات الأمم المتحدة، بما في ذلك عرقلة عملها واستهداف مقراتها
وموظفيها،
يطرح استهداف مقرات الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية سؤالا قانونيا جوهريا حول مدى امتثال إسرائيل للالتزامات المترتبة على عضويتها في المنظمة، ويثير نقاشا مشروعا حول الأدوات المتاحة للأمم المتحدة لمراجعة سلوك الدول الأعضاء ومساءلتها
يتناقض جوهريا مع الالتزامات القانونية المترتبة على عضويتها في المنظمة.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار الاعتداءات على مقرات أممية في الأراضي المحتلة لا
يشكّل فقط انتهاكا لاتفاقيات الحصانات، بل يثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى
امتثال إسرائيل لشروط العضوية ذاتها، ويعكس خللا بنيويا في آليات مساءلة الدول
داخل منظومة الأمم المتحدة.
ومن هذا المنظور،
يطرح استهداف مقرات الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية سؤالا قانونيا جوهريا حول
مدى امتثال إسرائيل للالتزامات المترتبة على عضويتها في المنظمة، ويثير نقاشا
مشروعا حول الأدوات المتاحة للأمم المتحدة لمراجعة سلوك الدول الأعضاء ومساءلتها،
بما في ذلك تقييم امتثالها لميثاق المنظمة وحصاناتها الأممية.
خاتمة
يشكّل
استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أكثر من اعتداء على
وكالة إنسانية؛ فهو اختبار حقيقي لمدى صلابة منظومة الأمم المتحدة وقدرتها على
حماية مؤسساتها وإنفاذ قواعد القانون الدولي. فالأونروا، بوصفها وكالة أممية تتمتع
بحصانات قانونية واضحة، تمثل خط الدفاع الأخير عن الإطار الدولي لقضية اللاجئين
الفلسطينيين.
ويثير
هذا الواقع تساؤلا جوهريا حول مستقبل النظام الأممي: هل ما زالت الحصانات الأممية
قادرة على حماية مؤسسات الأمم المتحدة في ظل غياب الإرادة السياسية لدى الدول
الأعضاء، أم أن استمرار الصمت والتقاعس سيحوّل هذه الحصانات إلى إطار قانوني هشّ،
عاجز عن حماية من أُنشئ أصلا لحمايتهم؟