قضايا وآراء

البحث عن "المشروع" المفقود

هشام الحمامي
"الدولة إطار مهم لأي فكرة موصولة بالحياة وناس الحياة، إذ لا يمكن أن تهيم الأفكار هكذا في فراغ مشاع، لا حدود له ولا شكل فيه"- CC0
"الدولة إطار مهم لأي فكرة موصولة بالحياة وناس الحياة، إذ لا يمكن أن تهيم الأفكار هكذا في فراغ مشاع، لا حدود له ولا شكل فيه"- CC0
شارك الخبر
حين خاطب أحد الصالحين أنصاره ومحبيه بجملة تحمل من النصح والإرشاد والخوف، في توقيت بدا أنه حرج وخطر، وقد قال لهم هذه الجملة النصيحة، وهو يحاول أن يأخذ بأيديهم إلى ترتيب المفاهيم والأفكار في فهم وفقه ووعي بالواقع والوقائع.. ومن الملفت للنظر أن هذه الجملة لا تتكرر كثيرا الآن، بل تكاد تكون اختفت من أدبيات الحركات الإصلاحية والاجتماعية، رغم حمولتها المليئة بالمعنى المانع الجامع، وهي الجملة التي خرجت من تجربة واسعة، ومركبة، وممدودة الصلة بتاريخ طويل تتقاطع خيوطه في نقطة حرجة، ما أن يبلغها البالغون حتى يحدث ما لا تحمد عقباه من حوادث وأحداث وأحاديث يمتلئ بها فم المؤرخين من المتناقضات الغامضات.

ما هذه الجملة النصيحة؟ وما هذه النقطة الحرجة؟

الجملة النصيحة هي "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم.. تقم على أرضكم".. ومن الأمور الملفتة هو حضور "الدولة" في أعمال القلوب، وهي الأعمال التي تتصل بجوهر وجود الإنسان في عمق أعماقه، وفيما يبدو أن استحضارها في النصيحة كان استحضار الضرورة، لشدة اتساع مفهوم الدولة عند المنصوحين.

الصراع على الدولة قديم، ومحصلته كانت دائما بداية لتأريخ التاريخ، بل لتأريخ التواريخ، لأن الكاتب والمكتوب دائما محمول على التحيز في مدارات الأنا والآخر

وما النقطة الحرجة إلا "الصراع على الدولة"، لكن الوعي بالخطر القديم القريب -والحق يقال- كان حاضرا.. لذلك كانت النصيحة، التي وإن بدت أنها لم تأت في وقتها الأنسب تماما، بل ويبدو أيضا أنها دخلت في صيرورة التكرار! وكأنها لم تُقَل.. وكأنها لم تُسمع.. وكأنها لم تكن قادمة من وعاء التجربة.

* * *

الصراع على الدولة قديم، ومحصلته كانت دائما بداية لتأريخ التاريخ، بل لتأريخ التواريخ، لأن الكاتب والمكتوب دائما محمول على التحيز في مدارات الأنا والآخر. لذلك سيكون لدينا تأريخات عديدة لتاريخ واحد! وهذا على كل حال يختص بعلم التاريخ، وهو ليس موضوعنا هنا.

* * *

الدولة إطار مهم لأي فكرة موصولة بالحياة وناس الحياة، إذ لا يمكن أن تهيم الأفكار هكذا في فراغ مشاع، لا حدود له ولا شكل فيه.

لكن مفهوم الإنسان وحياة الإنسان أهم من الدولة، فالدولة لاحقة له، لا سابقة، ومحكومة به قبل أن تكون حاكمة، ومسؤولة منه قبل أن تكون سائلة له. وهذا هو الفهم المفقود في سياق فكرة الإصلاح والنهوض بالأمة والمجتمع.

* * *

انتبه لذلك عبد الله النديم رحمه الله (ت: 1896م)، ورأى في ذلك أن الإنسان لا يكون إلا بصلته بأخيه الإنسان في وجه الدولة والسلطة، وأطلق صيحته الشهيرة "اشدد يدك بيد أخيك تفلح"، ودعا الناس إلى القيام بتأسيس جمعيات خيرية، تحاصر بها الدولة في كل مجالات الحياة.. المهم ألا يكون الإنسان وحيدا في حياة يكون فيها نفعه وضره يقف على باب بيته فقط.

ولعل النديم استوحى هذه الفكرة من الجماعات الصوفية التي يكون فيها البناء التنظيمي أحد الوسائل المهمة في طريق "الوصول"، وهو نفسه حين اختفى لمدة عشر سنوات من السلطة الجائرة بعد انكسار الثورة العرابية (1882م) كان اختفاؤه من مدينة لمدينة، ومن بيت لبيت عن طريق الجماعات الصوفية.

* * *

لم يكن النديم وحده في إدراك ذلك المفهوم الأصيل في إطار هذه التجربة المنسية، سيأتي بعده الزعيم محمد فريد (ت: 1919م) ويؤكد على بُعد هام من أبعاد الإنسان في تلك التجربة، وهو الوعي والتعليم، فدعا إلى تكوين "مدارس الشعب" ليكون الناس حاضرين بوعيهم، في عموم الحياة وليس فقط بأبدانهم واحتياجات أبدانهم. وانتشرت التجربة ولاقت إقبالا واسعا من بسطاء الناس، ملح الأرض وعماد الأمة، ومشاركة قوية من المهنيين والموظفين الذين كانوا يخرجون من أعمالهم ليقوموا بالتدريس المسائي في هذه المدارس التي كانت تقام في الشوارع.

المسألة خطيرة، وتتصل بالمستقبل في أخطر خطوط تواصلنا به، وهو خط "الوجود الحق" في مجرى هذا المستقبل الذي سيوغل في الزمن بنا، وبدوننا

وتلك أحد التجارب الأكثر نسيانا وإغفالا في الوعي الإصلاحي، وسنرى أن الزعيم مصطفى كامل (ت: 1908م) سيكون حضوره أكثر لدى الإصلاحيين بحماسياته الخطابية، ومواقفه السياسية الموصولة بفكرة الدولة والسلطة أكثر كثيرا من حضور الزعيم محمد فريد الموصولة بعالم الإنسان والوعي.

* * *

قد تكون الحركة الإصلاحية الآن في مفترق طرق، بعد تجارب كثيرة أغلبها كان يدور حول المنافسة على الدولة الحديثة، ومؤسساتها وأدواتها التي تحكم بقبضتها على حياة الناس من الميلاد للممات..

وقد يكون التذكير بالبديهيات أيضا ضرورة في كل وقت، ورحم الله الأستاذ العقاد (ت: 1964م) الذي قال لنا في كتابه المهم "التفكير فريضة إسلامية" إنه لم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله في كتاب من كتب الأديان المنزلة، كما تقررت في القرآن، رغم أن مجتمع مكة كان مؤمنا بالله، ولكن في شرك وإشراك. ومع ذلك كان هذا التكرار ببديهيات البراهين التي تؤكد حقيقة الخلق والخالق.

المسألة خطيرة، وتتصل بالمستقبل في أخطر خطوط تواصلنا به، وهو خط "الوجود الحق" في مجرى هذا المستقبل الذي سيوغل في الزمن بنا، وبدوننا لا قدر الله. وصدق من قال إن اليوم.. هو ماضي الغد.

x.com/helhamamy
التعليقات (0)