مؤرخ مغربي لـ"عربي21": الوضع الصحي للملك يوسّع نفوذ الأجهزة الأمنية

تقارير متواترة عن تدهور صحة العاهل المغربي محمد السادس- جيتي
تقارير متواترة عن تدهور صحة العاهل المغربي محمد السادس- جيتي
شارك الخبر
قال المؤرخ والحقوقي المغربي، معطي منجب، إن "الوضع الصحي للملك محمد السادس يوسّع نفوذ الأجهزة الأمنية؛ فكلما تراجعت قدرة رئيس الدولة، بسبب المرض، على الاضطلاع المباشر بوظائف الحكم والتوجيه، اتّسع مجال نفوذ الفاعلين المحيطين به، ولا سيما الأجهزة الأمنية والإدارية التي تمتلك أدوات الضبط والمعلومة، بما يعزّز طابع الأمننة في إدارة المجال السياسي".

وخلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، أفادت تقارير إعلامية مغربية بأن الملك محمد السادس يعاني من ألم في أسفل الظهر مع تشنج عضلي، إلا أن الطبيب الشخصي أكد أن الحالة لا تستدعي القلق، مع توصية بعلاج طبي مناسب وفترة راحة وظيفية.

وتحظى الحالة الصحية للملك محمد السادس بمتابعة واهتمام ملحوظين لدى المغاربة خلال الأعوام الأخيرة، كما كانت في بعض الأحيان محل تكهنات وتغطيات إعلامية متزايدة.

وأشار منجب، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أن "النسق السياسي المغربي ما يزال يتسم بازدواجية بنيوية في ظل تعددية حزبية شكلية من جهة، ومركزية فعلية للقرار الاستراتيجي من جهة أخرى"، مؤكدا أن "الحكومة تغدو أقرب إلى جهاز لتصريف الأعمال وتنفيذ الاختيارات المرسومة سلفا، منها إلى فاعل سياسي مكتمل الصلاحيات يتمتع بقدرة أصيلة على المبادرة وصنع السياسات العمومية".

وذكر أن "المفاوضات التي جرت مؤخرا في مدريد بين المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، لمحاولة إيجاد حل سياسي لقضية الصحراء، تفتح نظريا أفقا لإمكانية التوصل إلى صيغة توافقية مقبولة من مختلف الأطراف، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية الداعية إلى تسوية هذا النزاع".

وشدّد المؤرخ المغربي، على أن "استدامة أي حل سياسي تظل رهينة بمدى ترسيخ إصلاحات ديمقراطية فعلية داخل البلاد، بما يضمن مشاركة حقيقية لسكان الصحراء في تدبير شؤونهم، ويكفل لجميع المواطنين، في الصحراء وباقي جهات البلاد، ضمانات دستورية ومؤسساتية تحمي الحقوق والحريات وتؤسس لثقة طويلة الأمد في الدولة ومؤسساتها".

اظهار أخبار متعلقة



وكانت العاصمة الإسبانية مدريد شهدت مشاورات دبلوماسية متعددة الأطراف عُقدت في أجواء من التكتم الأسبوع الماضي بشأن أزمة إقليم الصحراء، وقد جمعت للمرة الأولى منذ سنوات ممثلين من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وذلك في إطار وساطة أمريكية مباشرة وبرعاية أممية.

وتأتي هذه التحركات مدفوعة بالقرار الأممي رقم 2797، لتعيد رسم خريطة التوقعات لمستقبل النزاع الأقدم في القارة الإفريقية، والذي دخل عقده السادس بين خياري "الحكم الذاتي" تحت السيادة المغربية الذي تراه الرباط حلا وحيدا واقعيا، و"تقرير المصير" الذي تتمسك به البوليساريو والجزائر مرجعية قانونية دولية.

أدناه نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

هل هناك جديد بخصوص قضية منعك من مغادرة المغرب رغم العفو الملكي؟

من الناحية الواقعية، لم يترتب على العفو الملكي أي أثر قانوني أو إداري يُذكر في وضعيتي. ويكشف ذلك عن مفارقة مؤسسية لافتة، قوامها التباعد بين القرار السيادي في مستواه الرمزي وآليات إنفاذه في الحقلين الأمني والإداري؛ فما زلت خاضعا لمنع من السفر، ولا تزال ممتلكاتي الخاصة - من مسكن وسيارة وحساب بنكي - مجمّدة دون مبرر مُعلن.

