هندسة الوعي (7): زراعة الأيديولوجيات واستنبات العقائد البديلة

مصطفى خضري
"مهندس الأيديولوجيا يستهدف العقل الباطن والكينونة؛ إنه يعمل على إعادة صياغة منظومة الحياة بأكملها داخل الوجدان"- جيتي
"مهندس الأيديولوجيا يستهدف العقل الباطن والكينونة؛ إنه يعمل على إعادة صياغة منظومة الحياة بأكملها داخل الوجدان"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن فككنا في المقالين السابقين كيف يتم توجيه الرأي العام السياسي وتطويع الغرائز الاستهلاكية؛ نصل الآن إلى المختبر الأعمق غورا والأكثر تعقيدا؛ مختبر هندسة الأيديولوجيات والعقائد البديلة. فإذا كان مهندس السياسة يستهدف العقل الواعي، ومهندس الاستهلاك يستهدف الغرائز، فإن مهندس الأيديولوجيا يستهدف العقل الباطن والكينونة؛ إنه يعمل على إعادة صياغة منظومة الحياة بأكملها داخل الوجدان.

تأمل معي هذا المستوى الصارخ من الاختراق الوجداني؛ حين ينجح مهندس أيديولوجية الهندوتيفا في استغلال تقديس البقر في الهند، ليحوّل أستاذا جامعيا أو طبيبا أو أديبا مرهف الحس مثلا إلى سلاح أيديولوجي جماعي. في هذه الحالة، لا يرى هؤلاء المؤمنون بالسردية الهندوتيفية البقر ككائن مقدّس في تقاليدهم وحسب، بل يرون فيه حدودا دموية لهويتهم القومية. فترى الواحد منهم يتحول من متعلم واسع الأفق إلى غوغائي يطوف الشوارع وسَيْفُه في يده، مستعدا لارتكاب أفظع الجرائم باسم حماية البقر، وهو في كل ذلك يظن أنه يمارس أعلى درجات السمو الروحاني.

إن اللامعقولية هنا هي قمة نجاح المهندس الأيديولوجي؛ إذ تمكن من تعطيل الحواس والمنطق الفطري عند طبقات يفترض فيها التعليم والثقافة، فاليقين الذي ملأ حياة هؤلاء الغوغائيين؛ لم يكن إلا غلافا أيديولوجيا صُمم لعزل عقولهم عن بديهيات الإنسانية، ليبقوا حبيسي حظيرة مقدسة بناها لهم المشغل؛ ليضمن انصياعهم الكامل لسلطة النخبة السياسية.

اللامعقولية هنا هي قمة نجاح المهندس الأيديولوجي؛ إذ تمكن من تعطيل الحواس والمنطق الفطري عند طبقات يفترض فيها التعليم والثقافة، فاليقين الذي ملأ حياة هؤلاء الغوغائيين؛ لم يكن إلا غلافا أيديولوجيا صُمم لعزل عقولهم عن بديهيات الإنسانية

وإذا نظرنا إلى الهندوتيفا في مثالنا هذا؛ سنجد أنها تحوّلت من فكرة نظرية في عشرينيات القرن العشرين إلى أيديولوجيا ثم مشروع سياسي مطبق اليوم على أعلى مستوى في الهند، حتى أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو الذي يقود تلك الأيديولوجيا، من خلال إعادة تعريف الهوية الوطنية عبر سردية قومية هندوسية تتبنى منطقا فاشيا، يسهل ويشرعن العنف المسلح ضد المسلمين، باسم حماية البقرة المقدسة.

والأيديولوجيا في بذرتها الأولية قد تبدأ كظاهرة اجتماعية تنشأ عفويا من تفاعل الأفكار والجماعات عبر الزمن، أو كرد فعل طبيعي على ظروف تاريخية أو أحداث اجتماعية معينة، لكن تحويلها إلى أداة منهجية لهندسة الوعي لا يحدث بهذه البساطة.

