مقدمة: من
غياب الصوت إلى هندسة الأثر
لم يعد
الصمت
في الإعلام المعاصر مجرد غياب فيزيائي للكلام، بل تحوّل إلى نظام بنيوي محكم يعمل داخل
تدفقات الخبر ذاتها. نحن لا نعيش عصر حجب الوقائع، بل عصر إدارة أثرها؛ حيث تُبث المأساة،
لكن تُفرَّغ من قدرتها على تحريك الضمير أو إنتاج موقف أخلاقي فاعل. من هنا تنبع الحاجة
إلى تفكيك ما نسميه "هندسة الصمت" بوصفها آلية معاصرة لإدارة
الوعي، لا عبر
المنع، بل عبر التحكم في الزمن، واللغة، وترتيب الانتباه.
أولا: "نظرية
هندسة الصمت (Engineering of Silence).. الدلالة
والبنية
لا نقصد بـ"هندسة
الصمت" مجرد السكوت أو غياب الكلام، بل نعرّفها بوصفها: "عملية تقنية ومفاهيمية
تهدف إلى تصميم الفراغات المحيطة بالحدث، بحيث يتم التحكم في تدفق المشاعر وتوجيه الانتباه
بعيدا عن الجوهر الأخلاقي للواقعة، مع الإبقاء على شكلها الخارجي كمعلومة باردة".
تعمل هذه النظرية كاستراتيجية لتبريد الوعي عبر تحويل الجريمة الوجودية من حدث يهز الضمير الجمعي إلى بيانات باردة قابلة للأرشفة والتدوير
تعتمد هذه
النظرية على ثلاث ركائز بنيوية:
الإزاحة: ترحيل
الأثر الوجداني إلى زمن مستقبلي وهمي.
التبريد: خفض
درجة حرارة المصطلح الإعلامي ليتناسب مع منطق الاستهلاك.
التجزئة: كسر
وحدة الحدث وتحويله إلى شظايا معلوماتية لا يربطها سياق وجودي واحد.
تثبيت مفهومي:
في "هندسة الصمت"، ليس المطلوب منك ألا تسمع، بل المطلوب ألا "تشعر"
بما تسمع.
ثانيا: تسييل
الجريمة مقابل "الكتلة الحيوية" للحدث
تعمل هذه النظرية
كاستراتيجية لتبريد الوعي عبر تحويل الجريمة الوجودية من حدث يهز الضمير الجمعي إلى
بيانات باردة قابلة للأرشفة والتدوير.
المواجهة:
تقتضي الضرورة بناء "الكتلة الحيوية للحدث"؛ أي ربط الخبر بسياقه الإنساني
والتاريخي الممتد، ومنع تحويله إلى معلومة عابرة عبر تكثيف الحضور البصري والشهادة
الحية التي ترفض التحول إلى مجرد "رقم إحصائي".
ثالثا: إزاحة
"الآهة" وتكتيك "التزامن القسري" (النموذج الغزّاوي)
يُعدّ النموذج
الغزّاوي مثالا كاشفا لآلية إزاحة الآهة وترحيل أثرها. ففي ذروة المأساة، تُستخدم تقنيات
"التبريد الاستراتيجي" عبر تسويق أخبار عن "نية" وقف إطلاق النار
لخلق فراغ زمني يمتص الصدمة ويمنح الجاني زمنا سياسيا إضافيا، بينما تُشغل الضحية بانتظار
أمل مؤجل.
المواجهة:
كسر هذا الفراغ يتطلب "التزامن القسري"؛ وهو تكتيك يربط في ذات اللحظة بين
"وعود التهدئة الكاذبة" و"استمرار النزيف الميداني" في ذات الكادر
البصري، لقتل الأمل المخدر وإبقاء الوعي في حالة اشتباك دائم.
