بعد أن
فككنا في المقال السابق المنطلقات
الفكرية التي تستخدمها مختبرات الرأي العام
لتنميط المجتمع، والتي لا تحتاج تآمرا مركزيا، بل تعمل عبر السوق، والخوارزميات، والإعلام،
والطلب الجماهيري، ننتقل الآن إلى ما هو أعمق، حيث يتجاوز المهندس التلاعب
بالأفكار ليتسلل إلى داخل أجسادنا، مستهدفا البرمجة الحيوية كمدخل للسيطرة على
عقولنا. هنا، يتحول التنميط من ضغط فكري إلى قيد غريزي؛ فبينما يربينا القرآن
الكريم على استقلال الفؤاد، وعلى مسؤولية التمييز الفردي، نجد أن أجسادنا تمتلك
ثغرات أمنية مرتبطة بالضعف الذي خلقنا الله عليه، تجعل الانقياد للقطيع طريقه
لمنطقة الراحة أو ما يطلق عليه الـ"Comfort Zone"، وهي حالة سلوكية يمارس فيها الشخص روتينا مألوفا، يمنحه
شعورا بالأمان وقلة المخاطر، لكنه في نفس الوقت قد يحد من التفكير العقلاني والنمو
الشخصي، وهي منطقة حذرنا الله من بعض تداعيتها فقال: "ولا تركنوا إلى الذين
ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون".
وتبدأ
الرحلة من نظام المكافأة في الدماغ، وتحديدا مع هرمون الدوبامين. لقد خُلقت
أدمغتنا لتشعر باللذة عند القبول الاجتماعي والأمان داخل الجماعة، فحين يتخذ الفرد
موقفا يتماشى مع السردية السائدة، يفرز دماغه جرعة من الدوبامين تشعره بالنشوة
والارتياح. وفي المقابل، أثبتت تجارب المسح الدماغي؛ أن مخالفة رأي الجماعة تنشط
مراكز الألم العضوي في الدماغ، أي أن العقل الذي لا يستند إلى مرجعية قيمية صلبة؛
يشعر بألم حقيقي عند التفكير بشكل مستقل. المهندس يدرك ذلك تماما، فيجعل من مخالفة
السردية النمطية عقوبة
بيولوجية، تجعل الفرد يفر هاربا نحو حضن القطيع، طلبا
لتسكين آلامه النفسية.
التقوى والخوف من الله هنا ليسا مجرد حالة قلبية وشعائر تعبدية فقط؛ بل فعل مقاومة، وليسا دعوة للانعزال عن الناس والزهد في الحياة؛ بل هما الدرع الذي يواجه الظلم والجهل، اللذين يخلفهما الانقياد للعقل الجمعي، والذي تهندسه مختبرات صناعة الرأي العام العلمانية
علاوة على
ذلك، توجد في أدمغتنا ما يُعرف بالخلايا العصبية المرآتية، وهي خلايا صُممت لنفهم
الآخرين عبر محاكاتهم لا شعوريا. هذه الخلايا هي المسؤولة عن العدوى الانفعالية،
فإذا رأيت حشدا من الناس يصرخ خوفا، أو يصفق حماسا، لرمز سياسي أو هالة مصطنعة؛
تبدأ خلاياك المرآتية بمحاكاة هذا الشعور، والمشاركة مع القطيع حتى قبل أن يفهم
عقلك السبب. هنا تتحول العدوى من فيروس بيولوجي إلى فيروس فكري، حيث يتم استغلال
هذه الثغرة في إدارة القطيع، ليصبح المجتمع كله كجهاز استقبال واحد، يستجيب لنفس
الإشارة الانفعالية في الوقت ذاته.