فعملية الزراعة والاستنبات الممنهج تحتاج مهارة مهندسي الأيديولوجيا في التقاط البذور العفوية، وريها بالتمويل المؤسسي، وتقليمها لتخدم أجندات محددة، حتى تتحول من فكرة بسيطة إلى عقيدة بديلة، تُستخدم لمحو الإرادة الفردية وتدجين العقل الجمعي.

هنا يصبح الفرق بين الأفكار الجماعية كظاهرة بشرية طبيعية، والأيديولوجيا كأداة تدجين مخططة؛ هو الفرق بين شجرة الغابة التي تستقي من المطر وتنمو بشكل طبيعي، وشجرة الحديقة المسيجة التي تُزرع وتُسمد وتُسقى بعناية لخدمة المالك. الأولى قد تُثمر ظلا وراحة وحطبا للجميع، أما الثانية فإنتاجها حكر على من يملك مفتاح البوابة.

وبما أن عملية البناء تحتاج إلى لبنات، فاللبنة الأولى في بناء الأيديولوجيا هي اللغة.

واللغة في هذا المختبر ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي المرحلة الأولى في عملية الأدلجة الممنهجة. المهندس هنا لا يسعى في تغيير أفكارك مباشرة، بل يبدأ بالتأطير العقلي عن طريق هندسة المصطلحات؛ ليقينه بأن العقل لا يمكنه التفكير خارج حدود الكلمات المتاحة له. لذا، يقوم المختبر بعملية إحلال وإبدال واسعة: يتم سحب الكلمات ذات الدلالات الفطرية أو القيمية الأصيلة، وزراعة مصطلحات ملغومة حمالة للأوجه بدلا منها، حيث تصمم تلك المصطلحات بحرفية ودقة لتخطف العاطفة قبل أن يستيقظ العقل.

وبناء على ذلك، قد يتحول الاحتلال إلى تحرير، والتحرير إلى إرهاب، والإفساد إلى حرية، والثبات على المبدأ إلى تحجر، والميوعة إلى تفتح. إنها باختصار عملية تسميم للآبار اللغوية داخل العقل؛ فبمجرد أن تقبل استخدام مصطلح المهندس، فإنك تقبل ضمنا بكامل المنظومة الفكرية الكامنة خلفه. المصطلحات هنا تعمل كبرمجيات خفية، تتسلل إلى وعيك ككلمات عابرة، لكنها تنبت في عقلك انحيازات صلبة، تجعلك ترى العالم من الثقب الذي أراده لك المشغل، وبالصورة المصطنعة التي أرادها لا كما هي الصورة الحقيقية.

ومن المفارقة، أن لفظ الأيديولوجيا نفسه هو أحد تلك المصطلحات التي تم نحتها في إطار هندسة الوعي. فقد صُكّ هذا المصطلح في أعقاب الثورة الفرنسية، كتعبير عن محاولة لبناء نظام معرفي مستقل عن السلطة المؤسسية للكنيسة، التي كانت تدّعي احتكار تفسير الحقيقة، وكان الهدف حينها تحرير الفكر من هذه السلطة الكنسية المطلقة.

بعد تسميم الآبار اللغوية وإحكام السيطرة على المصطلحات؛ يشرع المهندس في اللبنة الثانية: هندسة السرد، حيث يتم بناء الجهاز العصبي للأيديولوجيا.

فالأيديولوجيا لا يمكنها البقاء كأفكار مجردة، بل يجب أن تسكن داخل قصة ملحمية، تمنح الأتباع شعورا زائفا بالمعنى والبطولة. هندسة السرد هنا أشبه بعملية مونتاج تاريخي احترافية؛ حيث يقوم المهندس باختطاف لحظات من الذاكرة الجماعية، فيضخم حوادث معينة ويشحنها عاطفيا، بينما يطمس حوادث أخرى ويمحو أثرها، لصناعة رواية مؤطرة تُبرر التدجين، وتجعل الاستلاب العقلي يبدو كأنه تضحية سامية.

