قضايا وآراء

كيف تمحو الأونروا خرائطنا الأصلية؟

ظاهر صالح
"تعكس هذه الخطوات رضوخا صريحا للضغوط الدولية التي تسعى لفرض معادلة الرغيف مقابل الرواية"- الأناضول
"تعكس هذه الخطوات رضوخا صريحا للضغوط الدولية التي تسعى لفرض معادلة الرغيف مقابل الرواية"- الأناضول
شارك الخبر
لم تكن المناهج التعليمية يوما مجرد نصوص معرفية جافة، بل هي الحصن الأخير للهوية، والذاكرة الحية التي لا تشيخ في مواجهة محاولات المحو، حين تُقدم وكالة الأونروا على شطب اسم فلسطين من خرائط الصف السادس الابتدائي واستبدالها بمسميات إدارية مثل غزة والضفة، فهي لا تمارس إجراء تقنيا عابرا، بل تقترف اغتيالا لمنظومة تربوية ولذاكرة جيل بأكمله، إنها محاولة لفرض انتداب جديد على الوعي، يستهدف الخريطة الذهنية للطفل الفلسطيني ليحول وطنه إلى كانتونات معزولة، وحقه التاريخي إلى وجهة نظر خاضعة لمقص الرقيب الدولي.

أولا: التفتيت ونزع روح الجغرافيا

إن استبدال الكل الجغرافي (فلسطين) بالأجزاء الإدارية (الضفة وغزة) يمثل عملية "كيّ وعي" ممنهجة تهدف إلى تفكيك وحدة المصير، المكان في العقل الفلسطيني ليس مجرد إحداثيات، بل هو كينونة وجودية، وهذا التلاعب يحقق غايتين خطيرتين:

استبدال الكل الجغرافي (فلسطين) بالأجزاء الإدارية (الضفة وغزة) يمثل عملية "كيّ وعي" ممنهجة تهدف إلى تفكيك وحدة المصير

- عزل الهوية عن الأرض، عبر تجريد الطالب من رؤية وطنه ككيان متصل من النهر إلى البحر، وتحويله في ذهنه إلى جزر معزولة، مما يضعف الرابط الوجداني بالوطن التاريخي.

- تصفية المحتوى السياسي؛ إن حذف الاسم الجامع هو إفراغ للقضية من جوهرها، وتحويلها من قضية تحرر وطني لشعب اقتُلع من أرضه، إلى أزمة إنسانية لسكان مناطق إدارية، وهو ما يمهد الطريق لمشاريع تصفية حق العودة.

ثانيا: الحذف والمساومة على الرواية

تعكس هذه الخطوات رضوخا صريحا للضغوط الدولية التي تسعى لفرض معادلة الرغيف مقابل الرواية، فوكالة الأونروا التي أُسست لتكون شاهدا دوليا على نكبة عام 1948، تبدو اليوم وكأنها تحاول التخلص من عبء هذه الشهادة عبر تذويب الحقائق في قوالب "حياد" مشوه.

- تدجين الوعي: التعليم الذي لا يغرس الانتماء هو تعليم أجوف، فتدريس تاريخ بلا وطن وجغرافيا بلا أرض يحول المدارس من دور للعلم إلى مراكز لإدارة الاغتراب الوطني.

- تزييف مفهوم الحياد: إن الحياد بين صاحب الحق والمُغتصب ليس فضيلة أخلاقية، بل هو انحياز كامل للرواية التي تهدف لطمس الضحية، الحقيقة التاريخية لا تقبل القسمة، وفلسطين حقيقة سابقة لوجود الوكالات الدولية وقراراتها.

ثالثا: انتهاك المواثيق الدولية والدور المريب في لبنان
حذف اسم فلسطين ليس مجرد خطأ تربوي، بل هو انتهاك قانوني والتفاف على الالتزام المبدئي لوكالة الأونروا بتدريس منهاج الدولة المضيفة (لبنان) دون تشويه أو تحريف

تأتي الفضيحة التعليمية في مدارس وكالة الأونروا بلبنان لتكشف حجم العبث بالمنهاج الدراسي، حيث تُعد هذه التعديلات مخالفة صريحة للمادة (29) من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والتي تنص على ضرورة أن يوجه تعليم الطفل نحو تنمية احترام هويته الثقافية وقيمه الوطنية والبلد الذي نشأ فيه في الأصل.

بناء عليه، فإن حذف اسم فلسطين ليس مجرد خطأ تربوي، بل هو انتهاك قانوني والتفاف على الالتزام المبدئي لوكالة الأونروا بتدريس منهاج الدولة المضيفة (لبنان) دون تشويه أو تحريف، مما يستدعي تدخلا حازما من الدولة اللبنانية لوقف هذا التلاعب بالهوية الوطنية للاجئين الفلسطينيين.

الذاكرة عصية على الشطب

ختاما.. يجب أن تدرك إدارة وكالة الأونروا أن فلسطين ليست مجرد كلمة تُمحى بممحاة النظام الإداري أو بقرار تمويلي من مانح دولي. إن محاولة ترميم العجز السياسي للوكالة عبر التضحية بوعي الأطفال هي معركة خاسرة بامتياز، فالخريطة التي لا تحمل اسم فلسطين هي خريطة عرجاء لا تعيش إلا في مخيلة واضعيها.

إن الحقيقة الفلسطينية محفورة في وجدان الأجيال وفي مفاتيح العودة، ولن يفلح اغتيال الحقيقة والخريطة، في الغرف الصفية في اقتلاع الأرض من قلوب أصحابها، ستظل فلسطين هي الأصل، وما دونها هو العابر الذي ستذروه رياح الذاكرة الحية.
التعليقات (0)