كما امتنعت وزارة التعليم العالي عن إرجاعي إلى منصبي أستاذا للتاريخ، رغم أن وثيقة العفو تُحيل صراحة إلى رقم الملف القضائي موضوع المتابعة - أي ما سُمّي بقضية "تهديد السلامة الداخلية للدولة" -، وهو ذاته الذي استند إليه قرار "التوقيف المؤقت" عن العمل.

إننا، والحالة هذه، أمام انفصال فعلي بين مقتضيات العفو في دلالته القانونية والسياسية وبين آثاره العملية في قضية الحيف الذي يصيبني. في الوقت ذاته، أشكر النقابة الوطنية للتعليم العالي التي، بعد سنوات من الضغط السياسي عليها للابتعاد عن قضيتي، أعلنت هذا الأسبوع علانية مطالبتها برفع الظلم الذي يحيق بي وإرجاعي إلى عملي.

كيف يعكس وضعك طبيعة العلاقة بين القرار السياسي والأجهزة الأمنية في تدبير الملفات؟

تعكس هذه الوضعية نمطا من توزيع السلطة يتسم بقدر معتبر من الاستقلالية العملياتية للأجهزة الأمنية عن مركز القرار السياسي؛ فهذه الأجهزة تبدو محكومة بما يمكن تسميته بـ "الالتزام بتحقيق النتائج"، وهو ما يمنحها هامشا واسعا في اختيار الوسائل وتكييف النصوص القانونية بما يخدم الغايات المحددة، وعلى رأسها ضبط المجتمع السياسي.

كما أنها تتوفر على موارد بشرية ومالية وإعلامية وازنة تخوّل لها التأثير في مسار المتابعات، بل وفي تأويل القانون ذاته، عبر آليات مؤسساتية من قبيل الشرطة القضائية والنيابة العامة. وبهذا المعنى، يصبح تطبيق القانون مجالا لإعادة إنتاج موازين القوة، لا مجرد ممارسة محايدة لوظيفة إدارية أو قضائية.

ما أثر تعدد المتابعات القضائية وتعليق الوضع المهني على قدرة المعارضين على الاستمرار في الفعل السياسي والفكري؟

إن تعدد المتابعات، مقترنا بحملات التشهير والضغط المهني وقطع الأرزاق، يُنتج أثرا ردعيا مزدوجا؛ فهو يُنهك الأفراد المستهدفين ماديا ورمزيا ويعزلهم اجتماعيا، ويبعث في الآن ذاته برسالة تخويف إلى المجال العمومي برمته، بما في ذلك بعض شخصيات الطبقة السياسية الموالية التي يزداد طموحها أحيانا، فتلجأ إلى انتقاد السلطة، خصوصا أثناء فترات الانفتاح.

ورغم أن عدد المتابعين أو المعتقلين يظل في المغرب محدودا نسبيا إذا ما قورن بسياقات سلطوية أخرى، مثل مصر، فإن التركيز المكثف على حالات بعينها يضطلع بوظيفة استعراضية رادعة، تُفضي إلى إضعاف المردودية المدنية والسياسية للفاعلين، وإلى شل دينامية المعارضة وتقليم أظفارها تنظيما وإعلاما وتنسيقا؛ فالنظام لا يهمه وضع كل المعارضين في السجن ما دام القصد هو الفعالية في الردع لا الكمّ، وما يهم الطغمة المتحكمة في الأمور هو الأثر الرمزي والنفسي العام المترتب على الانتقائية في الاستهداف.