وجذور هندسة السردية ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني؛ فالروايات والملاحم القديمة لم تكن مجرد فن، بل كانت آليات لهندسة الوعي الجمعي. الإلياذة لهوميروس مثلا، لم تكن مجرد رصد لحرب طروادة، بل كانت صياغة لسردية البطل اليوناني المتفوق الذي يواجه الآخر البربري؛ لقد صُممت لتمنح الممالك اليونانية المتناحرة هوية سردية موحدة، تجعل من الحرب والدمار فعلا مجيدا يخلده الشعر. في هذا المختبر القديم، تم تحويل الصراع العسكري إلى قدَرٍ إلهي، ليمتثل الجنود لقرار القادة وهم يظنون أنهم يمتثلون لإرادة الآلهة.

وحديثا، كانت الهندسة السردية هي ذاتها التي صنعت القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر؛ حيث لم تكن كتب التاريخ مجرد أدوات تعليمية، بل كانت مختبرات لغسل الأدمغة أعادت صياغة الماضي لتصوير الأمة ككيان ميتافيزيقي خالد يمتلك تفوقا أخلاقيا يمنحه الحق في السيطرة.

ففي ألمانيا النازية، لم تكن الأيديولوجيا مجرد خطابات، بل كانت سردية خلاصية مُحكمة، دمجت بين أسطورة النقاء العرقي ووهم الطعنة في الظهر، لتتحول ملايين الإرادات الفردية إلى وقود حيوي في الحروب. في هذا المختبر، تم إقناع الفرد بأن انصياعه المطلق للمشغل ليس استلابا، بل هو فعل أخلاقي وواجب مقدس لحماية الرواية الكبرى من الفناء. إنها هندسة القصة الواحدة التي تجعل من القتل فعلا بطوليا، ومن العبودية طريقا للسيادة، ومن التدجين كمالا إنسانيا.

وقد تجلت ذروة هذا المجال في هندسة الأيديولوجيا الصهيونية، التي أتقنت استراتيجية القفز فوق الزمن لخدمة الأجندة الاستيطانية. لقد استدعى المهندس الصهيوني سردية السبي البابلي ليس كذكرى مضت وانقضت، بل كجرحٍ مفتوح وهوية مظلومية تُستثمر لغرس مصطلح حق العودة (بعد اقتطاعه من سياقه وإعادة صياغته) في وعي أجيال لم ترَ تلك الأرض قط، ولا تربطهم بها سوى السردية التي تم هندستها.

هنا تكمن القفزة الأيديولوجية القاتلة: تحويل حدث وقع قبل أكثر من 2500 عام إلى ترخيص أبدي لاقتلاع شعب آخر من أرضه في القرن العشرين. إنها عملية تهكير للوعي التاريخي يتم فيها استبدال الواقع المعاش (طفل فلسطيني يُطرد من بيته) بوهم سردي مقدس، بجعل المستوطن يرى نفسه وارثا للأنبياء لا غاصبا لأرض الآخرين.

وبعد بناء السردية، تأتي مرحلة تفكيك الذات الجماعية واستبدالها، فبمجرد استقرار السردية وسد ثغراتها، يبدأ المهندس في وضع اللبنة الثالثة: وهي هندسة الهوية، حيث تتم أخطر عمليات التهجير القسري للوعي.

نجد أن النزعات الأيديولوجية دائما ما تكون في حالة صراع وجودي مع الدين (الذي يمتلك منظومة مناعة ذاتيه)، فتسعى إما لوأده أو لاحتوائه وتشويهه. بل إن الأيديولوجيا في ذروة تطرفها وهندستها، لا تكتفي بمنافسة الدين، بل تحاول أن تستنبت هي العقيدة البديلة

الهدف هنا هو تفكيك الروابط الاجتماعية الفطرية واستبدالها بهوية بديلة مصطنعة؛ فالمهندس يعلم يقينا أن الإنسان الذي ينتمي لأسرة قوية، أو قبيلة متراحمة، أو تاريخ راسخ، هو كائن عصيّ على التدجين، لذا تصبح الأولوية القصوى للمختبر هي عملية تذرير المجتمع، حيث يتم تحطيم الروابط العضوية التي تجعل من الأفراد جسدا واحدا، وتحويلهم إلى ذرات منفصلة ومنعزلة، يسهل اختراقها وإعادة برمجتها بعد تجريدها من مصفاتها الاجتماعية الواقية.

