هندسة الوعي (5): خدعة الديمقراطية في الدولة الحداثية

مصطفى خضري
"لا يكمن الخلل في قدرات الإنسان العقلية، بل في تعرضه لعملية تعطيل ممنهج للوعي الفردي"- جيتي
"لا يكمن الخلل في قدرات الإنسان العقلية، بل في تعرضه لعملية تعطيل ممنهج للوعي الفردي"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن كشفنا في المقال السابق عن ملامح هندسة الوعي غير الأخلاقي، والثالوث الذي يوجه العقل الجمعي بلا رحمة، وبلا أي مرجعية قيمية؛ حان الوقت لنلقي الضوء على المسيطر الأول: مختبرات الرأي العام السياسية.

تخيل معي أحد الكادحين وهو يستيقظ قبل خيط الفجر الأول، يغالب نعاسه، ويفرك عينيه، ثم ينظر بأسى إلى أطفاله النيام في غرفتهم الضيقة. يرتدي ثيابه على عجل، وفي جيبه قروش قليلة تكفي بالكاد لشراء خبز لصغاره، لكنه اليوم سيبذلها ثمنا لحافلة تقله إلى إحدى الفعاليات السياسية. يترك عمله الذي ينتظره، ويضحّي بأجر يوم أو أكثر حسب سياسة العمل، ويقف لساعات طويلة تحت شمس لا ترحم، أو فوق ثلوج قارصة، يصرخ بملء حنجرته التي جفت، تأييدا لقضية ما أوهموه أنها لصالح أولاده، أو لجهة ما لا يعرف أهدافها الحقيقية، أو باسم مرشح لم يره إلا على شاشات التلفاز. ثم يمضي أيامه متنقلا بين الساحات، يبدد طاقته، ويستنزف جهده، ويعود لبيته منهكا، لكنه يشعر بنشوة غريبة، نشوة من يظن أنه صنع التاريخ، بينما هو أداة في يد الآخرين.

ومثل هذا يفعل الآلاف، بل الملايين، بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وملائتهم المالية ومستوياتهم التفكيرية، فهل يمكن للعقل البشري الواعي، الذي يبحث عن المنفعة الذاتية إن كان علمانيا، أو الذي يؤدي رسالته إن كان متدينا، أن يقدم على هذه الأفعال بمحض إرادته وعقله الواعي؟ هل يقبل إنسان عاقل أن يبدد منفعته الشخصية المباشرة ليؤيد وهما أو يرفع صورة؟

المشكلة الكبرى تبدأ حين يتم القفز فوق هؤلاء الواعين، لتبدأ اللعبة الشهيرة للديمقراطية، باختزال المنظومة كلها في لحظة واحدة: لحظة وضع الورقة في صندوق الاقتراع، أو إعلان التأييد في الميدان، أو حتى كتابة منشور على مواقع التواصل، حيث يصور مهندس الرأي العام هذه اللحظة على أنها منتهى الحرية، بينما الحقيقة الصادمة أن العملية الديمقراطية -في نسختها الحداثية- لا تبدأ عند التأييد، بل تنتهي عنده

قد لا يكمن الخلل في قدرات هذا الإنسان العقلية، بل في تعرضه لعملية تعطيل ممنهج للوعي الفردي، تجعله يرى التضحية بمصالحه الحقيقية؛ قربانا ضروريا لانتصار المرشح أو القضية المثارة حسب الصورة التي صُنعت له.

هنا، تُصاغ خدعة الديمقراطية -بصيغتها التنفيذية المعاصرة- والتي تجعل المرء يظن أنه يمارس أسمى حقوقه السياسية، بينما هو في الحقيقة غارق في الوهم.

هنا تُستلب الإرادة الفردية أولا، ثم تُعاد صياغتها وصفها داخل الحشود المبرمجة، والتي لا تعبر -غالبا- عن إرادتها الحرة، بل عن إرادة أصحاب القرار.

هنا تظهر الديمقراطية بصورتها التي روجتها الدولة الحداثية؛ كحلم رومانسي وغلاف برّاق للتعبير عن الإرادة الشعبية، والوصول إلى السلطة التي تخدم تلك الإرادة الحرة، بينما في الواقع هو الميدان الأكبر لهندسة الوعي.