وهنا تبرز
تجارب عالم النفس سولومون آش حول الامتثال، والتي صدمت العالم حين أثبتت أن الفرد
مستعد لأن يكذّب عينه، ويُنكر الحقيقة الواضحة التي يراها أمامه؛ لمجرد أن الجماعة
المحيطة به اتفقت على رأي خاطئ. هذا الانقياد ليس نقصا في الذكاء، بل هو ارتهان
لبيولوجيا الخوف من النبذ، خاصة وأن تلك البيولوجيا تزيد من العدوان تجاه الخارج
عن الجماعة، المهندس في مختبرات الرأي العام لا يحتاج لإقناعك بالخطأ، بل يكفي أن
يوهمك بأن الجميع يراه صوابا، لتتولى بيولوجيا جسدك ليس مهمة إخضاع عقلك فقط، بل
ومهاجمة الخارجين عن الجماعة.
ولكن،
لماذا جعل الله فينا هذه القابلية؟
إن المنهج القرآني يضع
هذه البيولوجيا في إطارها الصحيح؛ فالانتماء للجماعة هو أداة للبناء والتعاون كما
قال الله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى"، لكنه يصبح سلاحا ضد الإنسان إذا عطل أمانة المسؤولية الفردية، وكأن إحساس الإنسان
بمسؤولية الأمانة التي قال الله عنها: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات
والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"،
هو درع الحماية الذي يحمي المجتمع من الاندفاع في طريق الظلم والجهل الذي يخلفه
الانقياد للعقل الجمعي. واليقين
الإيماني هو الوحيد القادر على لجم هذه
الاندفاعات، فحينما يمتلئ القلب بالتقوى، يصبح رضا الخالق هو المصدر البديل
للدوبامين بدلا من رضا الجماعة، ويصبح الخوف من الله حصنا يمنع الانهيار أمام ضغوط
النبذ الاجتماعي.
فالتقوى
والخوف من الله هنا ليسا مجرد حالة قلبية وشعائر تعبدية فقط؛ بل فعل مقاومة، وليسا
دعوة للانعزال عن الناس والزهد في الحياة؛ بل هما الدرع الذي يواجه الظلم والجهل،
اللذين يخلفهما الانقياد للعقل الجمعي، والذي تهندسه مختبرات صناعة الرأي العام
العلمانية.
وهنا نطرح
سؤالا: هل الجميع ينقاد بنفس الدرجة؟
والإجابة
هي: لا؛ فقد أشارت دراسات علم النفس العصبي والاجتماعي إلى أن النساء -بيولوجيا-
أكثر حساسية لآليات البرمجة الحيوية المرتبطة بالقبول الاجتماعي. وقد أظهرت أبحاث
متعددة أن الدماغ الأنثوي يتميز بارتفاع نسبي في نشاط الدوائر العصبية المرتبطة
بالتعاطف الاجتماعي، واستشعار المزاج الجمعي، وقراءة الإشارات الانفعالية الدقيقة،
وهو ما يرتبط بفعالية أعلى لهرمون الأوكسيتوسين المسؤول عن تعزيز الروابط
الاجتماعية وتخفيف القلق داخل الجماعة.
هذه
البنية العصبية، التي تطورت تاريخيا بوصفها أداة بقاء وتماسك اجتماعي، تجعل مخالفة
الجماعة أكثر كلفة نفسية لدى النساء، فالنساء -فطريا- جُبلت على العيش داخل
الأسرة، والانقياد لقرار الرجل -رب الأسرة- وحكمته، لكن مختبرات الرأي العام
العلمانية أرادت أن تحول وجهتها، من الانقياد لرب الأسرة إلى فأر تجارب في القفص
العلماني المعاصر، فبعد أن أظهرت تجارب التصوير العصبي إلى أن مناطق الألم
الاجتماعي تنشط لديهن بدرجة أوضح عند التعرض للنبذ أو العزلة الرمزية.