ويظهر هذا المختبر بوضوح عند إجراء تناظر تاريخي بين قطبين تفرّقا أيديولوجيا واتفقا في هندسة تصفير التاريخ؛ ففي الشرق، برزت تجربة صناعة الإنسان السوفييتي الجديد (الرفيق الكادح)؛ حيث كان المختبر يسعى لمحو التاريخ الفطري وصناعة تاريخ بديل يبدأ من لحظة الثورة. هنا، تم استبدال جذور الإنسان العميقة بقومية حزبية ضيقة، ليكون الولاء للماكينة والمنظومة والحزب.

لقد أراد مهندس الأيديولوجيا السوفييتية إنسانا مقطوع الجذور، لا يرى في ماضيه إلا ظلامية ولا في مستقبله إلا يوتوبيا الحزب، مما حول الفرد إلى مسمار في آلة لا ترحم، جُرّد من هويته ليكون خادما للمنظومة بالخوف والقيد.

وعلى النقيض تماما، نجد المختبر الغربي في هندسة الحلم الأمريكي والبطل السوبر (ذلك البطل الخارق الذي لا ينتمي لأسرة ولا لتاريخ، بل يخلق نفسه من الصفر)، وهي العملية التي لم تكتفِ بتفكيك الهويات، بل عملت على صهر التاريخ لإعادة سبكه. فبينما كان السوفييتي يمحو التاريخ بالقوة، كان الأمريكي يمحوه بالوهم.

لقد استهدف هذا المختبر تجميع شتات القوميات المتناحرة والتي وطأت الأرض الأمريكية من كل أصقاع الأرض، ثم تذويب تاريخها الأصلي وحمولاتها الثقافية في بوتقة صهر واحدة، ليبدأ التاريخ الحقيقي للفرد فقط من لحظة ملامسة قدمه لأرض الأحلام.

إن الحلم الأمريكي وصناعة البطل السوبر هنا لم يكن مجرد طموح مادي، بل كان تاريخا وهميا مؤسسا صُمم ليكون هو الرحم البديل لكل هؤلاء الغرباء. المهندس الأيديولوجي هنا أقنع المهاجر بأن يتخلى عن أمسه بكل ما فيه من قيم وأسرة وتاريخ؛ ليعانق غدا يبدأ بتمثال الحرية والنجاح الفردي.

لقد أُعيد بناء الهوية بحيث يكون المبدأ هو الحلم، والمنتهى هو الاستهلاك، مما خلق إنسانا فردانيا متطرفا بامتياز؛ فهو يملك تاريخا وهميا يبدأ من الصفر، بلا عمق يحميه أو جذور تمده بالثبات، مما يجعله ذرة هشة جُرّدت من جذورها لتذوب في تاريخ الحلم المصطنع.

إن التناظر بين الرفيق الكادح والبطل السوبر يكشف أن النتيجة واحدة: نزع سلاح التاريخ لصناعة هوية مزيفة. ففي كلتا الحالتين، تم هدم الذات الجماعية العفوية لصالح الهوية المختبرية؛ والهدف النهائي هو عزل الفرد عن مرجعياته التاريخية الحقيقية؛ ليسهل حقنه بآليات الأيديولوجية المهندسة في الحاضر.

وهنا يظهر السؤال المنطقي: برغم كل هذه الخطط البارعة، والاستراتيجيات المبتكرة، والميزانيات الضخمة التي تُنفق في مختبرات صهر الهويات وتزييف التاريخ؛ أين تفشل هندسة الأيديولوجيا؟

رغم هذه القوة الظاهرة التي تبدو كقدر لا يُرد، إلا أن المختبر يعاني من ثغرات هيكلية قاتلة؛ ذلك لأن الأيديولوجيا، مهما بلغت دقة هندستها، تظل كائنا زجاجيا صلبا ظاهريا لكنه هش أمام صخرة الواقع. فالهندسة الأيديولوجية دائما ما تفشل عند لحظة الحقيقة؛ تلك اللحظة التي تتوقف فيها اللغة عن تجميل القبح، ويعجز فيها الحلم عن ستر عورة الواقع المرير.

