من بين زخم الأسئلة اليومية والتكتيكية للحرب على
إيران وضجيجها، يبقى
السؤال الاستراتيجي الأكثر إلحاحا عن مسار
الحرب ومستقبلها.
فقد امتصت إيران الصدمة الأولى وأفشلت سيناريوهات الحسم السريع التي بشر
بها ترامب ومعه نتنياهو، فلا سقط النظام، ولا استسملت طهران، ولا أتى باقي النظام
خاضعا لشروط التفاوض الأمريكية الجديدة، ولا خرج الشعب عن بكرة أبيه للشارع (مع
وصول "المساعدة" الأمريكية)، ولا نشطت التنظيمات الانفصالية.
والحال كذلك، فالحرب في أسبوعها السادس تقف اليوم أمام عدة مسارات محتملة
في ظل تهديدات الرئيس الأمريكي وحديث المفاوضات الخجول والاشتراطات المتبادلة.
على المدى البعيد، لا شك أن الحل السياسي هو المسار الأوفر حظا، وغالبا عبر
التفاوض، إذ تدرك إيران أنها غير قادرة على هزيمة الولايات المتحدة -ومعها "
إسرائيل"- بالمعنى العسكري البحت، كما
بات من المستبعد أن تخرج الأخيرتان بنصر عسكري حاسم وكامل عليها.
السؤال الملحّ ليس عن الخاتمة النهائية للحرب، وإنما عن المسارات المحتملة وفق المشهد القائم والمعطيات الحالية
لكن السؤال الملحّ ليس عن الخاتمة النهائية للحرب، وإنما عن المسارات
المحتملة وفق المشهد القائم والمعطيات الحالية.
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسة محتملة؛ إما أن يعلن ترامب نهاية الحرب من
طرفه، وإما أن تنتهي الحرب باتفاق بعد مفاوضات، أو أن تستمر الحرب وتتفاقم وربما
تتوسع.
ثمة ما يمكن أن يدفع الرئيس الأمريكي لإعلان "النصر" ووقف الحرب
من طرفه، عدا عن شخصيته المتذبذبة وقراراته غير المتوقعة، مثل الضغوط الداخلية،
والتبعات الاقتصادية للحرب ولا سيما أزمة مضيق هرمز، وعزلة واشنطن وعدم قدرتها -حتى
اللحظة - على دفع دول أخرى لمشاركتها الحرب. بيد أن أيا من هذه العوامل لا يشكل
ضغطا لا يمكن مقاومته و/أو تأجيله بالنسبة للبيت الأبيض، ما يجعل الوقف أحادي
الجانب للحرب احتمالا ضعيفا، لا سيما وأن ترامب ليس في وارد وضع
"إسرائيل" أمام كارثة عسكرية وأمنية محتملة.
وأما المفاوضات فلا أرضية جاهزة لها حتى اللحظة، ولا ثقة قد بنيت بين
الجانبين الإيراني والأمريكي، ولا إشارات على فرصة حقيقية لإحداث اختراق فيها، بل
جلُّ ما قامت به دول مثل باكستان وتركيا ومصر هي نقل الرسائل بين طهران وواشنطن،
وهو ما يبدو أنه وصل إلى طريق مسدود في المحاولات الأولى حسب ما ورد.
في المقابل، ثمة خمسة عوامل رئيسة تدفع نحو تصعيد الحرب، هي:
الأول، أهداف الحرب. أعلنت الإدارة
الأمريكية عدة أهداف لحربها على إيران في مقدمتها إنهاء برنامجيها النووي
والصاروخي وتغيير سياسياتها الإقليمية، وتحديدا ما يتعلق بحلفائها وشركائها، فيما
يبقى تغيير النظام الهدف الأعلى المعلن والضمني، وهو الهدف الرئيس بالنسبة لدولة
الاحتلال بالتأكيد. لم تحقق الولايات المتحدة و"إسرائيل" أيا من هذه
الأهداف، رغم التصريحات "العنترية" التي يطلقها ترامب بين الحين والآخر،
ما يعني أن وقف الحرب عند الوضع الحالي مستبعد من وجهة نظر عسكرية واستراتيجية
بالنسبة للطرفين المعتديين.
الحرب على إيران، وبغض النظر عن مهلة ترامب الأخيرة ومدى تنفيذه لتهديداته، غير مرشحة لأن تقف قريبا جدا، لا بتفاوض واتفاق ولا بقرار أحادي الجانب. المرجّح حتى اللحظة استمرار الحرب وتصعيدها، بل وربما توسعها بانخراط أطراف إضافية فيها
الثاني، سردية النصر. وفقا لذلك، لا
يملك لا ترامب ولا نتنياهو فرصة حقيقية لتقديم سردية نصر حاسم أو شبه حاسم للجبهة
الداخلية في كل من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، حتى ولو كان الخيار الأنسب
للأخيرتين وقف الحرب. وتزداد أهمية هذا المعطى في ظل سير كل منهما لانتخابات مهمة
قد تساهم في إعادة ضبط المشهد السياسي في الجانبين، والمساهمة في رسم المستقبل
السياسي لترامب ونتنياهو وتياريهما.
الثالث، تعدد الجبهات. دخول حزب الله
بفعالية واضحة، وبدرجة أقل أنصار الله/الحوثيين ومجموعات عراقية، إلى المواجهة
يجعل التوصل لأي اتفاق أكثر تعقيدا وصعوبة، خصوصا وأن الجبهة اللبنانية غير مرشحة
للبقاء على حالها ولا وقف إطلاق النار وانسحاب الاحتلال قريبا، مضافا لذلك
الإشارات الإيرانية على ضم الوضع في لبنان إلى موقف إيران التفاوضي.
الرابع، وضع إيران. تبدو إيران اليوم
وقد التقطت أنفاسها واستعادت زمام المبادرة بعد الصدمة الكبيرة الأولى على
الصعيدين القيادي والعسكري، وترى أن استمرار المواجهة يشكل استنزافا أكبر للمعتدين
وتعزيزا محتملا لأوراقها التفاوضية، وخصوصا مسألة مضيق هرمز وتداعياتها على
الاقتصاد العالمي.
الخامس، العامل "الإسرائيلي". رغم الاتفاق الكبير على أهداف الحرب بين ترامب/أمريكا
ونتنياهو/"إسرائيل"، إلا أنه ليس ثمة تماهٍ كامل في موقف الطرفين بخصوص
كيفية وشروط وقف الحرب. بل هناك ريبة "إسرائيلية" معلنة وشبه رسمية من
احتمال "غدر" ترامب وإعلانه موقفا منفردا بدون موافقة نتنياهو، ولذلك
يسعى الأخير بكافة السبل لضمان استمرار الحرب وتضييق مساحات المناورة الدبلوماسية
وتقليل فرص المسار التفاوضي.
في الخلاصة، فإن الحرب على إيران، وبغض النظر عن مهلة ترامب الأخيرة ومدى
تنفيذه لتهديداته، غير مرشحة لأن تقف قريبا جدا، لا بتفاوض واتفاق ولا بقرار أحادي
الجانب. المرجّح حتى اللحظة استمرار الحرب وتصعيدها، بل وربما توسعها بانخراط
أطراف إضافية فيها.
x.com/saidelhaj
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.