لم يكن الصراع
على
فلسطين يوما صراع بنادق فقط، بل كان- في جوهره الأعمق- صراعا على الوعي والمعنى
والشرعية. فقبل أن تُنتزع الأرض بالقوة، كان لا بد أن تُنتزع عدالتها من الوجدان، وأن
يُعاد تعريفها في العقل
العربي بوصفها "نزاعا" لا "قضية"، و"خلافا"
لا "احتلالا". وفي هذا المسار الخطير، لعب بعض المثقفين العرب دورا بالغ
التأثير، ليس عبر الاصطفاف العسكري أو السياسي المباشر، بل عبر إعادة هندسة المفاهيم.
ويبرز اسم مراد وهبة بوصفه نموذجا صارخا لهذا الدور.
منذ بداياته
الفكرية، قدّم مراد وهبة نفسه باعتباره فيلسوف العقلانية ونقد اليقينيات، رافعا شعارا
جذابا ظاهريا: "لا أحد يملك الحقيقة". غير أن هذه المقولة، حين تُنزَل من
فضاء الفلسفة المجردة إلى ميدان الصراع الاستعماري، تتحول من أداة نقد معرفي إلى معول
لهدم الحقوق التاريخية والأخلاقية. فالقضية الفلسطينية، في هذا المنظور، لا تعود قضية
شعب طُرد من أرضه، ولا مشروعا تحرريا ضد استعمار استيطاني إحلالي، بل تصبح مجرد "رواية"
تقابلها "رواية أخرى"، ووجهة نظر تنازعها وجهة نظر مضادة.
بهذا التحويل الخبيث، تُسحب فلسطين من خانة الحق إلى خانة الجدل، ومن مقام العدالة إلى ساحة التفاوض الرمزي
بهذا التحويل
الخبيث، تُسحب فلسطين من خانة الحق إلى خانة الجدل، ومن مقام العدالة إلى ساحة التفاوض
الرمزي. وحين تتساوى "الروايات"، تتساوى -ضمنيا- الضحية والجلاد، ويغيب الاستعمار
من المشهد، ليحل محله خطاب ضبابي عن "التعصب المتبادل" و"العنف من الطرفين"؛
هنا تبدأ
الصهيونية في تحقيق أحد أخطر أهدافها: نزع صفة الاستعمار عنها، وتحويل نفسها
إلى طرف طبيعي في نزاع فكري أو ديني.
وفي قلب هذا
المسار، جاء موقف مراد وهبة من
المقاومة الفلسطينية، وخصوصا المقاومة ذات المرجعية
الدينية. فقد تعامل معها بوصفها أصل الأزمة، لا بوصفها ردّ فعل على الاحتلال، ورأى
فيها عائقا أمام "السلام" و"التعايش". لم يسأل: كيف نشأت هذه المقاومة؟
ولماذا؟ ولماذا يُطالَب المقهور دائما بالتخلي عن أدوات دفاعه، بينما يُمنح المحتل
حق السلاح والدولة والشرعية الدولية؟ بل جرى اختزال المسألة كلها في أن "الدين
يفسد السياسة"، وأن الخلاص يكمن في نزع البعد الديني عن الصراع، وكأن الصهيونية
نفسها ليست مشروعا دينيا- أسطوريا في أحد جذوره الأساسية.
ومن هنا، يصبح
الطريق ممهّدا للانتقال إلى الفكرة الأخطر: الإبراهيمية. لم يتعامل مراد وهبة مع الإبراهيمية
بوصفها مجرد حوار ديني أو دعوة أخلاقية للتعارف، بل قدّمها كإطار فكري بديل للصراعات
التاريخية، وكمخرج "عقلاني" من أزمات المنطقة. غير أن هذه الإبراهيمية، في
تطبيقها السياسي، لا تلغي الظلم، بل تغطيه، ولا تُنهي الاحتلال، بل تُطَبِّعه. فهي
تساوي بين من اغتصب الأرض ومن دافع عنها، وتعيد توصيف فلسطين لا كأرض محتلة، بل كـ"مساحة
خلاف بين أبناء إبراهيم".
بهذا المعنى،
تتحول الصهيونية من مشروع استعماري إلى "تعبير ديني مشروع"، وتتحول المقاومة
من فعل تحرري إلى "خروج على روح السلام الإبراهيمي". وهذا بالضبط هو الجوهر
العميق للدعم الفكري للصهيونية: ليس الدفاع عنها صراحة، بل تفريغ القضية الفلسطينية
من مضمونها التحرري، وتجريدها من أدواتها الأخلاقية، وإعادة إدماج الاحتلال في خطاب
إنساني زائف.
تسهم هذه الرؤية في تحقيق مكاسب استراتيجية للصهيونية دون إطلاق رصاصة واحدة: إضعاف التعاطف مع فلسطين، تشويه صورة المقاومة، وتهيئة الوعي العربي لقبول الاحتلال بوصفه "واقعا معقّدا" لا ظلما يجب رفعه
لم يكن دور
مراد وهبة هنا دور المثقف المعزول عن السياق، بل دور "الوسيط الفكري" الذي
نقل مفاهيم ومشاريع طُرحت في الدوائر الغربية إلى المجال الثقافي العربي، ومنحها شرعية
فلسفية، وقدّمها بلغة عقلانية جذابة للنخب. فالتأسيس الحقيقي للمشاريع الكبرى لا يكون
بالبيانات والمؤتمرات وحدها، بل بتغيير اللغة التي نصف بها العالم. وحين تتغير اللغة،
يتغير الموقف دون أن يشعر الناس أنهم تخلوا عن مبادئهم.
وهكذا، تسهم
هذه الرؤية في تحقيق مكاسب استراتيجية للصهيونية دون إطلاق رصاصة واحدة: إضعاف التعاطف
مع فلسطين، تشويه صورة المقاومة، وتهيئة الوعي العربي لقبول الاحتلال بوصفه "واقعا
معقّدا" لا ظلما يجب رفعه. يصبح السؤال: كيف نتعايش؟ لا كيف نتحرر، كيف نُدير
النزاع؟ لا كيف نُنهيه.
إن أخطر ما
في هذا المسار أنه يتخفّى خلف شعارات العقل والسلام والإنسانية، بينما يؤدي عمليا إلى
تحطيم البنية الأخلاقية للقضية الفلسطينية. فحين تُنزَع عن فلسطين صفة الحق، وتُسحب
منها مشروعية المقاومة، وتُذاب في خطاب إبراهيمي عام، تكون الصهيونية قد حققت نصرا
في ميدان الوعي لا يقل خطورة عن أي نصر عسكري.
من هنا، فإن
نقد دور مراد وهبة لا ينطلق من خلاف فكري مجرد، بل من إدراك أن الأفكار -حين تنفصل
عن ميزان العدل- قد تتحول إلى أدوات هيمنة. وفلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى مقاوم يحمل
السلاح، بل إلى وعي يقاوم هذا النوع من التفكيك الناعم، ويعيد تثبيت الحقيقة البسيطة
التي يحاولون طمسها: هناك محتل، وهناك شعب مُحتل، والحق لا يصبح رواية لمجرد أن فيلسوفا
قرر أن الحقيقة نسبية.