محاور المنطقة.. بِمَ يخبرنا تصريح نتنياهو؟

سعيد الحاج
"يؤكد تصريح نتنياهو أنه لا أصدقاء ولا حلفاء في المنطقة لدولة الاحتلال، حتى من الدول التي لا تواجهه أو تلك التي أبرمت معه اتفاقيات"- جيتي
"يؤكد تصريح نتنياهو أنه لا أصدقاء ولا حلفاء في المنطقة لدولة الاحتلال، حتى من الدول التي لا تواجهه أو تلك التي أبرمت معه اتفاقيات"- جيتي
شارك الخبر
قال رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو إنه يسعى لتشكيل محور جديد يجابه "المحور الشيعي المتطرف الذي وجهنا إليه ضربات شديدة جدا، والمحور السني المتطرف الذي برز أخيرا".

تصريح نتنياهو جاء تعقيبا على الزيارة المرتقبة لرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي لدولة الاحتلال خلال الأيام المقبلة، وشدد فيه على أن الهدف هو "خلق محور من الدول التي تتقاسم الرؤية نفسها للواقع والتحديات والأهداف في مواجهة محاور متطرفة". وقد ذكر أن المحور المقصود يفترض أن يضم إلى جانب "إسرائيل" والهند دولا عربية وأفريقية ومتوسطية (اليونان وقبرص) ودولا أخرى في آسيا لم يسمّها.

وإذا كانت إشارة "المحور الشيعي" واضحة الدلالة بخصوص إيران والقوى المرتبطة بها، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن ومجموعات عديدة في العراق، فإن "المحور السني المتشكل حديثا" صيغة مستخدمة "إسرائيليا" في الآونة الأخيرة دون تحديد واضح وقاطع بخصوص الدول المقصودة به، حيث يفهم منها أحيانا تركيا وسوريا، وأحيانا أخرى تركيا والسعودية ومصر، وتضاف لها أحيانا أخرى باكستان (ومن هنا مركزية الهند في المحور المفترض).

لا يستهدف هذا التصريح المجتمع الصهيوني الداخلي أو يقصد به الاستهلاك المحلي بقدر ما يعبر عن رؤية "إسرائيلية" استراتيجية للمنطقة

لا يستهدف هذا التصريح المجتمع الصهيوني الداخلي أو يقصد به الاستهلاك المحلي بقدر ما يعبر عن رؤية "إسرائيلية" استراتيجية للمنطقة. فما الذي يخبرنا إياه تصريح نتنياهو؟

تحدث الكثيرون عن النظرية الأمنية "الإسرائيلية" المتغيرة بعد السابع من أكتوبر 2023، والتي تعتمد على فكرة وأد التهديدات المحتملة قبل نشوئها بدل مواجهتها بعد حصولها، بما في ذلك الحروب الاستباقية، وتوسيع الاحتلال، والمناطق العازلة داخل حدود الدول. ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن فهم الاستهداف المتكرر والمركّز على سوريا بعد سقوط نظام الأسد رغم أنها لا تشكل تهديدا على دولة الاحتلال لا الآن ولا في المدى المنظور، لا من حيث الإرادة ولا من حيث القدرات، كما يفسر وضع تركيا في إطار التهديد والمواجهة غير المباشرة في الآونة الأخيرة.

ورغم أن هذه النظرية الأمنية تبدو ظاهريا ردة فعل على عملية "طوفان الأقصى" وتداعياتها، إلا أنها في جوهرها ومضمونها عودة إلى أصل المشروع الصهيوني في المنطقة، ونظرياته العسكرية والأمنية الأولى التي خطّها أمثال بن غوريون وجابوتنسكي وغيرهما. بل إن بعضها يرتكز على فكرة "استدراك أخطاء التأسيس"، والمقصود بذلك بقاء بعض الفلسطينيين على أرضهم في الأراضي المحتلة عام 1948 وكذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن هنا أخرِجت من الأدراج خطط التهجير و"الترانسفير" وإعادة الاحتلال بخصوص هذه المناطق.

على مستوى نظرة الكيان للمنطقة، يخبرنا تصريح نتنياهو، بما هو تعبير عن نظرة استراتيجية، بما يلي:

أولا، تنظر "إسرائيل" إلى كامل محيطها بعين العداوة والريبة والتوجس، ولذلك فهي تسعى لمحاصرة هذا المحيط عبر إعادة إنعاش "تحالف المحيط" أو "عقيدة المحيط" التي انتهجتها بعد النكبة و"التأسيس" لعقود تلت، وكان ترتكز على مبدأ محاصرة دول الطوق بعلاقات تعاون وتحالف مع دول وكيانات تحيط بها وتحاصرها، وفي مقدمتها -في ذلك الحين- إيران وتركيا وإثيوبيا.

