قضايا وآراء

هندسة التفتيت وحرب الخرائط الجديدة في البحر الأحمر

نبيل الشيخي
إن المخطط الذي يُراد تنفيذه يستهدف خلق شرق أوسط جديد مفكك، تتحكم فيه قوى غير عربية (إسرائيل، إثيوبيا، إيران) عبر وكلاء محليين.
إن المخطط الذي يُراد تنفيذه يستهدف خلق شرق أوسط جديد مفكك، تتحكم فيه قوى غير عربية (إسرائيل، إثيوبيا، إيران) عبر وكلاء محليين.
شارك الخبر
لم يعد من الممكن، وفقاً لأبجديات التحليل الجيوسياسي، قراءة الأحداث المتسارعة التي تعصف بمدخلي البحر الأحمر الجنوبيين بوصفها أزمات منفصلة أو صدفاً زمنية عابرة؛ فإعلان الحكومة الإسرائيلية مؤخراً عن عزمها الاعتراف الرسمي بـجمهورية أرض الصومال ( صوماليلاند) الانفصالية كدولة مستقلة، بالتزامن مع تداعيات واقع التجزئة والانفصال في جنوب اليمن وتصدع التحالف العربي هناك، يضعنا أمام مشهد بانورامي واحد لا يقبل التجزئة. نحن في الواقع أمام عملية هندسة جيوسياسية شاملة، وتزامن عملياتي دقيق بين ضفتي البحر الأحمر، تكشف أن ما يجري من هرجيسا في الغرب إلى عدن في الشرق، مروراً برمال غزة المشتعلة، ليس سوى حلقات مترابطة في سلسلة استراتيجية التفتيت التي تهدف في جوهرها إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، وإحكام طوق العزلة حول القوى الإقليمية المركزية، عبر تحويل الحدود السياسية والمائية للدول العربية إلى جبهات حرب مشتعلة وكيانات وظيفية تستنزف سيادة المنطقة ومستقبلها.

ولفهم أبعاد هذه التفاعلات الجيوسياسية التي تضرب القرن الإفريقي وجنوب الجزيرة العربية، يجب الانطلاق من تفكيك العقل الاستراتيجي للكيان الصهيوني الذي يسعى جاهداً للخروج من عقدة الجغرافيا الضيقة عبر إحياء ما يسمى ب "عقيدة المحيط" (Periphery Doctrine) بنسختها البحرية المحدثة والأكثر شراسة. فإذا كانت النسخة الكلاسيكية لبن غوريون تعتمد على القفز فوق دول الطوق العربي للتحالف مع قوى إقليمية غير عربية، فإن النسخة الحالية تعتمد على صناعة كيانات وظيفية جديدة على الأطراف البحرية للمجال العربي عبر تفتيت الدول القائمة. ومن هذا المنظور، فإن التواجد في "أرض الصومال" عبر بوابة الاعتراف، وبالتوازي مع هندسة "الجنوب العربي" في اليمن، لا يعني مجرد بحث عن فرص استثمارية، بل ينطلق من دافع أمني وعسكري ملحّ؛ إذ تشير التقديرات إلى أن إسرائيل باتت تدرك أن التواجد المباشر عند باب المندب من الضفتين يمنحها القدرة على التحكم في الشريان الحيوي الذي تتنفس منه المنطقة والعالم، ويخلق منصة متقدمة لتهديد الأمن القومي العربي من الجنوب.

عند النظر إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر، يمثل الاعتراف الإسرائيلي بـأرض الصومال الشق الأول من هذه الكماشة، حيث يتم قضم الجغرافيا الصومالية وسلخ 850 كيلومتراً من السواحل الاستراتيجية ووضعها تحت المظلة الإسرائيلية. وهنا تبرز خطورة الدور الوظيفي لهذا الكيان الجديد؛ فإسرائيل تستغل حاجة الإقليم ـ الذي يعيش عزلة دولية ـ للشرعية، ليكون خنجراً في خاصرة القرن الإفريقي وقاعدة استخباراتية متقدمة.
عند النظر إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر، يمثل الاعتراف الإسرائيلي بـأرض الصومال الشق الأول من هذه الكماشة، حيث يتم قضم الجغرافيا الصومالية وسلخ 850 كيلومتراً من السواحل الاستراتيجية ووضعها تحت المظلة الإسرائيلية. وهنا تبرز خطورة الدور الوظيفي لهذا الكيان الجديد؛ فإسرائيل تستغل حاجة الإقليم ـ الذي يعيش عزلة دولية ـ للشرعية، ليكون خنجراً في خاصرة القرن الإفريقي وقاعدة استخباراتية متقدمة.