عندما يكتشف الإنسان المذرر أن الرواية الملحمية التي سُقيها في المختبر لا تضع خبزا على مائدته، ولا تمنحه كرامة بين أبنائه، يبدأ بريق الأيديولوجيا في الانطفاء، وتتحول السردية إلى كذبة مفضوحة. هذه الفجوة بين الكلمة والواقع هي الثقب الأسود الذي يبتلع الأيديولوجيات؛ فالحقيقة البسيطة تمتلك قدرة تفجيرية هائلة بمجرد أن تُنطق بصوت عالٍ.

وحديثا، رأينا هذا الانهيار في سقوط جدار برلين؛ حيث لم يسقط الجدار بمدافع الجيوش، بل سقط عندما قرر الإنسان المذرر في الشرق أن يتوقف عن العيش داخل الكذبة كما وصفها فاتسلاف هافيل. لقد فشلت الهندسة التي استمرت عقودا في إقناع الناس بأن السجن هو الفردوس، بمجرد أن تجرأ فرد واحد على قول لا.

وفي المقابل، نجد ثغرة المختبر الأمريكي تتجلى في لحظات الانكسار العظيم للسراب؛ فالحلم الأمريكي الذي صُهرت فيه القوميات المتناحرة تفشل هندسته؛ عندما تكتشف الذرة المنعزلة أن الصعود الطبقي الموعود ليس إلا سباقا لا ينتهي داخل دائرة مغلقة.

وتظهر لحظة الحقيقة هنا في أزمة الكساد الكبير عند جيل الطباعة، أو في أزمة الرهن العقاري في 2008 عند جيل الميديا والإنترنت؛ حين استفاق الملايين ليجدوا أن الهوية البديلة القائمة على الاستهلاك والنجاح المادي قد تبخرت، تاركة إياهم في العراء بلا أسرة تمدهم بالدعم ولا مجتمع يحميهم. هنا تسقط السردية مهما كانت محكمة، ويتحول الحلم إلى كابوس، حيث يدرك الفرد أن التاريخ الوهمي الذي بناه من الصفر هو بيت من رمال، لا يصمد أمام أول عاصفة اقتصادية.

وقد كانت التجربة الأكثر شهرة في سقوط الأيديولوجيات الحديثة هي انهيار سردية الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ تلك السردية التي بُنيت على وهم التفوق الذي قدّم البيض كفئة مختارة إلهيا لقيادة البلاد، بينما قدّم السود ككائنات من الدرجة الثانية تفتقر للعقلانية ويجب عليها الطاعة كقدر محتوم.

لعقود، نجح المهندس الأيديولوجي في إقناع البيض بأنهم يمارسون الحضارة، ونجح في إقناع بعض السود أنفسهم بأن مقاومتهم طيش وتمرد على طبيعة الأشياء.

لكن هذه السردية انهارت فجأة عندما اصطدمت بصخرة الواقع الميداني: ففي شباط/ فبراير 1990، وقف الرئيس الجنوب أفريقي دي كليرك نفسه ليعترف بأن النظام لم يعد قابلا للاستمرار، ليس لأن جيشا أجنبيا غزا البلاد، بل لأن الكلمات التي بُنيت عليها السردية (التفوق، الحضارة) لم تعد تطابق الواقع الذي يعيشه الجميع: اقتصاد منهار، وعزلة عالمية قاتلة، وعنف داخلي يلتهم المجتمع من الداخل. الأهم أن السود أنفسهم توقفوا عن تصديق أن الطاعة مصيرهم، وبدأ البيض يتساءلون في صمت: إذا كنا متفوقين، فلماذا نعيش في عزلة وخوف؟ عندها فقط، انهارت السردية كمنزل من ورق، لأن الهندسة الأيديولوجية القهرية، مهما بلغت دقتها، تظل هشّة أمام حقيقة أن القهر ليس حضارة، بل هو خوف مقنّع.