كما بيّنت
تجارب الامتثال الاجتماعي أن النساء يُبدين معدلات امتثال أعلى في البيئات التي
يُقدَّم فيها الإجماع بوصفه معيارا إنسانيا، لا رأيا مجردا، والذي يعكس اضطرابا
وجدانيا وتداخلا أعمق بين القرار العقلي والشعور بالانتماء؛ استغلت هندسة
الوعي
المعاصرة تلك الخاصية بذكاء، وعملت على إخراج النساء من تحت حماية الأسرة، تحت
دعوات الاستقلال والتحرر، والتي لم تكن تهدف لتحرير المرأة بالفعل، بل كانت تهدف
إلى نقل انقيادها الفطري من سياقه الطبيعي المحمي (الأسرة) إلى سياق صناعي مكشوف
(المختبرات العلمانية) لتكون أداة طيعة في يد المنظومة، ثم تطويعها عبر تسويق
السرديات لا بوصفها صحيحة، بل بوصفها إنسانية أو متعاطفة، بحيث يصبح الخروج عنها
مكلفا حيويا على مستوى الشعور بالذنب والقلق والعزلة.
ومن هنا،
لا تُستهدف المرأة في هذا السياق لقصورٍ فيها، بل لأن فطرتها التي فطرها الله
عليها تجعل توازنها الحيوي أكثر اتساقا داخل الأسرة، وهذه حكمة ربانية لاستمرار
الإنسان على الأرض، فالرجل يكدح في الخارج والمرأة تتدير الأسرة في الداخل تحت
رعايته وحمايته، لأنها بحكم تركيبها العصبي والاجتماعي؛ أكثر تعرضا لتحويل القيم
الجمعية إلى مكافآت وعقوبات كيميائية تضبط السلوك، ويتقاطع هذا مع حكمة التشريع
الذي جعل الهجر في المضاجع عقوبة للمرأة غير المنساقة لزوجها.
وقد
استغلت الآلة الإعلامية العلمانية المعاصرة، خاصة بعد ثورة السوشيال ميديا، هذه
الطبيعة الأنثوية بذكاء شديد، فاستخدموها كسلاح، خاصة في الصراع العقائدي، وتحديدا
ضد المجتمعات الإسلامية، حيث يتم تنميط العواطف وتوجيهها نحو سرديات تكسر الثوابت
تحت شعارات إنسانية مضللة؛ لذا ترى كثيرا من النساء يقعن في فخ التعاطف مع المرأة
الزانية، أو قاتلة زوجها، باعتبارها ضحية وجدت الحب الذي تفتقده مع زوج نرجسي
متسلط -كما تذكر السرديات الدرامية الموجهة- وتراهن أيضا يهاجمن من يتمسك بالأحكام
الشرعية تجاه من مات ملحدا، بدافع العاطفة المجردة التي ترفض فكرة العقاب،
متجاوزاتٍ بذلك حدود العقيدة والمنطق الفقهي -ولا يعني ذلك غياب هذه الظواهر عند
الرجال، بل اختلاف بوابة الاستهداف- إن المهندس هنا يضع حائط صد عاطفي من الذين
تمت برمجتهم حيويا؛ لتقديم التعاطف الإنساني الموهوم على مقتضى الحق، وهنا نرى
المفارقة، فالتشريع الإسلامي يتناغم مع بيولوجيا الإنسان لتقويم السلوك داخل إطار
المحبة، بينما المهندس العلماني يستخدم نفس الحساسية لتحطيم القيم.
ولكن هل
هناك استفادات أخرى غير عقائدية من استهداف النساء بالبرمجة الحيوية؟
نعم،
فعملية التنميط الصناعي للمجتمع لم تتوقف عند حدود الأفكار، بل تحولت إلى استغلال
نفعي للمكونات الفطرية للإنسان، وخاصة النساء، فقد كان للمرأة أيضا النصيب الأوفر
من هذا الاستهداف في مختبرات الرأسمالية المبكرة. أدرك المهندسون الأوائل أن
الخصائص الحيوية للمرأة، التي تجعلها -بيولوجيا- أكثر ميلا للامتثال والحرص على
التناغم مع المنظومة، يمكن تحويلها إلى أصل رأسمالي يدر أرباحا هائلة؛ كعمالة طيّعة
تمتلك استعدادا فطريا للانضباط، وتكرار المهام الآلية دون تمرد.