ولقد سخّرت الدولة الحداثية كل الأدوات التقنية والإعلامية العابرة للعقول، لتحويل ماهية الديمقراطية من اختيار حر بين بدائل واضحة؛ إلى عملية تدجين تُنتج أغلبية مصطنعة.

فالديمقراطية -هنا - تقوم على السلطة المؤيدة بالأغلبية، لكن هذه الأغلبية لا تتحقق إلا بالحشد السياسي، وهذا الحشد لا يتم إلا إذا سيطر مهندس الرأي العام على وعي الأفراد؛ لصالح انفعال العقل الجمعي للكتلة الحرجة الفاعلة.

ولكي يؤدي المهندس دوره باحتراف؛ لا بد وأن يعطل ملَكة التفكير عند الفرد المستهدف، ثم يتسلل إليه عبر ثغرات الأمل، الرغبة، الخوف، والاحتياج، ليحوّله من إنسان عاقل إلى مسخ مغيب، ينفذ سيناريو رُسم له بدقة، فيوصل الجهة التي تدير الأمور إلى أهدافها، دون أي ضمانة بأن تلك الجهة تحمل مرجعية قيمية حقيقية نحوه.

وإذا تأملنا هذا المشهد بعين المنطق؛ سنصطدم بنتيجة مذهلة: فلو صدق خيار كل الناخبين المؤيدين لمرشح ما، لانتهى العالم وسقطت الدول. كيف يمكن، في مساحة عقلية واحدة، أن يجتمع المتناقضون على تأييد الشخص نفسه؟ تجد العامل الذي يطالب برفع الأجور، وصاحب المصنع الذي يسعى لخفض التكاليف، والمحافظ الذي يدافع عن التقاليد، والليبرالي الذي يحلم بالتحرر، كلهم يقفون في الصف ذاته، يرفعون الصورة نفسها، وكل منهم يعتقد أن هذا المرشح هو المنقذ الذي سيحقق أهدافه الخاصة والمتعارضة تماما مع الآخرين. عقليا، هذا التوافق مستحيل، لكنه ينجح حين يتم هندسة الوعي الجمعي، ليصبح كل هؤلاء مجرد ألتراس في سياسة القطيع.

ومع ذلك، فإن حديثنا عن صناعة المؤيدين لا ينطبق على العاقل الواعي، الذي يتخذ موقفه بناء على معرفة حقيقية أو رؤية ذاتية أو مرجعية قيمية صلبة. هؤلاء الواعون يمثلون الاستثناء الذي يؤكد القاعدة؛ إذ هم أكثر تحصينا ضد الذوبان في القطيع، ويصعب إخضاعهم لأدوات التدجين، حتى لو تقاطعت مواقفهم ظرفيا مع الحشود، لأن محركهم هو العقل الواعي القيمي لا الثغرات النفسية التي يستغلها مهندس الرأي العام.

لكن

. إنه نظام متكامل لإدارة الإدراك، يبدأ قبل سنوات طويلة من وصول الفرد إلى الصندوق.

السؤال هنا، كيف يعمل هذا النظام؟

إذا أردنا معرفة كيفية عمل هذا النظام؛ فلننظر للصورة من زاوية أوسع، فالمؤيد حين يختار مرشحا ما أو يتعصب لقضية ما؛ لا يمارس فعلا حرا نابعا من مراجعة قيمية أو سياسية صرفة، بل نتيجة تراكم هندسي طويل، يبدأ بتغيير المصطلحات في المناهج التعليمية، مرورا بضخ سرديات إعلامية موجهة، تخلق أعداء وهميين، أو أبطالا خارقين، وصولا إلى الضغوط الاقتصادية، التي تجعل الإنسان يبحث عن منقذ لا عن برنامج. مهندس الرأي العام لا ينتظر يوم التأييد ليحصد الأصوات، بل يهيئ التربة النفسية والاجتماعية، التي تجعل خياره يبدو كالمَخرج الوحيد الممكن.

هنا تتفكك أسطورة الأغلبية؛ فهي ليست مجرد حقيقة رقمية، بل حالة نفسية وشعورية تمت زراعتها بعناية، حيث يعتمد مهندس الرأي العام على الطبيعة الاجتماعية للإنسان الذي يخشى العزلة بالفطرة، فيحوّل التعدد الطبيعي في المجتمع إلى شعور زائف بالإجماع عبر التكرار، والتضخيم الإعلامي، والإيحاء النفسي.. إلخ، حتى يبدو رأي معين وكأنه التيار الجارف الذي لا يمكن الوقوف ضده.

