قضايا وآراء

أرض الصومال.. ميزة استراتيجية جديدة لإسرائيل

عادل الحامدي
في لحظات الاختلال التاريخي، قد يبدو أصحاب الحق أكثر وهناً، مثقلين بالخسارة والعجز، بينما يتقدّم الباطل مزهواً بقوته العابرة، محاطاً بضجيج الانتصار.  الأناضول
في لحظات الاختلال التاريخي، قد يبدو أصحاب الحق أكثر وهناً، مثقلين بالخسارة والعجز، بينما يتقدّم الباطل مزهواً بقوته العابرة، محاطاً بضجيج الانتصار. الأناضول
شارك الخبر
لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" مجرّد خطوة دبلوماسية مفاجئة، بل حدثاً كاشفاً لتحوّل أعمق في خرائط النفوذ والصراع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فهذه الرقعة التي ظلت لعقود خارج نظام الاعتراف الدولي، تحوّلت فجأة إلى نقطة ارتكاز في استراتيجية إسرائيلية أوسع لمواجهة خصومها الإقليميين، وفي مقدّمهم إيران، ولإعادة تعريف موقع إسرائيل كقوة بحرية مؤثرة تتجاوز شرق المتوسط.

الجغرافيا حين تتحوّل إلى سياسة

منذ إعلان أرض الصومال انفصالها الأحادي عن مقديشو عام 1991، ظل الإقليم يعيش مفارقة مركّبة: استقرار أمني نسبي ومؤسسات محلية فاعلة، يقابله غياب شبه كامل للاعتراف الدولي. هذه المفارقة بالذات جعلت منه فرصة مغرية للقوى الباحثة عن نفوذ سريع وقليل الكلفة الدبلوماسية.

التاريخ في هذه المنطقة يعلّم أن القضايا المؤجَّلة لا تختفي، بل تعود بأثمان أعلى. وفي سباق النفوذ الجاري على شواطئ القرن الإفريقي، قد تكسب إسرائيل موقعاً جديداً، لكن الاستقرار الإقليمي، ومعه العدالة المؤجلة للفلسطينيين، يظل الخاسر الأكبر.
بالنسبة لإسرائيل، لا يبدو الاعتراف مسألة تضامن سياسي مع كيان ناشئ، بل استثماراً استراتيجياً في الجغرافيا. فأرض الصومال تطل مباشرة على خليج عدن، وتشرف على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ومن هذا الموقع، يصبح الاقتراب من اليمن، حيث يتمركز الحوثيون المدعومون من إيران، أمراً ممكناً عملياً لا نظرياً.

من مراقبة الحوثيين إلى تطويق إيران

في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التفكير الأمني، لم تعد فيها التهديدات محصورة بجبهات برية قريبة، بل امتدت إلى المجال البحري. ومع تصاعد دور الحوثيين في استهداف الملاحة وربط أنفسهم بالصراع مع إسرائيل، برزت الحاجة إلى أدوات ردع ومراقبة بعيدة عن الجبهات التقليدية.

من هذا المنظور، يشكّل موطئ قدم محتمل في أرض الصومال حلقة إضافية في سياسة التطويق غير المعلن لإيران. فوجود استخباراتي أو عسكري، ولو محدود، في خليج عدن يسمح لإسرائيل بمراقبة تحركات الحوثيين، ويضيّق هامش المناورة البحرية لطهران بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. إنها ليست خطوة هجومية بقدر ما هي إعادة تموضع استراتيجي طويل الأمد.

تحالف المصالح.. الإمارات وإثيوبيا في الصورة

لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن شبكة التحالفات القائمة في المنطقة. فالإمارات، التي تدير قاعدة عسكرية في ميناء بربرة منذ عام 2017، تمثّل حلقة الوصل العملية لأي حضور إسرائيلي محتمل. أما إثيوبيا، الساعية منذ سنوات إلى منفذ بحري يعوّضها عن فقدان سواحلها، فترى في أرض الصومال فرصة تاريخية للخروج من العزلة الجغرافية.

هنا تتقاطع المصالح الثلاثة: إسرائيل تبحث عن أمن بحري وتوازن ردع جديد، الإمارات تعزّز نفوذها على طرق التجارة العالمية، وإثيوبيا تقترب من البحر عبر ترتيبات سياسية وأمنية غير تقليدية.

تحالف غير معلن، لكنه يعكس تحوّلاً في طبيعة الاصطفافات الإقليمية، حيث تتقدّم البراغماتية الأمنية على الاعتبارات الأيديولوجية أو القانونية.

البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى ساحة صراع

هذا التداخل المتزايد بين القوى الإقليمية والدولية ينذر بتحويل البحر الأحمر وخليج عدن من ممرات تجارة دولية إلى مسارح مواجهة مفتوحة. ومع عسكرة السواحل وتكاثر القواعد، يصبح القرن الإفريقي أكثر انخراطاً في صراعات الشرق الأوسط، رغم هشاشته السياسية والإنسانية.

وهنا يبرز البعد الإنساني الغائب عن الحسابات الكبرى. فالصوماليون، سواء في مقديشو أو هرغيسا، يواجهون خطر تحوّل قضيتهم الوطنية إلى أداة في صراع بالوكالة، فيما تدفع المجتمعات المحلية ثمن سباق النفوذ العسكري.

في هذا السياق الأوسع، يبرز سؤال جوهري: هل تمنح هذه الخطوة إسرائيل قوة إضافية لفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب؟

الجواب لا يكمن في علاقة سببية مباشرة، بل في تراكم النفوذ. فكل توسّع إسرائيلي خارج المشرق العربي يقلّل من فعالية أدوات الضغط التقليدية عليها داخله. حين تصبح إسرائيل شريكاً أساسياً في أمن الملاحة العالمية، وفي استقرار باب المندب، تتراجع كلفة تجاهلها سياسياً، وتصبح الدعوات إلى محاسبتها على سياساتها في الأراضي الفلسطينية أقل إلحاحاً في حسابات كثير من الدول.

قد يبدو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مكسباً استراتيجياً محسوباً، يعزّز النفوذ ويوسّع دوائر الردع. لكنه في الوقت نفسه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى منطقة مثقلة أصلاً بالصراعات. ففرض الأمر الواقع عبر الجغرافيا والتحالفات قد ينجح مرحلياً، لكنه لا يصنع شرعية ولا يقدّم حلولاً دائمة.
بهذا المعنى، لا تستهدف خطوة الاعتراف بأرض الصومال الفلسطينيين مباشرة، لكنها تضعف البيئة الإقليمية الداعمة لقضيتهم. فدول عربية وإقليمية، منخرطة في تحالفات أمنية واقتصادية عابرة للجغرافيا، تميل أكثر إلى إدارة الصراع مع إسرائيل بدل مواجهته، وتتكيف تدريجياً مع "الوقائع القائمة" بوصفها ثمناً للاستقرار والمصالح الاستراتيجية.

تركيا والسعودية.. قلق متفاوت ومشهد مفتوح

الرفض التركي الحاد يعكس إدراك أنقرة لخسارة محتملة لنفوذها في الصومال والقرن الإفريقي، في حين يظل الموقف السعودي أكثر حذراً وصمتاً، رغم أن عسكرة باب المندب تمسّ أمنها البحري مباشرة. هذا التباين في المواقف يعبّر عن مشهد عربي وإقليمي مفكك، يتيح لإسرائيل هامش حركة أوسع.

قد يبدو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مكسباً استراتيجياً محسوباً، يعزّز النفوذ ويوسّع دوائر الردع. لكنه في الوقت نفسه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى منطقة مثقلة أصلاً بالصراعات. ففرض الأمر الواقع عبر الجغرافيا والتحالفات قد ينجح مرحلياً، لكنه لا يصنع شرعية ولا يقدّم حلولاً دائمة.

التاريخ في هذه المنطقة يعلّم أن القضايا المؤجَّلة لا تختفي، بل تعود بأثمان أعلى. وفي سباق النفوذ الجاري على شواطئ القرن الإفريقي، قد تكسب إسرائيل موقعاً جديداً، لكن الاستقرار الإقليمي، ومعه العدالة المؤجلة للفلسطينيين، يظل الخاسر الأكبر.

وفي لحظات الاختلال التاريخي، قد يبدو أصحاب الحق أكثر وهناً، مثقلين بالخسارة والعجز، بينما يتقدّم الباطل مزهواً بقوته العابرة، محاطاً بضجيج الانتصار. غير أن هذا المشهد، مهما طال، ليس قدراً دائماً ولا قانوناً ثابتاً في التاريخ. فضعف العرب والمسلمين اليوم ليس تعبيراً عن سقوط الحق، بل عن غياب شروط نهوضه المؤقتة. والتاريخ، الذي يميل ببطء لكنه لا ينسى، يعلّم أن موازين القوة تتبدّل، وأن الحق قد يتراجع زمناً، لكنه لا يموت، ولا يُمحى، بل ينتظر لحظة استعادته حين تتغيّر الشروط وتستعيد الأمة قدرتها على الفعل.

*كاتب وإعلامي تونسي مقيم في لندن
التعليقات (0)