وهذه هي الثغرة الهيكلية التي تجعل كل مهندس أيديولوجي يرتجف: اللحظة التي يتوقف فيها الضحية عن تصديق أن عبوديته طبيعة، وينظر إلى المرآة فيرى فيها إنسانا لا عبدا.

فهندسة الأيديولوجيا هي في جوهرها عملية اختطاف للمعنى؛ المشغل يبدأ بتسميم اللغة (اللبنة الأولى)، ثم يبني السرديات المؤسسة (الأسطورة)، ثم يفكك الهوية القديمة ويزرع الهوية البديلة (الولاء الجديد). إنها منظومة متكاملة تحول الإنسان من فاعل يملك زمام إرادته، إلى مفعول به يخضع للآخرين.

ولكن ثمة حقيقة يدركها كل مهندس وعي، وهي أن زرع الأيديولوجيا لا يمكن أن يضرب جذوره في أرض تملؤها قناعات دينية (بها آليات مناعة ذاتية مثل الاجتهاد المتعدد والمقاصدية)؛ فالدين بما يمتلكه من مرجعية متعالية، يمثل حائط الصد الأخير الذي يمنع ذوبان الفرد في سردية المشغل.

لذا، نجد أن النزعات الأيديولوجية دائما ما تكون في حالة صراع وجودي مع الدين (الذي يمتلك منظومة مناعة ذاتيه)، فتسعى إما لوأده أو لاحتوائه وتشويهه. بل إن الأيديولوجيا في ذروة تطرفها وهندستها، لا تكتفي بمنافسة الدين، بل تحاول أن تستنبت هي العقيدة البديلة؛ حيث يتم استبدال المقدس بالقومية أو الحزب أو الجماعة أو السوق، وتتحول طقوس الاستهلاك أو الولاء السياسي إلى عبادات بديلة، تمنح الإنسان شعورا زائفا بالخلاص، في محاولة بائسة لملء الفراغ الروحي الذي لا يمكن لأي من أيديولوجيات الأرض أن تملأه.

الشريعة الإسلامية بمقاصدها العليا ليست مجرد منظومة أحكام، بل هي مصل وقائي لحماية جوهر الإنسان (مهما كانت عقيدته) من الاختطاف. إنها البوصلة التي تصرخ في وجه المهندس: إن هذا الإنسان ليس مسمارا في ماكينة، ولا ذرة في مشروع عابر، بل كرمه الله وجعله خليفة في الأرض

وقد يتساءل البعض: أليست الأديان السماوية بحد ذاتها هي الأيديولوجيا الأم؟ ألا تملك هذه الأديان لغتها الخاصة، وسردياتها المؤسسة، ونظاما قيميا يوجه البشر؟

إذا استبعدنا العقائد الوضعية ونظرنا إلى الأديان السماوية فقط، سنجد أن في جوهرها وحقيقتها التي نزلت بها، جاءت كفعل تحرير لا فعل تدجين. فالأصل في الرسالات السماوية هو إخراج الإنسان من سلطة المخلوق المحدود إلى رحابة الخالق.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التاريخ شهد محاولات بشرية متعددة لأدلجة هذه الرسالات (اليهودية والمسيحية والإسلام)؛ حيث سعت بعض النخب والمؤسسات عبر العصور إلى اقتطاع بعض النصوص المقدسة من سياقها، ثم تحويلها إلى أيديولوجيات لخدمة مصالحها، فصاغت منها سرديات تبرر طغيان الملوك أو تكرس استغلال الشعوب، محولة الوحي من نور كاشف إلى أداة هندسية بيد المشغل.

