ليست عملية التوصل إلى تفاهمات بين
سورية
وإسرائيل عملية بسيطة في ظل فرض الأخيرة وقائع عسكرية وأمنية في الجنوب السوري،
وفي ظل إصرارها على ربط انسحابها وعدم تدخلها في سورية بتوقيع دمشق اتفاق سلام
شامل لا يُحدد فيه مصير الجولان المحتل.
ومع رفض الجانب السوري هذا الطرح وإصراره
على ضرورة انسحاب
إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعيد سقوط نظام الأسد في 8
ديسمبر عام 2024، وضرورة تركز المباحثات على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام
1974، كان طبيعيا أن تنتهي الجولات التفاوضية الأربعة بالفشل.
مع فشل الجولة الرابعة من
المفاوضات السورية
الإسرائيلية في شهر أكتوبر الماضي، بدأت الولايات المتحدة العمل على تدوير الزوايا
بين الجانبين السوري والإسرائيلي عبر توسيع مروحة التفاهمات بحيث لا تقتصر على
الجانب الأمني ولا على الجانب السيادي (الجولان) فحسب، بل تشمل المستويات الأخرى،
بما يؤدي إلى خلق نوع من الثقة المتبادلة.
الجولة الخامسة من المفاوضات
حصيلة هذه السياسة كانت التوصل إلى اتفاق
برعاية أميركية يتم بموجبه إنشاء آلية اندماج مشتركة (خلية اتصال متخصصة)، تكون
منصة دائمة للتنسيق في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري،
والتواصل الدبلوماسي، واستكشاف الفرص التجارية، وذلك بإشراف أميركي مباشر.
مع فشل الجولة الرابعة من المفاوضات السورية الإسرائيلية في شهر أكتوبر الماضي، بدأت الولايات المتحدة العمل على تدوير الزوايا بين الجانبين السوري والإسرائيلي عبر توسيع مروحة التفاهمات بحيث لا تقتصر على الجانب الأمني ولا على الجانب السيادي (الجولان) فحسب، بل تشمل المستويات الأخرى، بما يؤدي إلى خلق نوع من الثقة المتبادلة.
نحن هنا أمام لغة تطبيعية تقدمها سورية
لإسرائيل، وهي لغة لن تتوقف على مستوى الخطاب السياسي، بل ستتمدد إلى الواقع
العملي، إذ ستكون هناك لجان مشتركة بين الجانبين، ليس من أجل التفاهمات الأمنية
فحسب، بل أيضاً من أجل تحقيق تفاهمات واتفاقات اقتصادية وسياسية.
بعبارة أخرى، وافق الرئيس السوري أحمد الشرع
على تقديم المصلحة الإسرائيلية على المصلحة السورية العليا (بقصد أو بغير قصد) إذ
سيكون أمن إسرائيل هو المعطى الأول في حين تكون السيادة الشرعية السورية هي المعطى
الثاني واللاحق، وهذا أمر لا يستقيم مع دولة تحتل أراض سورية وتخترق جغرافيتها
وتتدخل في نسيجها الاجتماعي ـ السياسي.
بغض النظر عن موازين القوة التي تميل بحدة
لصالح إسرائيل، وبغض النظر عن العجز الاستراتيجي السوري، وبغض النظر عن لغة
التكتيك وتمرير الوقت التي يتبعها الشرع (إذا اعتبرنا التفاهمات مجرد تكتيك)، وهي
حقائق لا يستطيع أحد تجاهلها، فإن الانخراط في تفاهمات أمنية وسياسية واقتصادية
دفعة واحدة لا يساهم في تقوية الجانب السوري بقدر ما يضعفه ويزيد من الغطرسة
الإسرائيلية، ويدفعها نحو الضغط أكثر على دمشق لتقديم الكثير من التنازلات الكبرى،
حيال مصير الجولان المحتل أولا، وحيال دور الدولة السورية في المنطقة ثانيا، وحيال
تعاطيها مع المكونات السورية في الداخل ثالثا.
يخطئ حكام سورية تماماً إذا اعتقدوا أن
إسرائيل في هذه المرحلة بالذات مستعدة لتقديم تنازلات إلى سورية، فهذا الزمن قد
ولى.
في الواقع، الوضع السوري في غاية التعقيد،
وربما يكاد يكون من المستحيل على أحد تقديم رؤية ومنهج واضح ومحدد للتعامل مع
إسرائيل، فإذا تجاهلت سورية أي اتفاق أو تفاهمات مع إسرائيل، سيزداد الوضع السوري
سوءا مع استمرار التدخل الإسرائيلي وتوسيع مساحة سيطرتها على الجنوب السوري، وإذا
أقدمت سورية على الهرولة نحو إسرائيل، فلن تتوقف هذه الهرولة حتى تحقق إسرائيل
مبتغاها من سورية، وفي الحالتين نحو أمام مأزق استراتيجي.
