لقد
اخترنا أن يكون عنوان هذا المقال مركّبا إضافيا لا يبلغ حد الجملة التامة، وهو
خيار مبني على قراءة المآلات الكارثية لحقل سياسي مأزوم بصورة بنيوية، ذلك الحقل الذي
هيمن عليه قبل "الثورات العربية"، وما زال يهيمن، عقلان سياسيان يشتغلان
بمنطق الإلغاء المتبادل فيجدان نفسيهما مجرد أدوات في خدمة المنظومة القديمة
ونواتها الصلبة. أما أولهما فإنه لم يخرج من جبّة الأصولي/الفقيه ومن السياج
المذهبي التراثي، وأما ثانيهما فإنه لم يتجاوز مرحلة التلميذ الجيّد لأسوأ مدارس
الاستشراق والحليف الموضوعي لمنظومة الاستعمار الداخلي.
ولا
شك عندنا في أنّ القارئ سيرى نوعا من التنافر المفهومي بين المضاف والمضاف إليه.
فالنواقض هي كلمة تنتمي إلى المعجم
الديني وتستعمل عادة في العقيدة (نواقض الإسلام
أو الإيمان) وفي الفقهيات (نواقض الوضوء)، ولكنها -على حد علمي- لم توظف عند
الإسلاميين في تدبر إشكالية "المواطنة" داخل المجال ما بعد
"الخلافة" التاريخية أو المتخيلة، أي مجال الدولة-الأمة بالمعنى الذي كرّسه
التقسيم الاستعماري، كما لا تحضر مفردة "النواقض" في المعجم السياسي
الحديث الذي يتعرف ذاتيا ويقيس درجة "مدنيّته" -عند أغلب مكونات
"العائلة الديمقراطية"- بتخففه من ذلك المعجم "الايماني" بل
بمعاداته بصورة صريحة أو ضمنية، باعتباره العائق الأهم أمام "التقدم"
و"التنوير" و"الدولة المدنية".
"نواقض" المشروع المواطني هو حديث لا يمكن أن يستسيغه أي طرف من الأطراف المتصارعة على إدارة الشأن العام وفق سردياتها الكبرى، ومصالحها الصغيرة التي تتكيف تلك السرديات حسب ما تفرضه من مزايدات وتنازلات وصفقات لا تجد شرعيتها إلا في تأويلات بعيدة للمتن المرجعي
إن
حديثا عن "نواقض" المشروع المواطني هو حديث لا يمكن أن يستسيغه أي طرف
من الأطراف المتصارعة على إدارة الشأن العام وفق سردياتها الكبرى، ومصالحها
الصغيرة التي تتكيف تلك السرديات حسب ما تفرضه من مزايدات وتنازلات وصفقات لا تجد
شرعيتها إلا في تأويلات بعيدة للمتن المرجعي. فذلك التركيب الإضافي قد يبدو نوعا
من "الترصيف العبثي" لكلمات لا جامع بينها مفهوميا ولا شاهد لها واقعيا.
فما علاقة مصطلح "النواقض" بالمواطنة؟ وهل إن في "روح
الحداثة" وفلسفتها السياسية ما يبرر توظيف ذلك المصطلح الفقهي/الأصولي في
بناء المشروع المواطني أو في حمايته مما ينقض عُراه؟ ولماذا قد يُفكر الإسلامي في
تدبر "المشروع المواطني" وفي شرعنته بين أنصاره -بل حمايته كما يحمي
المقدس الأصولي أو الفقهي- والحال أنه مصطلح مقرر عند أهله لمعان دينية معينة لا
يتخطاها، والحال أيضا أن المواطنة ما زالت معنى "ذا سمعة سيئة" في
التجارب السلطوية التي أعقبت الاستقلال الصوري عن فرنسا؟
إننا
أمام أسئلة مشروعة، ولكنها أسئلة تصادر-بحكم ارتهانها إلى النسق الثقافي المهيمن-
على استحالة الجدل بين المرجعيتين الدينية و"
اللائكية" من خارج السرديات
المهيمنة "الآن-وهنا"، ولذلك فإنها واقعيا لا تفعل غير تأبيد علاقة
التنافي -أي النفي المتبادل- بين الإسلاميين واللائكيين، وتختزل العلاقة بينهما في
مشاريع مجتمعية متناقضة ولا تقبل منطق الشراكة و"التفكير معا".