اليوم يتحدث نتنياهو عن "تحالف محيط" جديد يحاصر حتى بعض هذه الدول المذكورة، بالهند من الشرق، وصومالي لاند وربما إثيوبيا من الجنوب، واليونان وقبرص من الغرب، وربما أذربيجان من الشمال، فضلا عن دول عربية لم يسمها.

ثانيا، تفترض نظرية "عقدة المحيط"، بالتوازي مع هذه التحالفات، مسارات استراتيجية أخرى، في مقدمتها إثارة النعرات والصراعات البينية في الدول الكبيرة في المنطقة على أسس دينية ومذهبية وعرقية، وإضعافها و/أو تفتيتها وتقسيمها على هذه الأسس، والتعاون و/أو التحالف مع الأقليات، بحيث تصبح "إسرائيل" دويلة ضمن الدويلات العرقية والطائفية الكثيرة لا كيانا غريبا عن نسيج المنطقة كما هي فعلا.

ثالثا، يؤكد تصريح نتنياهو أنه لا أصدقاء ولا حلفاء في المنطقة لدولة الاحتلال، حتى من الدول التي لا تواجهه أو تلك التي أبرمت معه اتفاقيات تطبيع وتنسيق وتعاون، إلا إذا رضخت تماما لرؤيتها وأهدافها وأولوياتها، وهذا ما عبّر عنه نتنياهو في تصريحه بالإشارة إلى "محور من الدول التي تتقاسم الرؤية نفسها للواقع والتحديات والأهداف".

رابعا، يثبت كل ذلك أن الحرب الأمريكية- "الإسرائيلية" المزمع شنّها على إيران ليست محطة ختامية في مسار محدد شارف على النهاية، وإنما حلقة في سلسلة متصلة من إخضاع المنطقة بكاملها للنفوذ "الإسرائيلي". وهنا يمكن الإشارة لعدة تصريحات طالت دولا مثل تركيا والسعودية ومصر، على ألسنة نتنياهو (الذي حذر من الجيش المصري) ووزراء في حكومته (هاجموا السعودية) وإعلاميين ومحللين سياسيين (ذكروا أن "نصف النهائي" سيكون مع إيران والنهائي" مع تركيا).

ثمة ضرورة ملحّة لمواجهة هذا التهديد الوجودي للمنطقة ودولها وشعوبها، بتعزيز القدرات الذاتية، ونسج التحالفات البينية، ودعم القوى المواجهة للاحتلال

خامسا، ليست هذه رؤية هامشية ومقتصرة على "إسرائيل"، بل تشترك معها فيها الإدارة الأمريكية الحالية، بدءا من "صفقة القرن" التي كان أعلنها ترمب لتصفية القضية الفلسطينية، مرورا بنقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بضم الجولان، ثم بوعوده الانتخابية الأخيرة مثل ضم الضفة الغربية المحتلة و"ضرورة توسيع حدود إسرائيل الضيقة"، وليس انتهاء بتصريحات السفير الأمريكي لدى "إسرائيل" مايك هاكابي الذي أيّد ضم الأخيرة لكامل المنطقة وفق رؤية "إسرائيل الكبرى" والوعود التوراتية المزعومة.

وإذا قيل إن ترمب يتحدث عن السلام ويسعى للتهدئة ويدعو للاتفاقات الاقتصادية والتعاون التجاري، فلنتذكر بأن رؤيته تعتمد على "السلام عبر القوة"، أي بالإخضاع من خلال الحروب والقوة المفرطة أو التلويح بهما، ما يعني في نهاية المطاف فرض منطق الهدوء والاستقرار بعد إخضاع المنطقة بالكامل للنفوذ الأمريكي والهيمنة "الإسرائيلية".

مرة أخرى، تصريح نتنياهو ليس زلة لسان أو خطابا حاد النبرة للاستهلاك المحلي، وإنما تعبير عن رؤية استراتيجية باتت تقود دولة الاحتلال، دلائلها وقرائنها في الواقع المعاش والمنظور كثيرة وكثيرة جدا.

صحيح أن معظم الدول العربية قد شجبت تصريحات السفير الأمريكي وربما ستنتقد تصريح نتنياهو، بيد أنه من الواضح أن الأمر تخطى منذ زمن بعيد إمكانية الاكتفاء بالتصريحات والشجب والتنديد. إذ ثمة ضرورة ملحّة لمواجهة هذا التهديد الوجودي للمنطقة ودولها وشعوبها، بتعزيز القدرات الذاتية، ونسج التحالفات البينية، ودعم القوى المواجهة للاحتلال وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية، هذه المرة من باب الدفاع عن النفس إن لم يكن من باب التضامن مع الفلسطينيين.

x.com/saidelhaj
التعليقات (0)