كان الحل الذي اعتمده الشرع حلاً وسطاً،
يقوم على مقاربة مفادها أن سورية لم تعد عدوة لإسرائيل، وهذا الموقف يتطلب أن تقوم
سورية بإثباته على أرض الواقع من خلال خطوات أحادية الجانب، ومن هنا جاء الاتفاق
الأخير برعاية أميركية الذي لم يذكر فيه مصير الجولان، واكتفى بالحديث عن أن
الآلية التي تم الاتفاق عليها هي بمثابة منصة لمعالجة أي خلافات على الفور، في وقت
أكد البيان على أن الولايات المتحدة تؤكد التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات كجزء
من الجهود الأوسع نطاقاً لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
يخطئ حكام سورية تماماً إذا اعتقدوا أن إسرائيل في هذه المرحلة بالذات مستعدة لتقديم تنازلات إلى سورية، فهذا الزمن قد ولى.
تذكرنا هذه الصيغة بصيغة مؤتمر مدريد
للسلام، حيث تركت الولايات المتحدة مصير السلام للأطراف المشاركة فيه، أي تركت
مصير السلام للطرف الأقوى (إسرائيل) والنتيجة كانت بعد نحو 35 عاما إنهاء إسرائيل
ليس لإمكانية إقامة دولة فلسطينية فقط، بل تعمل الآن على إنهاء القضية الفلسطينية
تمام.
مسؤول سوري صرح لوكالة "سانا"
الرسمية "أن استئناف هذه المفاوضات يأتي تأكيدا على التزام سوريا الثابت
باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض"، بمعنى أن مسار التفاوض السوري
ـ الإسرائيلي يجب أن ينتهي من وجهة نظر دمشق إلى خروج إسرائيل من الأراض التي
احتلها بعيد سقوط النظام، أي العودة إلى خطوط الهدنة لعام 1974، ثم التفاوض على
مصير الجولان تحت سقف عودتها إلى السيادة السورية، ربما مع السماح لإسرائيل
بترتيبات تضمن أمنها الاستراتيجي، وهي ترتيبات قد تتطلب حضورا عسكرياَ إسرائيليا
في الجولان، ولكن تحت سقف السيادة السورية.
السؤال المطروح، ما الذي سيضمن لدمشق تحقق
هذا المسار؟ وما هو الجدول الزمني لتحقيق ذلك؟ وما هو الثمن الاستراتيجي التي
ستدفعه سورية؟
المطالب الإسرائيلية
إن الوقوف على المطالب الإسرائيلية في سورية
يمنحنا تصوراً واضحاً لمآل المسار التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي.
إن مسار التطبيع السوري مع إسرائيل محفوف بالمخاطر وتكاليفه قد تكون باهظة، وكان الأفضل في رأي كاتب هذه السطور الالتفات إلى الشأن الداخلي وتقويته عبر وحدة وطنية جامعة تقوم على المواطنة الحقة وضمان حقوق كافة أفراد الشعب السوري، وترك مسألة الجنوب والجولان إلى سنوات لاحقة، تكون سورية فيها قد استعادت عافيتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، بما يمنحها القدرة على مواجهة إسرائيل في ظل شروط ومعطيات ستكون أفضل بكثير مما هي الآن.
لقد لخص الكاتب الإسرائيلي بن يشاي في صحيفة
يديعوت أحرونوت العبرية قبل أيام المطالب الإسرائيلي على النحو التالي:
ـ لدى إسرائيل مصلحة واضحة في الإبقاء على
انتشار جيشها في المنطقة العازلة، والذي يتمثل في تسعة مواقع عسكرية متقدمة داخل
سورية، إلى جانب إنشاء منظومة أُخرى، بحيث يمنح الانتشار الحالي الجيش الإسرائيلي
قدرة مثالية على السيطرة بالنظر والنار، والمتابعة الاستخباراتية والتكنولوجية،
ليس فقط لما يجري في منطقة دمشق وشمالها، بل أيضا للزاوية الشمالية الشرقية من
لبنان، حيث ينشط حزب الله وتنظيمات فلسطينية.
ـ تتلخص المصلحة الإسرائيلية الحيوية بأن
إسرائيل تريد الحفاظ على إنجازاتها في حرب السيوف الحديدية على الساحة السورية،
وتحسين وضع أمنها القومي، مقارنة بما كان عليه قبل 7 أكتوبر، بحسب التقرير ذاته.
ـ على إسرائيل أن تقود بنفسها عملية منع
نشوء قوة عسكرية في الجنوب السوري تابعة لـ "نظام" الشرع، ومنع تهريب
الأسلحة من إيران إلى "حزب الله" عبر الأراضي السورية، ومنع وصول قوات
تركية إلى الجنوب السوري، وربما كذلك قوات روسية.
أن توقف إسرائيل تحقيق هذه الأهداف وتنسحب
من الساحة السورية، فهذا أمر يصعب جدا تحققه إلا بعد وقت طويل وتنازلات وتغيرات
كبرى تقدمها سورية لإسرائيل.
ختام القول، إن مسار التطبيع السوري مع
إسرائيل محفوف بالمخاطر وتكاليفه قد تكون باهظة، وكان الأفضل في
رأي كاتب هذه
السطور الالتفات إلى الشأن الداخلي وتقويته عبر وحدة وطنية جامعة تقوم على
المواطنة الحقة وضمان حقوق كافة أفراد الشعب السوري، وترك مسألة الجنوب والجولان
إلى سنوات لاحقة، تكون سورية فيها قد استعادت عافيتها السياسية والاقتصادية
والعسكرية والاجتماعية، بما يمنحها القدرة على مواجهة إسرائيل في ظل شروط ومعطيات
ستكون أفضل بكثير مما هي الآن.