قضايا وآراء

ألسنا في حاجة إلى الخلدونية اليوم؟

امحمد مالكي
"تكمن القيمة الراهنة للخلدونية في الربط بين السياسة المؤسسة على المصلحة العامة والعمران البشري"- جيتي
"تكمن القيمة الراهنة للخلدونية في الربط بين السياسة المؤسسة على المصلحة العامة والعمران البشري"- جيتي
شارك الخبر
كيف نُعيدُ قراءةَ فكر ابن خلدون في ضوء القرون الستة التي تفصلنا عنه؟ وهل هناك حاجة فعلية إلى تمثل مَتنه المعرفي بعد كل هذه المدة الطويلة التي أعقبت تاريخ وفاته (1406م)؟ وبشكل أدق، هل تنفعنا "الخلدونية" في رحلة البحث عن معنى لوجودنا كعرب ومسلمين؟

لا شك أن الزمن الذي يفصلنا عن حقبة صاحب المقدمة طويل، وأن العالم، ونحن جزء منه، شهد تغيرات نوعية في إدراكه للأشياء وطرق فهمه لتدبيرها، وأن قياس الشاهد على الغائب، كما يقال، قد لا يُفيد من الناحيتين الإبستمولوجية والمنهجية. فنحن اليوم في زمن العولمة الجارفة، وفي ركب الثورة الرقمية التي غيرت وجه التواصل بين الناس، وفي تاريخ له أفكاره ومعارفه، وضروراته وأولوياته، ورجالاته وصُناع قراراته.

أذكر قبل عشرين سنة، حين حلت الذكرى الستمائة على وفاة الفقيه الشافعي عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406)، كيف توالت الندوات واللقاءات الفكرية، وسال مِداد كثير لإعادة قراءة وتحليل تراث هذا العالم، وتأكيد "عالمية" معارفه، بل إن بعضا مما قيل في حقه كاد يَسِمُ إنتاجه بالجامع المانع، الصالح لكل زمان ومكان. والحال أن ابن خلدون بشر، وكأي بشر، يَدين لبيئته بكل ما فكر فيه، وكتب عنه، وحلل فصوله وظواهره، بيد أن ذلك لا يمنع من أهمية التشديد على المستمِرِ المتجدِد في تفكيره. فابن خلدون حلل، برؤية انتقاديه، مسيرة سبعة قرون من التاريخ العربي الإسلامي (القرن 7م-14م)، مُجترحا أسلوبا جديدا في فن الكتابة التاريخية، لم يعتمده سابقوه ولم يتجاوزه لاحقوه، كما طرق مجالات معرفية بقدر كبير من الريادة في زمانه، من قبيل الفلسفة التاريخية، وعلم الاجتماع (العمران البشري)، وإلى حد ما علم السياسة، مستندا على عُمق علمه، وغزارة معارفه، وثراء تجربته الاجتماعية والسياسية. فعُمُره، الذي بلغ أربعا وسبعين سنة، عاشه موزعا بين موطن مولده تونس (24 سنة)، والمغرب والأندلس (26 عاما)، ومصر والشام والحجاز (24سنة)،
أننا في حاجة ماسة إلى نقد الذات، وكشف أعطابها، للتمكن من تقويمها وإعادة بنائها.
وقد أكسبته رحلته المتأرجحة بين الفكر والقلم من جهة، والسياسة والانغماس في سراديب السلطة من جهة أخرى، تجربة غنية عز نظيرها في زمانه. ثم إن القرن الرابع عشر الذي عاش ردحا طويلا من عقوده، فتح نظره على الإرث الموحدي وهو يتفكك وينهار، ويفتح الباب لتاريخ عربي إسلامي جديد، سيشكل مادة خصبة لمؤلفه العُمدة "المقدمة".

تبدو الحاجة إلى الخلدونية اليوم من زاويتين متكاملتين؛ تتعلق أولاهما بالمنهج النقدي الاستنباطي الذي اعتمده ابن خلدون في فهم وقراءة تاريخ العرب والمسلمين، فصاحب المقدمة لم يقف عند سؤال "ماذا حصل ؟"، كما فعل سابقوه من المؤرخين، بل تجاوز إلى سؤالَي "كيف حصل؟"، و"لماذا حصل؟"، وقد أسس بذلك منهجا نوعيا في الكتابة التاريخية.. إننا في ضرورة قصوى إلى قراءة حاضرنا في ضوء هذين السؤالين المنهجيين، أي أننا في حاجة ماسة إلى نقد الذات، وكشف أعطابها، للتمكن من تقويمها وإعادة بنائها.