وهذا التحرك يندرج ضمن انقسام إقليمي حاد يعيد تشكيل التحالفات؛ إذ نشهد تبلور معسكر استثماري-أمني يضم إسرائيل وإثيوبيا وبعض الأطراف العربية، يركز على تفتيت الدول لصالح تأمين ممرات مائية وموانئ خاصة (كميناء بربرة)، في مواجهة معسكر سيادي يضم مصر والسعودية والصومال الفيدرالي، يتمسك بوحدة الأراضي. إن سلخ أرض الصومال يمثل ضربة قاصمة للأمن القومي المصري، إذ يمنح إثيوبيا -حليفة إسرائيل- منفذاً بحرياً يحررها من ضغوط الجغرافيا ويعزز موقفها في قضية سد النهضة، كما يحول البحر الأحمر إلى ساحة من التهديدات التي ترفع تكلفة الملاحة وتضرب عصب قناة السويس.

ولكن، لكي تكتمل صورة "الخنق"، لا بد من العبور إلى الضفة الشرقية، إلى اليمن، حيث جرة السعي لتشكيل الشق الثاني للكماشة بدقة متناهية. هنا، يتحول التحليل من مجرد رصد لنزاع عسكري محلي إلى تشريح لعملية تدمير ممنهج لمفهوم الدولة اليمنية الواحدة. إن القراءة المتفحصة لمسار العلاقات السعودية-الإماراتية في الملف اليمني تكشف عن تحول دراماتيكي من مفهوم التحالف القائم على وحدة الهدف (استعادة الشرعية)، إلى حالة من التضاد الاستراتيجي التي تخدم ـ بقصد أو دون قصد ـ الأجندة الإسرائيلية. فبينما كانت الرياض تسعى لتأمين حدودها الجنوبية، كانت أبو ظبي تتحرك وفق استراتيجية الموانئ والمضايق، طامحة لبناء نفوذ بحري يمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي، وهو ما تقاطع بشكل واضح مع الرغبة الإسرائيلية.

لقد تكشف للرياض، وربما متأخراً، أن شريكها في التحالف لم يكن يعمل لترسيخ الدولة اليمنية الموحدة، بل كان يعمل بدأب لتأسيس بنية تحتية للانفصال، عبر رعاية وتمويل وتسليح تشكيلات عسكرية مناطقية (المجلس الانتقالي) خارجة عن سيطرة الدولة. هذا الوضع أفرز حصيلة استراتيجية مهددة للسعودية؛ فاليمن انقسم فعلياً إلى شمال يسيطر عليه الحوثيون الموالون لإيران، وجنوب تسيطر عليه ميليشيات موالية للإمارات وتجاهر قياداتها بالاستعداد للتطبيع مع إسرائيل. هذا الواقع وضع المملكة بين فكي كماشة: نفوذ إيراني شمالاً، ونفوذ إماراتي ـ إسرائيلي جنوباً يسعى لخنق السعودية بحرياً عبر السيطرة على سواحل بحر العرب ومضيق باب المندب، ومحاولات التمدد نحو محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان الرئة الاستراتيجية للمملكة ومنفذها الحلم نحو البحار المفتوحة.

إن الربط بين هرجيسا وعدن يكشف عن "وحدة المعالجة المركزية" التي تدير المشهد؛ فإسرائيل ظلت تنظر إلى التطورات السابقة في جنوب اليمن، وتحديداً سيطرة المجلس الانتقالي على سقطرى وعدن، باعتبارها فرصة ذهبية توازي في أهميتها الاعتراف بأرض الصومال. فالأدبيات السياسية في تل أبيب لم تعد تخفي رغبتها في رؤية كيان جنوبي مستقر ومنفصل عن صنعاء، وكيان صومالي شمالي منفصل عن مقديشو. هذان الكيانان الوظيفيان يمثلان لإسرائيل موطئ قدم وحائط صد وتأميناً للمجال البحري دون تكلفة عسكرية مباشرة. وبهذا المعنى، يصبح الانفصال في اليمن والصومال ليس مجرد استجابة لمطالب محلية، بل حاجة إقليمية لخدمة مشروع الهيمنة الإسرائيلية الذي يسعى لشرعنة وجوده عبر التغلغل في المفاصل الاستراتيجية للمنطقة، وتحويل باب المندب من ممر عربي خالص إلى مضيق دولي تحت الوصاية الإسرائيلية غير المباشرة.

