كتاب عربي 21

نظرتان إلى الوضع العام في المنطقة

منير شفيق
"لا ينسى نتنياهو الإيحاء بأنه تفاهم على ذلك مع ترامب، في زيارته الأخيرة لواشنطن"- جيتي
"لا ينسى نتنياهو الإيحاء بأنه تفاهم على ذلك مع ترامب، في زيارته الأخيرة لواشنطن"- جيتي
شارك الخبر
النظرة الأولى السائدة للوضع العام، تخرج من قِبَل بعض المعادين للكيان الصهيوني وأمريكا، في الصراع الدائر في المنطقة (وأساسا في قطاع غزة ولبنان) بنظرة تميل إلى التشاؤم، وذلك حين تستند إلى ما يمارسه جيش الكيان الصهيوني من قصف واعتداءات وتنمّر، وما يحاول تنفيذه من تجزئة طائفية وإثنية ومناطقية في سوريا.

ويضاف إلى هذه الصورة، ما يحاول نتنياهو ترويجه، من إعادة تشكيل ما أسماه بالشرق الأوسط، ضمن تجزيء للأقطار العربية (والإسلامية)، وتغيير حدود "سايكس- بيكو". ولا ينسى نتنياهو الإيحاء بأنه تفاهم على ذلك مع ترامب، في زيارته الأخيرة لواشنطن.

وهنالك كثيرون من السياسيين والكتاب المنحازين لأمريكا عموما، ومعهم أصوات، وصلت إلى حدّ الانحياز لموقف نتنياهو، وممارساته ومخططاته لمستقبل المنطقة، راحوا يتوقعون المستقبل على ضوء ما يرون من سياسات وممارسات نتنياهو.

هذا المناخ السائد هو الذي يسمح بتقدير الموقف، سابق الذكر، سواء أكان من بعض المتشائمين، أم من المروّجين للمستقبل، الذي سيقرّره نتنياهو وترامب

على أن حصاد نتنياهو، خلال السنتين الماضيتين، كان الفشل وهو يحاول أن يردّ على طوفان الأقصى، والأعجب وهو يحاول لسنتين أن يحتلّ قطاع غزة، للقضاء على حماس والمقاومة، وتدمير كل الأنفاق. فقد مُني بالفشل تلو الفشل في كل الاشتباكات الصفرية، ولم يجد طوال السنتين من مخرج له غير شنّ حرب إبادة، مما دمّر سمعة الكيان الصهيوني، في نظر الرأي العام العالمي، ولا سيما الأمريكي- الأوروبي، مما أفقده عمليا أيّة مشروعية لوجوده.

وتابع نتنياهو سياسة الاعتداءات العسكرية، وإغلاق الباب بعد اتفاقيّ وقف إطلاق النار، في كل من لبنان (27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024)، وفي غزة (13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025). وأفلت أيضا بعد الاعتداء العسكري على سوريا، والأهم الإعداد للحرب الثانية على إيران. فهذا المناخ السائد هو الذي يسمح بتقدير الموقف، سابق الذكر، سواء أكان من بعض المتشائمين، أم من المروّجين للمستقبل، الذي سيقرّره نتنياهو وترامب.

ولكن الملحوظة الأولى التي لم ينتبه لها ذلك التقدير للموقف؛ كون استمرار الاعتداءات لم يؤد، حتى الآن، إلى تثبيت واقع واحد، يمكن أن يحمل سمة الديمومة، مما يعني أن الظاهر الذي بُني عليه ما زال في مرحلة الاشتباك. وهو ما جعل نتنياهو يهدّد بتجدّد الحرب في غزة؛ لأن ما فعله في غزة، حتى الآن، ما زال في مرحلة المحاولة، إن لم يكن في حالة التخبّط في الفشل في تثبيت "انتصار"، أو تكريس وضع ثابت.

ما فعله في غزة، حتى الآن، ما زال في مرحلة المحاولة، إن لم يكن في حالة التخبّط في الفشل في تثبيت "انتصار"، أو تكريس وضع ثابت

وكذلك الحال في لبنان؛ إن المعادلة القائمة، حتى الآن، لا تسمح لذلك التقدير للموقف بأن يسمي المستقبل بالعصر الأمريكي- الصهيوني، ولهذا يجري تصعيد الاعتداءات، والتهديد المحموم بالحرب. وبكلمة أخرى، إن كثيرا من التقديرات المستندة لتنمّر نتنياهو، ما زالت في معرض الصراع الذي لم يستطع نتنياهو أن يثبّت فيه واقعا واحدا، كما حدث مثلا في حرب 1967.

وهكذا هو الوضع، بصورة عامة، وصولا إلى الحرب إن وقعت مع إيران، حيث التردّد الأمريكي- الصهيوني حول نتائجها هو الذي يمنع وقوعها، حتى الآن.

وأما الملحوظة الثانية التي لم يتنبّه لها، ذلك التقدير للموقف، فهي مأزق نتنياهو السياسي داخليا، أمام تشكّل لجنة تحقيق حول طوفان الأقصى، ومأزق عزلته الدولية، وأزمة التفاهم مع ترامب (تفاهم مأزوم)، وربما نتائج الانتخابات. وهذه وتلك، من العوامل التي لا تسمح بالحديث عن المستقبل في المرحلة القادمة، كما يتوهم المروّجون لنتنياهو.

هذا وثمة ملحوظة ثالثة، وهي تتعلق بترامب، وما يواجه من جمود سياسي، في علاقاته العربية والإسلامية، ومن تخبّط لمشروعه في غزة ولبنان، وما ينتظره من فشل، وهو يفتح جبهات متعدّدة في أمريكا اللاتينية، ابتداء من فنزويلا، وفي أوروبا (غرينلاند وأوكرانيا).

وأخيرا، لا تتعجلوا أيها المُبحرون في بحر تعطلت البوصلة فيه.
التعليقات (0)