وتؤكد
الإحصاءات التاريخية الموثقة هذا الاستغلال الممنهج؛ ففي بريطانيا عام 1839، كشفت
التقارير أن النساء كنّ يشكلن 57 في المئة من القوى العاملة في مصانع القطن، وفي
بعض الأقاليم وصلت النسبة إلى 60 في المئة. والسبب في ذلك لم يكن المهارة الفنية
فحسب، بل ما تذكره وثائق تلك الحقبة؛ من أن النساء أكثر قابلية للتوجيه، وأقل ميلا
لتشكيل اتحادات عمالية متمردة، بالإضافة إلى قبولهن بأجور متدنية مقارنة بالرجال.
ففي الولايات المتحدة، خلال القرن التاسع عشر، كانت النساء في مصانع النسيج
يتقاضين أجورا تقل بنسبة تتراوح بين 30 في المئة إلى 50 في المئة عن أجور الرجال
لنفس ساعات العمل الشاقة، وهو ما برره أصحاب العمل حينها بأن المرأة أكثر صبرا على
الرتابة الصناعية، وأقل مطالبة بالتغيير.
لقد
استغلت الرأسمالية العلمانية البرمجة الحيوية عند النساء في ما يسميه علم الاجتماع
الوظيفي (قوة عمل قليلة الدوران)، حيث تشير الدراسات التاريخية في مصانع لويل
الشهيرة إلى أن النساء كنّ يُبدين التزاما صارما بقواعد السلوك والإنتاج، مما جعل
تكلفة الرقابة عليهن منخفضة جدا مقارنة بالرجال. وهكذا، تم تحويل المرأة من مديرة
لبيتها ومربية لأولادها؛ إلى ترس صناعي، حيث استُغلت حساسيتها الحيوية للقبول
الاجتماعي لتكون وقودا لخطوط الإنتاج. إن هذا التوظيف النفعي يثبت أن هندسة الوعي
العلمانية لا تقيم وزنا لخصوصية المرأة، بل تتعامل مع تركيبها النفسي الطبيعي
كثغرة اقتصادية؛ تسمح بتسخيرها في ماكينة الإنتاج بأقل تكلفة مادية، وأعلى درجات
الطاعة الحيوية المبرمجة.
ولذلك
تظهر الحكمة الربانية في وجوب طاعة المرأة لزوجها -إلا في ما حرمه الله- وزيادة
عدد الشهود عندما يكن نساء، وكذلك عدم جواز تقلد المرأة للولاية العظمى، فالنساء
بطباعهن النفسية وبنيتهن الجسدية واضطراباتهن الوجدانية؛ أكثر عرضة لعمليات هندسة
الوعي عن طريق البرمجة الحيوية لتهيئة القطيع.
وفي
المقابل، لا يعني انخفاض معدلات البرمجة العاطفية لدى الرجال أنهم أكثر تحصينا؛ بل
إن الاستهداف هنا يسلك مسارا بيولوجيا مختلفا. فالدماغ الذكوري أكثر حساسية
لمحفزات المكانة والهيمنة والاعتراف بالقوة، وهي محفزات ترتبط بهرمون
التستوستيرون، ونظام المكافأة القائم على التفوق. وتشير الدراسات إلى أن الرجال
أكثر قابلية للامتثال عندما تُقدَّم السرديات في إطار الانضباط أو الأمن أو حماية
الجماعة، لا في إطار التعاطف. ففي هذه الحالة، لا ينقاد الرجل خوفا من النبذ
العاطفي، بل خوفا من فقدان المكانة أو التشكيك في الرجولة والقوة، ولذلك يتم
استخدام تلك المحفزات في التجنيد العسكري، والأعمال الشرطية والأمنية.