إن قراءة الاعتراف بأرض الصومال وتشظي اليمن في سياق واحد، تقودنا إلى استنتاج مفصلي: الحرب الدائرة الآن ليست مجرد نزاعات حدودية أو خلافات سياسية، بل هي معركة فاصلة ستحدد شكل النظام الإقليمي لعقود قادمة.
هذا الترابط العضوي يحيلنا إلى نظرية تفتيت المفتت التي تبدو وكأنها النسخة المحدثة من خطط تاريخية لتفكيك الدول العربية المركزية. والجديد والمرعب في الطرح الحالي، هو وجود شريك عربي يتبنى هذه الرؤية ويعمل على تنفيذها على الأرض، سواء في اليمن أو عبر الاستثمارات في أرض الصومال. فما يحدث هو تحويل المنطقة إلى فسيفساء من الكيانات الهشة (دولة للسنة، دولة للشيعة، دولة للجنوبيين، دولة صوماليلاند.. إلخ) بهدف جعل إسرائيل -الدولة الأقلية الدخيلة- تبدو ككيان طبيعي ومنسجم مع محيطه المفكك، بل وقائد لهذا التحالف من الأقليات. وهذا المخطط يضع الدول العربية السنية الكبرى (مصر والسعودية) في مأزق وجودي، حيث تفقد وزنها الاستراتيجي وتتحول هي الأخرى إلى كيانات خائفة مهددة بعدوى التقسيم.

وفي سياق القراءة التاريخية، يثور التساؤل حول تأخر الرد السعودي والمصري على هذا العبث. بالنسبة للسعودية، يبدو أنها وقعت ضحية لحسابات خاطئة في بداية الحرب، وتحديداً عقدة "الإصلاح"؛ إذ أدى العداء الأيديولوجي لحزب التجمع اليمني للإصلاح إلى السماح للإمارات بتقويض القوة الميدانية الوحيدة القادرة على حماية فكرة الدولة في اليمن، مما خلق فراغاً ملأته المليشيات الانفصالية. أما مصر، فقد انشغلت بأزماتها الاقتصادية وحدودها المشتعلة، ولم تدرك باكراً أن التهاون في وحدة الصومال واليمن هو تهاون في أمن قناة السويس ونهر النيل. اليوم، تجد العاصمتان نفسيهما أمام لحظة الحقيقة: حدود ملتهبة، ومجال حيوي يتم قضمه، وحليف أمريكي يبارك -أو يصمت عن- التمدد الإسرائيل. وهو ما يفسر قوة وصرامة التدخل السعودي المتأخر في اليمن وما حضي به هذا التدخل من دعم واضح من مصر.

تقف السعودية ومصر وتركيا أمام لحظة تاريخية فارقة وخيارات صعبة؛ فسياسة شراء الوقت أو إدارة الأزمات لم تعد مجدية أمام مخاطر التفتيت المحدقة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال العمى الاستراتيجي للنخب المحلية في اليمن والصومال؛ فلوم الخارج ومخططاته لا يعفي هذه النخب من مسؤوليتها. إن الأزمة الجوهرية التي سهلت هذا الاختراق الخارجي تكمن في غياب المشروع الوطني الجامع. فبدلاً من التوحد حول فكرة الدولة والهوية الوطنية، تشرذمت القوى السياسية والاجتماعية إلى مشاريع صغيرة (سلالية، مناطقية، قبلية)، وارتمى كل طرف في أحضان كفيل إقليمي يستقوي به على الطرف الآخر. هذا التشظي الداخلي حوّل أبناء البلد الواحد من أصحاب قضية إلى أدوات في حرب بالوكالة، وسهل مهمة القوى الخارجية في تحويل أوطانهم إلى كانتونات وظيفية تخدم أجندات لا علاقة لها بمصلحة المواطن اليمني أو الصومالي.

ختاماً، إن قراءة الاعتراف بأرض الصومال وتشظي اليمن في سياق واحد، تقودنا إلى استنتاج مفصلي: الحرب الدائرة الآن ليست مجرد نزاعات حدودية أو خلافات سياسية، بل هي معركة فاصلة ستحدد شكل النظام الإقليمي لعقود قادمة.

إن المخطط الذي يُراد تنفيذه يستهدف خلق شرق أوسط جديد مفكك، تتحكم فيه قوى غير عربية (إسرائيل، إثيوبيا، إيران) عبر وكلاء محليين. وأمام هذا التحدي، تقف السعودية ومصر وتركيا أمام لحظة تاريخية فارقة وخيارات صعبة؛ فسياسة شراء الوقت أو إدارة الأزمات لم تعد مجدية أمام مخاطر التفتيت المحدقة. المطلوب الآن هو تحرك استراتيجي حازم وتنسيق عالي المستوى لإنهاء حالة السيولة في اليمن والصومال، ودعم الدولة الوطنية الموحدة بكل السبل، حتى لو تطلب ذلك مراجعة التحالفات التقليدية وبناء محاور جديدة لا سيما من خلال التفاعل المطلوب مع التدخل القوي والصارم للسعودية في اليمن. إن التاريخ يعلمنا ان الفراغ لا يبقى فارغاً، والدول التي لا تملأ مجالها الحيوي بقوتها ومشروعها الوطني، سيملؤه الخصوم بخرائطهم الجديدة، وسيكون الثمن حينها ليس فقط ضياع النفوذ، بل ضياع الوجود ذاته.
التعليقات (0)