وترتبط الزاوية الثانية بالرؤية الشمولية، التي أطّرت قراءة مؤلف "شفاء السائل"، لتاريخ العرب والمسلمين الممتد على سبعة قرون (7م-14م). ففي المقدمة، على سبيل المثال، تتداخل مستويات التحليل في استحضار التاريخ، وفلسفة التاريخ، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والفقه، وحتى البُعد الدولي، الذي لم يكن يتجاوز في وعي ابن خلدون وقتئذ الفضاء المتوسطي بضفتيه الشمالية والجنوبية الشرقية.

فلو أخذنا جزئية من فيض ما ورد في المقدمة، وأمعنا النظر في تفاصيل ما كتب ابن خلدون، لاستطعنا إبراز الحاجة إلى الخلدونية اليوم، بحسبها منهجا وفكرا للمساعدة على فهم الحاضر. فهكذا، وحتى قبل ظهور علم السياسة بقرون، تحدث الفقيه الشافعي عن "السياسة" التي ينتظم بها أمر العُمران، وهي، حسب تعبيره، نوعان: "سياسة مستندة إلى شرع منزل من الله تعالى، يوجب انقيادهم إليه وإيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه"، و"سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم، وهي كذلك نوعان: سياسة مبنية على الحكمة، وهي التي تراعى فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة مُلكه على الخصوص، وسياسة مبنية على القهر، وهي التي تراعى فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك والقهر والاستطالة، وتكون المصالح العامة في هذه السياسة تابعا".

أن هناك تشديدا لابن خلدون على الجوهر الإنساني للسياسة، أي واجب القيّمين عليها تحقيق جوهر الوجود الإنساني

والحال أن هذا التحديد يقود إلى التمييز بين ثلاثة أصناف من السياسات المنفتحة على أمور العمران البشري عند ابن خلدون: سياسة "طبيعية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى "الغرض" و"الشهوة"، وسياسة "عقلية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وسياسة "شرعية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية الراجعة إليها.

وإذا كان التمييز الخلدوني واضحا في مستويات السياسة اللازمة للعمران البشري، فإن الأمر يستلزم التساؤل عن حدود المصلح والمفسد منها لبنيان العُمران ذاته، واستمراره، وتطوره. فمن الجائز منطقيا أن "الإصلاح وعدم الفساد في الأرض" يُضفي على السياسة، وعلى العمران الناظمة لأمره، منطق الوحدة عبر تعدد مستويات الحركة والممارسة (السياسات)، ثم إن "السياسة" سعي لتحقيق الصالح العام، والمصلحة عماد السياسة وجوهرها. وغالبا ما تعرّف السياسة وتحدد بالمقاصد التي تروم تحقيقها (مصلحة سلطان، مصلحة عامة، مصلحة شرعية)، علما أن هناك تشديدا لابن خلدون على الجوهر الإنساني للسياسة، أي واجب القيّمين عليها تحقيق جوهر الوجود الإنساني. وتتبين في مستوى آخر دلالات التوحد بين الأنماط الثلاثة للسياسة في صيغة الوجوب الواردة فيها مُشترِكة، أي "حمل الكافة"، أو الإلزام العام للكافة، حيث "إذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرُها، ولا يتم استيلاؤها"، بتعبير ابن خلدون.

لذلك، تكمن القيمة الراهنة للخلدونية في الربط بين السياسة المؤسسة على المصلحة العامة والعمران البشري، وكل اختلال يحصل بينهما يكون مضرا بالاجتماع البشري، الذي أقرته الشرائع أولا وشددت عليه، واستلزمته ضرورات الوجود والاستمرار ثانيا. ولعل قارئ المقدمة لا يجد أي عناء في الوقوف على المقاطع التي يربط ابن خلدون من خلالها بين خراب العمران وتفشي الفساد وغياب العدل.. أليس ثمة حاجة حقا إلى الخلدونية في قراءة حاضرنا العربي الإسلامي؟
التعليقات (0)

خبر عاجل