كيف أثّرت تجربة الربيع العربي وحراك 20 شباط/ فبراير على سلوك الإداريين والقضاة وعلى طريقة تدبير الملفات السياسية لاحقا؟

شكّل حراك 20 شباط/ فبراير لحظة انكشاف بالنسبة إلى النخبة الحاكمة؛ إذ أظهر هشاشة التوازنات السياسية القائمة، وتراجع مشروعية النظام متزامنا مع صعود مصداقية المعارضة. وقد أفضى ذلك إلى استراتيجية رسمية مزدوجة : توسيع القاعدة السياسية للنظام عبر إدماج قوى معارضة رئيسية، كالعدالة والتنمية، واستيعاب بعض الفاعلين الاحتجاجيين، مقابل منح هامش نسبي ومؤقت للحريات العامة، إلا أن هذه المرحلة لم تدم طويلا؛ فابتداءً من النصف الثاني لسنة 2013، برز نمط جديد من الضبط السياسي، قوامه توظيف التشهير والتحرش القضائي بوصفهما أداة مركزية في إسكات الخصوم وإضعافهم.

لقد تحوّل التشهير إلى ممارسة ممنهجة، بل إلى ما يشبه سياسة عمومية غير مُعلنة، تُستخدم فيها الاتهامات الأخلاقية والمالية وادعاءات معاداة الوطن لإعادة تشكيل صورة المعارض في المخيال الجمعي، ولم يعد الأمر مقتصرا على المتابعة القضائية، بل تعدّاه إلى استهداف الحياة الخاصة وتفكيك الرأسمال الرمزي للمنتقدين، وحتى لأصحاب مشاريع الإصلاح السياسي.

وقد طالت هذه الأساليب شخصيات معروفة، من بينها الصحفيان سليمان الريسوني وعمر الراضي، بل إن الأخير وُوجه باتهامات مركبة تجمع بين البعد الجنائي والأخلاقي والسياسي (جنس، خيانة الأمانة، خيانة الوطن)، فيما بات يُتداول داخل بعض الأوساط المعارضة بتعبير "تهم الجيم والخاء". إن هذا النمط من التدبير يُسهم في ترميم الشرعية الرسمية بصورة سلبية، عبر تقويض مصداقية الخصوم بدل تعزيز الثقة المؤسسية.

اظهار أخبار متعلقة



لماذا انسحب عزيز أخنوش من الترشح لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار؟

يثير مسار عزيز أخنوش داخل حزب التجمع الوطني للأحرار سؤال استقلالية ما يُعرف في الأدبيات السياسية المغربية بـ"الأحزاب الإدارية"؛ فهذه التنظيمات تبدو محدودة الاستقلال عن مراكز القرار الفعلية، بحيث تخضع قياداتها لتوازنات لا تُحسم داخل أجهزتها الحزبية بقدر ما تُدار في المستوى التنفيذي الأعلى من النسق السياسي المغربي.

وعليه، فإن مسألة "الانسحاب" أو "الاستغناء" عن السيد أخنوش لا تُفهم إلا في سياق بنية حزبية يغلب عليها الطابع الأداتي، حيث تظل قابلية التداول الداخلي للقيادة محكومة باعتبارات خارجية، والحاصل أنه أُمر فامتثل. انخفضت شعبية أخنوش، وتحرك الشارع ضد سياساته، بما في ذلك جيل زد، فأصبح عبئا على الحزب وعلى النظام... فكان ما كان.

إلى أي حد يعكس الجدل حول "الانسحاب أم الاستغناء" طبيعة العلاقة بين الأحزاب ومراكز القرار؟ وكيف تُقيّم حصيلة الحكومة الحالية؟


يعكس هذا الجدل محدودية الدور الذي تضطلع به الأحزاب، سواء داخل الحكومة أو خارجها، في صياغة القرار الاستراتيجي؛ فحتى بعد دستور 2011، ظل مجال الاختيارات الاستراتيجية خارج متناول التنافس الحزبي الفعلي. وفي هذا السياق، تبدو الحكومة الحالية بكل أحزابها أقرب إلى هيئة تُعنى بتدبير الشأن اليومي وتنفيذ التوجهات العامة، منها إلى سلطة تنفيذية تمتلك زمام المبادرة السياسية.

أما على مستوى الأداء، فيُلاحظ طغيان المقاربة التقنية-الاقتصادية على البُعد السياسي، مع حضور قوي داخل الجهاز التنفيذي لـ"أصحاب الشكارة"، أي لفاعلين غير مُسيّسين أتوا إلى الحكومة والبرلمان من عالم الأعمال وما يشبهه، وقد أثار ذلك نقاشا واسعا حول تضارب المصالح، والريع، ومدى استفادة بعض الفاعلين الاقتصاديين من القرب من مركز القرار.