رابعا: خديعة
"الحياد المهني" و"صناعة الموافقة"
يتمترس المدافعون
عن تبريد الوعي خلف خطاب "الحياد". إن ما نواجهه اليوم هو النسخة الرقمية
والأكثر توحشا مما سماه نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان "صناعة الموافقة"، فبينما كانت الصناعة قديما
تعتمد على فلترة الأخبار، فإن "هندسة الصمت" اليوم تمارس (فلترة الأثر) لانتزاع
موافقة ضمنية من الجمهور عبر تبريد وجدانهم.
تثبيت مفهومي:
الحياد في حالات الإبادة ليس موضوعية، بل انحياز بنيوي يمنح الجريمة صفة "وجهة
نظر".
المواجهة:
إحلال "قانون الحقيقة" محل "السياسة التحريرية"؛ فإعلام الضحية
يجب أن يرى الفطرة والقانون الطبيعي قبل القواعد التي وضعها الجاني نفسه.
خامسا: "الإلهاء
التقاطعي" و"حصان طروادة الرقمي"
تعتمد هندسة
الصمت على قطع الاسترسال الوجداني بمواد ترفيهية أو رياضية لمساواة المقدّس (حرمة الموت)
بالمدنّس (الاستهلاك اللحظي). هذا النمط لا يعمل اعتباطا، بل يهدف إلى مسح الذاكرة
اللحظية ومنع تراكم الوعي الأخلاقي.
المواجهة:
اعتماد استراتيجية "حصان طروادة الرقمي"؛ عبر تلغيم المحتوى الرائج بمضامين
القضية، واختراق ممرات التسلية لإيصال "الآهة" رغما عن إرادة الخوارزمية.
سادسا: "التعقيم
اللغوي" ومقصلة المصطلح
تمارس هندسة
الصمت ما يمكن تسميته "التعقيم اللغوي" بنزع الحرارة الأخلاقية من الكلمات؛
فاستبدال "أشلاء" بمصطلحات كـ"ضحايا" أو "تصعيد" يهدف
إلى خفض التوتر الأخلاقي للنص الإعلامي.
المواجهة:
تفعيل "المقصلة المصطلحيه"؛ وهي الرفض القاطع للمصطلحات المهذبة، واستعادة
اللغة "الحارقة"، وتحويل المقتول من "رقم" إلى "شاهد إبادة"
يطارد ضمير العالم.
سابعا: "الوقف
الإعلامي" والسيادة التقنية الموزعة
تفكيك "هندسة الصمت" ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل هو ضرورة بنيوية لاستقرار أي نظام معرفي. فالمجتمعات لا تنهار فقط بفعل القمع المباشر، بل حين تتشوّه صلة الكلمة بالواقع
لا يمكن تفكيك
هندسة الصمت دون معالجة شرطها المادي، فاستعادة السيادة تتطلب استقلالا يتجاوز المنح
المشروطة.
الإجراء: الانتقال
إلى "الوقف الإعلامي المستقل" و"الوقف التقني الموزع"؛ بناء منصات
لا مركزية تعتمد تقنيات التشفير التي تمنع أي رقيب من "هندسة" المحتوى أو
حذفه. فمن لا يملك "خادمه" (Server)، لا يملك قوله.
الخاتمة: الحقيقة
بوصفها شرطا بنيويا للاستقرار المعرفي
إن تفكيك "هندسة
الصمت" ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل هو ضرورة بنيوية لاستقرار أي نظام معرفي. فالمجتمعات
لا تنهار فقط بفعل القمع المباشر، بل حين تتشوّه صلة الكلمة بالواقع. الحقيقة ليست
زينة أخلاقية، بل هي البنية التحتية التي يقوم عليها الوعي؛ وكل مساس بها هو مساس مباشر
بإمكان الاجتماع الإنساني وشهادة الزور على قانون الوجود.
__________
مصادر للاستزادة:
- نعوم تشومسكي
وإدوارد هيرمان، صناعة الموافقة: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام.
- غي ديبور،
مجتمع الاستعراض.
- آلان دونو،
نظام التفاهة.