ونحن
لن نجيب على تلك الأسئلة؛ لأنه مهما كانت أجوبتها فإنها لن تستطيع نقض النموذج
الإرشادي (البراديغم) المهيمن على الواقع الثقافي-السياسي
التونسي. وبدل ذلك،
سنطرح سؤالين ينتميان إلى دائرة المقموع واللّا مفكر فيه عند كل النخب في
"بلاد النمط المجتمعي التونسي":
أولا،
لماذا لم يوجد بعد "الثورة التونسية" أي طرح إسلامي نضيج يعتبر أن غياب
"المواطنة التامة" في الدولة-الأمة، وهي تقابل عندنا ما أسميناه في
مقالات سابقة بـ"ما قبل المواطنة" و"ما دون المواطنة" أو
المواطنة المشروطة، هو نقض للإسلام والإيمان باعتبار أن الإسلام لا يمكن أن يعاش
بصورة صميمية -أي غير اغترابية ولا نفاقية- إلا في مناخ الحريات الفردية والجماعية
للمسلمين ولغيرهم؟
لا شك عندنا في أن كل مشاريع "التوافق" و"الالتقاء المؤقت" لم تكن في بنيتها العميقة إلا تعبيرا عن العجز في بناء أرضية مشتركة؛ تسمح بالالتقاء الاستراتيجي والمبدئي البعيد عن الحسابات الظرفية والصفقات السياسية البراغماتية
ثانيا،
لماذا يستمرئ "الحداثيون" اختزال العلمانية في اللائكية الفرنسية
المأزومة في مجالها التداولي الأصلي؟ ولماذا يصادرون على استحالة إدارة العلاقة
بين الديني والسياسي من خارج الفرضيات السردية لتلك اللائكية التي تحوّلت -عبر
البورقيبية في لحظتيها الدستورية والتجمعية- إلى أيديولوجيا منظومة الاستعمار
الداخلي، أي لماذا لا يطرحون فرضية التفكير "مع" الإسلاميين لتحويل
المعجم الديني إلى لبنية من لبنات المشروع المواطني، بل تحويله إلى أحد ضماناته
الأساسية نخبويا وشعبيا؟
لا
شك عندنا في أن السؤالين المطروحَين أعلاه هما سؤالان منذوران للأجيال القادمة،
بحكم غلبة منطق الصراع الوجودي بين المعسكرين المتقابلين فكريا وسياسيا في تونس
وفي كل المجال الجغرا-سياسي العربي. كما لا شك عندنا في أن كل مشاريع
"التوافق" و"الالتقاء المؤقت" لم تكن في بنيتها العميقة إلا
تعبيرا عن العجز في بناء أرضية مشتركة؛ تسمح بالالتقاء الاستراتيجي والمبدئي
البعيد عن الحسابات الظرفية والصفقات السياسية البراغماتية. ونحن على يقين بأن ذلك
الالتقاء الاستراتيجي لن يحصل -في المدى المتوسط أو البعيد- حتى تصبح "المواطنة" شرط إمكان "الصراط
المستقيم" عقديا وسلوكيا عند "الإسلامي"؛ لا رديف الاغتراب الوجودي
والانحراف العقدي أو السلوكي، ويصبحَ الدين نفسه -في تفسيراته التشاركية على أسس
صلبة وغير استعلائية ولا إقصائية- عند الحداثيين ضامنا أساسيا للمواطنة التامة بين
عموم المواطنين والمواطنات داخل الدولة-الأمة، باعتبارها المجال الواقعي -لا
المتخيل- للفعل السياسي تنظيرا وممارسةً. عندها فقط، لن يجد "المواطن"
تنافرا بين
المرجعية الدينية المتخفّفة من التراث المذهبي والمتحقّقة بمعنى
"الرحمة للعالمين"، وبين المرجعية السياسية الحديثة بعد أن تخلصت من
لوثتها اللائكية ومن دورها الوظيفي في خدمة منظومة الاستعمار الداخلي.
x.com/adel_arabi21