لكن الهندسة الأيديولوجية هشة أمام الفطرة المستندة لعقيدة دينية شاملة (بآلياتها التصحيحية الداخلية)، لذلك يخشى مهندس الأيديولوجيا من الفرد صاحب العقيدة الواعي أكثر مما يخشى من الجيوش. فالفرد الذي يمتلك شجاعة التحديق في الحقيقة البسيطة هو فيروس مدمر لنظام التشغيل الأيديولوجي، لأنه يعيد تذكير الجميع بأن الملك عار، وأن الهوية المصطنعة ستنكشف عاجلا أم آجلا.

ومن بين الأديان السماوية، صنعت طبيعة المرجعية الإسلامية (بشموليتها ومقاصدها وعمقها المنهجي وآليات التصحيح والنقد الذاتية) عند الأفراد المؤمنين بها؛ مناعة مكتسبة ضد أي تلاعب أيديولوجي، حيث امتازت بأدوات مراجعة داخلية وآليات تدافع، تقاوم اختطاف النصوص والأخطاء التنفيذية البشرية، وذلك لأن فلسفة الشريعة الإسلامية جعلت أفق المؤمن بها مفتوح؛ ليحميه من الوقوع في فخ الأيديولوجيات البشرية.

ويبرز تمايز نموذج الشريعة الإسلامية في ثلاث نقاط جوهرية تمثل آليات حماية داخلية له:

أولا، السيادة والتحرر: الأيديولوجيا تطلب منك الانصياع للمشغل (سواء كان حزبا، أو سوقا، أو جماعة، أو قومية)، بينما الإسلام يطلب منك الانصياع للخالق لتتحرر من سطوة كل المخلوقين. فأنت لا تسجد لبشر ولا تنصاع لآلة، بل لمرجعية متعالية لا مصلحة لها في استغلالك أو استهلاكك.

ثانيا، الفطرة لا التنميط: مهندس الأيديولوجيا يحاول تنميطك لتكون مسمارا في ماكينته، بينما الإسلام يخاطب فطرتك (المبادئ الأساسية التي تشترك فيها الأديان السماوية وأهمها التوحيد) ويدعوك لتزكيتها. هو لا يطلب منك إلغاء عقلك بل استعماله في نقد الزيف وتدبر الملكوت؛ فالقرآن لا يقول لك صدق الرواية دون وعي، بل يكرر: "أفلا تعقلون"، "أفلا تبصرون".

ثالثا، شمولية الحق لا ضيق المصلحة: الأيديولوجيا هي أشبه بنبع مائي اصطناعي يشرب منه أشخاص محدودون، أما المرجعية الإسلامية فهي مطر يصيب الأرض كلها، ويشرب منه الجميع؛ قيمها في العدل والصدق والكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير المصلحة، بل هي ثوابت وجودية تحمي الإنسان حتى من طغيان نفسه وتطرف انحيازاته.

إن الشريعة الإسلامية بمقاصدها العليا ليست مجرد منظومة أحكام، بل هي مصل وقائي لحماية جوهر الإنسان (مهما كانت عقيدته) من الاختطاف. إنها البوصلة التي تصرخ في وجه المهندس: إن هذا الإنسان ليس مسمارا في ماكينة، ولا ذرة في مشروع عابر، بل كرمه الله وجعله خليفة في الأرض.

فالمشغل يخشى الوعي أكثر مما يخشى السلاح؛ لأن السلاح قد يكسر القيد، أما الوعي فيحرق السجان والزنزانة والسردية معا. بامتلاك هذه المناعة، تسقط الجدران وتتبخر أوهام الأيديولوجيا، ليسترد الإنسان وجدانه الذي حاولوا احتلاله قديما وحديثا.

في نهاية المطاف، الخيار للإنسان وحده: إما أن يكون خادما لأجندات المشغلين، أو يكون الحر الذي لا يملك أحد شفرة الوصول إلى قلبه وعقله إلا بإرادته. هذا التحرر، وهذه القوة الكامنة في رفض التنميط، هي حجر الزاوية في المقالات القادمة.
التعليقات (0)