أبشع الجرائم البشرية لم يرتكبها المتمردون فكريا، بل ارتكبها المنقادون بيولوجيا، الذين ألغوا عقولهم استجابة لضغط الجماعة وهالات السلطة. إن الكرامة التي منحها الله للإنسان تقتضي أن يكون سلمه وحربه نابعين من ميزان الحق والعدل الإلهي، لا من بوصلة كيميائية يتم التلاعب بها في المختبرات
وقد أوضحت
ذلك تجارب الامتثال السلطوي، مثل تجارب ميلغرام، التي كشفت أن الرجال يُبدون
استعدادا أعلى لتنفيذ أوامر قاسية عندما تصدر عن سلطة مُهيبة تمنحهم شعورا
بالشرعية، حتى لو تعارضت مع ضميرهم الفردي. كما في تجربة سجن ستانفورد (1971)
الشهيرة، والتي أثبتت كيف يمكن للنمط المفروض أن يبتلع هوية الإنسان، فحين وُضع
متطوعون أسوياء في دور حراس سجن، تحولوا في أيام قليلة إلى كائنات سادية، تمارس
القمع لمجرد أن السياق العام والهالة السلطوية تفرض عليهم هذا الدور. المهندس
يستغل هذا الميل الذكوري للانضباط داخل المنظومة المهيبة، فيصنع للرجال هالات
سلطوية وتهديدات وجودية مصطنعة، تجعل الانقياد يبدو فعل قوة لا خضوع، وتُسوَّق
الطاعة بوصفها رجولة، بينما يُشيطن التمرد الأخلاقي باعتباره ضعفا أو خيانة. وهكذا
يُستدرج الطرفان: النساء عبر بوابة التعاطف، والرجال عبر بوابة الهيبة والقوة،
والنتيجة واحدة: تهيئة القطيع وفق مصلحة المهندس.
هل السلام
المجتمعي يبرر عمليات البرمجة الحيوية الموجهة؟
قد يزعم
البعض أن تعزيز الانقياد هو مصلحة بشرية عليا تهدف إلى صهر الفروقات وتحقيق تناغم
اجتماعي ينهي الحروب ويدعم الاقتصاد العالمي؛ حيث يزعمون أن الإنسان الذي يسهل
انقياده للقطيع هو إنسان أكثر سلاما. بيد أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن السلام
الذي ينتج عن تعطيل الإرادة الحرة هو سلام البهائم لا سلام البشر. إن البرمجة
الحيوية لخدمة الانقياد القطيعي لا تلغي العنف، بل تمنح المهندس القدرة على
توجيهه، فحين يتم تدجين الناس بيولوجيا، يمكن للمهندس تحويلهم في لحظة واحدة من
حالة التعاطف المفرط إلى حالة العداء المطلق تجاه أي فئة توصف بأنها خارجة عن
النمط.
إن هؤلاء
يخلطون بين السكينة الإيمانية وبين الخمود البيولوجي، فبينما يربينا القرآن على أن
نكون قوامين بالقسط، تسعى العلمانية لتحويل الإنسان إلى كائن فاقد للمرجعية
القيمية، لا يتحرك إلا بوخز الدوبامين أو لسع الألم الاجتماعي. إن أبشع الجرائم
البشرية لم يرتكبها المتمردون فكريا، بل ارتكبها المنقادون بيولوجيا، الذين ألغوا
عقولهم استجابة لضغط الجماعة وهالات السلطة. إن الكرامة التي منحها الله للإنسان
تقتضي أن يكون سلمه وحربه نابعين من ميزان الحق والعدل الإلهي، لا من بوصلة
كيميائية يتم التلاعب بها في المختبرات.
إن التحرر
الحقيقي يبدأ حين ندرك أن شعورنا بالراحة عند اتباع القطيع هو مجرد فخ كيميائي،
وأن العقل بمفهومه القرآني مأمور بالثبات على الحق ولو كان وحده. إن بيولوجيا
الانقياد هي الاختبار الحقيقي لإرادة الإنسان، فإما أن يستسلم لبرمجة جسده ويتحول
إلى ترس في ماكينة، أو يستعلي بإيمانه وتدبره ليكون من أولي الألباب الذين يقودون
أجسادهم بنور بصيرتهم، متحررين من الضغوط النفسية التي تمارسها قوى السيطرة
والتحكم العلمانية.