ويبرز في تلك اللحظة الفرق الجوهري بين الاقتناع بالفكرة وبين الخوف من البقاء خارج القطيع. مهندس الرأي العام لا يسعى لإقناع المؤيد بجدوى البرنامج السياسي؛ بقدر ما يسعى لإشعاره بأنه أقلية معزولة أو شاذة إذا لم ينضم للركب، هنا يستخدم وهْم سفينة نوح -التي أنقذت بتدبير إلهي الجنس البشري من الغرق في الطوفان- فيوهم المؤيد أن الانتماء للقطيع هو الفرصة الوحيدة لركوب السفينة الموعودة، والنجاة من الطوفان.

في تلك اللحظة، يتم استخدام منظومة الكتلة الحرجة الفاعلة -وهي ليست أغلبية عددية بالضرورة- كمجموعة منظمة ومبرمجة، للضغط على المترددين، مما يدفع الفرد للتخلي عن تساؤلاته المنطقية، التي يمكن أن تثيرها مرجعيته القيمية، فينضم للحشد ويركب السفينة الموعودة، ثم يذوب في الكتلة المبرمجة؛ ليشعر وسطها بالأمان المزيف، متبنيا الرأي الذي زرع في وعيه فقط؛ ليتجنب آلام الاغتراب وسط القطيع.

ولصناعة تلك الكتلة الحرجة الفاعلة، لا يبدأ مهندس الرأي العام بمخاطبة العقل، بل بتشكيل إنسان قابل للتأييد. هو يدرك أن العقل الناقد هو العدو، لذا يغلقه عبر تجفيف البدائل؛ حيث يحصر خياراته في مساحة ضيقة، ويصور له أن أي خروج عنها هو كارثة محققة، وغرق في الطوفان، فيختار القضية أو المرشح كسفينة موعودة؛ هربا من بديل مخيف، لا حبا في خيار حقيقي.

وتكتمل العملية بحيلة قديمة قدم التاريخ؛ هي شيطنة الخصم، فمثلما خاطب فرعون قومه محذرا من موسى في قوله تعالى: "إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ". يحيي مهندس الرأي العام اليوم هذه الحيلة الفرعونية، بشكل أكثر احترافا وتقنية من فرعون نفسه، فيحول الخصم إلى شيطان يهدد الوجود -خاصة إن كان الخصم غير قادر على الدفاع عن نفسه وتفنيد الافتراء- فالحيلة الفرعونية المعاصرة تستخدم الثغرات النفسية والبيولوجية؛ لتحويل المساحة الرمادية -وهي مساحة التفكير والتساؤل- إلى منطقة خيانة.

بهذا، يُدفع المؤيد لتبني موقف حاد دون أن يفهمه، ثم يجد نفسه مجبرا على الدفاع عنه بشراسة، ليس دفاعا عن السياسي أو القضية محل التأييد، بل دفاعا عن صورته أمام نفسه لكي لا يعترف بأنه كان ساذجا. هكذا يتحول التساؤل المنطقي إلى عبء نفسي ثقيل، فيفضل التبعية على ألم المواجهة مع عقله الواعي.

وبالعودة إلى نقطة الانطلاق، ولكن بتحليل أعمق لجوهر اللعبة؛ نجد أن في مختبرات الرأي العام السياسية، يتم استبدال المصلحة المباشرة للفرد بما يمكن تسميته بالانتماء الآمن للقطيع.

مهندس الرأي العام يدرك أن الحقائق الاقتصادية المرة، والعجز الواقعي عن تغيير ظروف الحياة؛ قد يؤديان إلى التمرد -وهو السيناريو الذي تخاف منه السلطة- لذا يتم تحويل العجز النفسي، والخوف الاقتصادي، والقلق من المستقبل؛ إلى ولاء سياسي عاطفي. هنا، لا يقدم للمؤيد حلولا لمشاكله، بل يقدم له مخدرا للمشاعر، ووهما بالانتصار الشخصي؛ عبر انتصار الجهة التي يؤيدها القطيع الذي ضُم إليها.