كما سُجّل تراجع في مؤشرات الثقة وفي إدراك الرأي العام لنجاعة آليات مكافحة الفساد، في ظل نقاش متواصل حول حدود استقلال القضاء، خصوصا بعد منع الولوج إليه من قِبل جمعيات حماية المال العام حتى في حالات ادعاءات فساد قد تكون وجيهة.

أما إشارتك إلى وقع الربيع العربي على القضاة فمهمة؛ فبعض القضاة أصبحوا يتحرّجون، على ما يبدو، من التطبيق الحرفي لأوامر الهاتف إذا كانت مجحفة أكثر من اللازم، تحسّبا لما قد يأتي به الزمان.

خلاصة القول إن النسق السياسي المغربي ما يزال يتسم بازدواجية بنيوية في ظل تعددية حزبية شكلية من جهة، ومركزية فعلية للقرار الاستراتيجي من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، تغدو الحكومة أقرب إلى جهاز لتصريف الأعمال وتنفيذ الاختيارات المرسومة سلفا، منها إلى فاعل سياسي مكتمل الصلاحيات يتمتع بقدرة أصيلة على المبادرة وصنع السياسات العمومية.

هل يمكن القول إن احتجاجات "جيل زد" انتهت تماما ولن تتكرر مستقبلا؟ وإلى أي مدى تأثر النظام المغربي بها مقارنة باحتجاجات الأطباء أو الأساتذة أو غيرهم من الفئات المهنية؟

الاحتجاجات القطاعية لا تُخيف الحكم بشكل كبير؛ لأنها ذات طبيعة اجتماعية أساسا ومحدودة من حيث عدد المشاركين. أما فيما يخص مظاهرات وتجمعات "جيل زد"، فقد أبدت الدولة قدرا ملحوظا من القلق إزاء الحركة التي برزت في الصيف الماضي وأخذت في التنامي مع بداية الخريف؛ لأنها ذات طابع سياسي، وخصوصا أنها تحدث في إطار حركية عالمية أسقطت أنظمة سلطوية في بلدان أخرى كنيبال ومدغشقر.

لقد خشيت السلطات من تزايد أعداد الشباب ومن الانتشار المجالي المتسارع للأنشطة الاحتجاجية التحضيرية، وشعرت وزارة الداخلية، في ظل محدودية مواردها الأمنية والإدارية، بأنها قد تعجز عن احتواء الانتفاضة إذا ما اتخذت طابعا وطنيا شاملا.

علاوة على ذلك، لم يعد القصر الملكي قادرا على التعويل على الاستراتيجية المتقادمة المتمثلة في "إشغال الناس بالوعود" للحفاظ على السيطرة؛ إذ لم يكن من المرجح أن تنجح وعود الإصلاح هذه المرة في تهدئة سخط الشباب، في ظل استمرار تعثر الالتزامات التي قُطعت سنة 2011 إبّان الربيع العربي، وما تزال تلقي بظلالها على الذاكرة الجماعية.

وإزاء الاحتجاجات، لجأت الدولة إلى اعتماد المقاربة الضبطية بحق الناشطين غير أن هذه الإجراءات لم تؤدّ إلى انحسار الاحتجاجات في البداية، بل أسهمت في اتساعها خلال أسابيع قليلة، إلا أن الحكومة صعّدت وحشدت مواردها لقمع ما وصفته الصحافة ذات التوجه الاستخباراتي، وأحيانا حتى بعض وسائل الإعلام الرسمية، بأعمال فوضى أو محاولات لزعزعة الاستقرار. وعُزيت حالة الاضطراب إلى تأثيرات خارجية، ولا سيما الجزائر المجاورة، فضلا عن أطراف أخرى يُزعم أنها "مُعادية".

كيف ترون الانتخابات التشريعية المقبلة؟ وما توقعاتكم لنتائجها المحتملة؟

يصعب، في الظرفية الراهنة، تقديم تقدير دقيق لمآلات الانتخابات التشريعية المقبلة، نظرا لسمتي السيولة وعدم الاستقرار اللتين تطبعان الحقل السياسي؛ فالتوازنات الحزبية والاجتماعية ما تزال في طور التشكّل، ولم يتلقّ الموالون توجيها حاسما بعد، كما أن العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي - من مناخ الحريات إلى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى قضية الصحراء - قابلة للتحوّل خلال الأشهر الستة القادمة. وعليه، فإن أي استشراف للنتائج يظل رهينا بمتغيرات لم تتبلور بعد بشكل نهائي.