جوهر الخدعة يكمن في ربط كرامة الفرد بنجاح أهداف مهندس الرأي العام، ليصبح أي نقد لهذا المسار تهديدا للوجود النفسي للمؤيد. هكذا تُغلق الدائرة، ويتحول الدفاع عن الوهم؛ إلى وسيلة وحيدة للاستمرار في واقع رسم ببراعة لصالح المشغلين

في تلك الحالة يتم تفكيك خياره العقلاني واستبداله بتعويض نفسي؛ فبدلا من أن يشعر بالعجز أمام ضيق ذات اليد، يشعر بالقوة والزهو وهو داخل حشد يهتف لزعيم أو جهة أو قضية. هذا التعويض النفسي هو ما يجعل السجين يدافع عن السجان، والفقير يدافع عن السياسات التي أفقرته، والمهمش يصفق لمن يسلب حقوقه، لأنه في تلك اللحظة لا يرى واقعه المرير، بل يرى نفسه من خلال القوة المتوهمة للقطيع الذي انصهر فيه. مهندس الرأي العام هنا لا يهين هذا المؤيد أو يحمله ذنب سذاجته فحسب؛ بل يوظفه أيضا، ويستغل حاجته الفطرية للشعور بالقيمة والاعتبار، ليحركها في المسار الذي يخدم مصالح مشغليه.

وربما أبرز مثال على ذلك متلازمة استوكهولم الشهيرة، حيث لا يكتفي الفرد بالخضوع للسجان، بل يتبنى سرديته كآلية دفاع نفسية تبرر جبنه أو عجزه؛ فبدلا من مواجهة انكساره أمام القوة، يختار العقل تبرير أفعال السجان؛ بحثا عن انسجام زائف مع واقع مرير، وهو ما يشبه التعايش الفطري للدواجن داخل الحظيرة. هكذا يعمل مهندس الرأي العام؛ حيث لا يقدم حلولا، بل يبيع للمؤيد سترا لعجزه، ومخدرا لخذيه، وإحساسا بانتصاره الزائف.

إن جوهر الخدعة يكمن في ربط كرامة الفرد بنجاح أهداف مهندس الرأي العام، ليصبح أي نقد لهذا المسار تهديدا للوجود النفسي للمؤيد. هكذا تُغلق الدائرة، ويتحول الدفاع عن الوهم؛ إلى وسيلة وحيدة للاستمرار في واقع رسم ببراعة لصالح المشغلين، تحت الغطاء البراق لخدعة الديمقراطية المهندسة.

وبرغم ذلك، فإن الخروج من هذا النفق لا يعني الكفر بمبدأ المشاركة، بل تطهيرها من ضعفها العلماني، الذي جعل الحشد هو المصدر الوحيد للشرعية. وهنا تبرز عبقرية النموذج الإسلامي -وهو في الحقيقة أحد أشكال الديمقراطية- عبر آلية أهل الحل والعقد، ومنظومة الشورى؛ فبينما تعتمد الديمقراطية الحداثية على الكم القابل للتدجين، تعتمد الشورى على الكيف، المتمثل في النخبة الواعية -التي تم انتخابها بشكل فطري- بمرجعيتها القيمية أو روابطها القبلية أو انتماءاتها الحرفية الحاضنة. هؤلاء يمثلون الكتلة الوازنة، التي تستعصي على التلاعب النفسي، والتهكير البيولوجي الذي يمارسه مهندس الرأي العام، حيث يحولون العملية من اختراق للثغرات وتجييش للغرائز؛ إلى تبادل للرأي بين العقلاء، مما يمنح المجتمع حماية شرعية، ومسؤولية أصيلة؛ تكسر قيود الاستعباد النفسي والوهم.

بهذا الوعي، ندرك أن استعادة السيادة لا تمر عبر صناديق الاقتراع المهندسة -حسب الديمقراطية الحداثية- بل عبر استعادة النظام القيمي، الذي يجعل الإنسان حرا في اختياره، مستقلا في عقله. ولكي تكتمل الصورة، سننتقل في المقالات القادمة، من مختبرات صناعة الرأي العام السياسية إلى مختبرات أشد فتكا ونعومة؛ حيث تعيد مختبرات الرأسمالية والأيديولوجيا تركيب الهوية المجتمعية من أصلها، بتدجين المجتمع المستهدف، وتكييفه تماما حسب ما يريد المشغلون ومهندسوهم، وبطريقة أشد دقة ودهاء من أي تحشيد سياسي.
التعليقات (0)