ما العلاقة بين ما يُقال حول تدهور الحالة الصحية للملك واتساع نفوذ المحيط الأمني داخل بنية السلطة؟

هذا يسبّب ذاك، ويمكن مقاربة هذه العلاقة من منظور توازنات السلطة داخل المنظومة المخزنية؛ فكلما تراجعت قدرة رئيس الدولة، بسبب المرض - شفاه الله -، على الاضطلاع المباشر بوظائف الحكم والتوجيه، اتّسع مجال نفوذ الفاعلين المحيطين به، ولا سيما الأجهزة الأمنية والإدارية التي تمتلك أدوات الضبط والمعلومة. وعليه، فإن ضعف الحضور الفعلي للمؤسسة الملكية في تدبير الشأن العام قد يفضي إلى إعادة توزيع غير مُعلن للسلطة لصالح الدوائر الأمنية، بما يعزّز طابع "الأمننة" في إدارة المجال السياسي.

اظهار أخبار متعلقة



ما تصوركم للملكية البرلمانية؟ وهل ترونها حلا ناجعا؟

من منظور نظري مقارن، تُعدّ الديمقراطية الإطار الأكثر قابلية لضمان الاستقرار السياسي القائم على الشرعية الشعبية والمساءلة. وفي هذا السياق، تُمثّل الملكية البرلمانية الصيغة المؤسسية التي تتيح التوفيق بين مبدأ الوراثة في رئاسة الدولة ومبدأ السيادة الشعبية في تدبير السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ فهي تقوم على فصل فعلي للسلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإسناد السلطة التنفيذية إلى حكومة منبثقة عن أغلبية برلمانية منتخبة. لذا، يمكن اعتبارها صيغة ممكنة للتعايش بين الاستمرارية الرمزية للمؤسسة الملكية ومتطلبات النظام الديمقراطي.

ما العوائق أمام تحقق هذا النموذج؟

يمكن رصد عائقين أساسيين:
أولا، البنية الريعية للاقتصاد السياسي، حيث تستفيد شبكات مصالح مترابطة من استمرار نمط توزيع الامتيازات والموارد خارج منطق المنافسة والشفافية. وهذه الفئات تُبدي، بطبيعتها، مقاومة لأي تحول ديمقراطي قد يهدد مواقعها.
ثانيا، محدودية الفعالية الثقافية والمعرفية لمنظومة التعليم، بما ينعكس على ضعف تشكّل وعي مدني نقدي واسع؛ إذ ما تزال أنماط من التمثلات السياسية التقليدية حاضرة بقوة في المخيال الجمعي، مدعومة بتأويلات دينية–تقليدية تُضفي طابعا قداسيا على السلطة السياسية. ومع ذلك، توجد فئات اجتماعية متعلمة وفاعلة تسعى إلى إرساء إصلاحات بنيوية، وقد تتمكن، عبر مسارات إصلاحية أو تحولات أعمق، من الدفع نحو تغيير ملموس في السنوات المقبلة.

بخصوص المفاوضات التي جرت في مدريد بين المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، برعاية الولايات المتحدة، لإيجاد حل سياسي لقضية الصحراء.. كيف تقيّمون الآفاق؟

ثمة مؤشرات توحي بإمكانية التوصل إلى صيغة توافقية مقبولة من مختلف الأطراف، خاصة في ظل تزايد الضغوط الإقليمية والدولية لتسوية هذا النزاع، لكن استدامة أي حل سياسي تظل رهينة بمدى ترسيخ إصلاحات ديمقراطية فعلية داخل البلاد، بما يضمن مشاركة حقيقية لسكان الصحراء في تدبير شؤونهم، ويكفل لجميع المواطنين - في الصحراء وباقي جهات البلاد - ضمانات دستورية ومؤسساتية تحمي الحقوق والحريات وتؤسس لثقة طويلة الأمد في الدولة ومؤسساتها.
التعليقات (0)