سلط تقرير لمجلة "إيكونوميست" الضوء على هروب عدد كبير من الأجانب الأثرياء من
دبي بعد تصاعد المخاطر الأمنية نتيجة
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على
إيران، مشيرا إلى أنه رغم مزايا دبي مثل غياب الضرائب وتوافر الفرص الاستثمارية، إلا أن تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة دفع كثيرين إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً.
وقالت المجلة، في
التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الحياة في دبي كانت تُعد من أكثر أنماط العيش رفاهية بالنسبة للموظفين الأجانب؛ فالمدارس الخاصة جيدة، والشواطئ جميلة، والرحلات الجوية متوفرة بكثرة، والكحول مسموح به ما لم يكن الشخص إماراتيًا أو مسلمًا.
كما أن الوافدين لا يدفعون ضرائب على الدخل، ولا يخضعون لتفتيش مالي مزعج، ولا يواجهون عزلة اجتماعية، مما أتاح للصينيين الأثرياء في العملات الرقمية والأوليغارشيين الروس الاختلاط بالمصرفيين الغربيين والمستثمرين العقاريين العرب ورواد الأعمال الإسرائيليين.
ولا تزال هذه المزايا قائمة بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لكنها باتت تُقابل اليوم بمخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي قد تسقط على الفنادق أو الأبراج السكنية أو حتى على محطة الطاقة النووية الوحيدة في
الإمارات كما حدث في 18 أيار/ مايو الماضي.
ورغم أن معظم هذه الهجمات جرى اعتراضها قبل أن تُحدث أضرارًا جسيمة في دبي أو غيرها من مناطق الإمارات، لكن كثيرًا من المقيمين الأجانب فضلوا المغادرة بدلًا من انتظار المزيد من الصواريخ التي قد تفلت من الدفاعات؛ حيث حجز بعضهم مقاعد في آخر الرحلات إلى أمريكا أو أوروبا، بينما قاد آخرون سياراتهم إلى مسقط في سلطنة عمان بحثًا عن طرق بديلة للهروب.
كان كثير منهم يأملون في العودة بعد انتهاء القتال، لكن مع استمرار الحرب بدأوا يبحثون عن ملاذات أكثر أمانًا. وهنا يُطرح السؤال: إلى أين يتجهون؟ وهل سيعودون يومًا؟
وأشارت المجلة إلى أن الإمارات لا تكشف إحصاءات دقيقة عن عدد المقيمين الأجانب، لكن التقديرات تشير إلى أن نحو 3 إلى 4 ملايين من أصل 12 مليون نسمة من الأثرياء الأجانب وعائلاتهم قبل الحرب، بينهم أكثر من 240 ألف مليونير. وكانت دبي تستحوذ على النصيب الأكبر من هؤلاء، وهي اليوم مرشحة لأن تكون صاحبة النصيب الأكبر من المغادرين.
وقد أفاد دومينيك فوليك من شركة "هينلي آند بارتنرز"، التي تقدم المشورة للأثرياء المتنقلين، أن الاستفسارات من المقيمين في الإمارات حول وجهات بديلة ارتفعت بأكثر من 40 بالمائة في الأسابيع الأخيرة.
اظهار أخبار متعلقة
وتتنافس الآن أكثر من 35 دولة على جذب الأثرياء ورواد الأعمال، بحسب جان فرانسوا هارفي من مجموعة "هارفي" القانونية العالمية المتخصصة في شؤؤون الهجرة؛ إذ تواجه وجهات تقليدية مثل نيوزيلندا ومالطا منافسة من جزر المالديف التي ستطلق برنامج إقامة دائمة عبر الاستثمار هذا العام، ومن الأرجنتين التي يُتوقع أن تعرض قريبًا الجنسية على كبار المستثمرين.
كما اقترحت تركيا في 24 نيسان/ أبريل إعفاءً لمدة 20 عامًا من ضريبة الدخل والأرباح الرأسمالية لبعض الأجانب، وقد حصل نحو عشرة عملاء بالفعل على الجنسية التركية بشراء منازل هناك منذ بداية الحرب.
وأضافت المجلة أن ميلانو تُعد وجهة مفضلة بشكل خاص، إذ أكد المحامي الضريبي في ميلانو لدى شركة "ويذرز" للمحاماة، روبرتو بونومي، أن حركة الخروج من دبي إلى ميلانو في تزايد.
كما ذكرت ديليتا جيورجولو من شركة "سوذبيز إنترناشونال ريالتي" للعقارات أن الاهتمام بإيطاليا من سكان الخليج ارتفع بشكل ملحوظ مقارنة بالعام الماضي، حيث تحولت الطلبات من إيجارات مؤقتة إلى خطط طويلة الأمد تشمل أسلوب الحياة والاستثمار.
وتوفر ميلانو، عاصمة الموضة والمال، للأثرياء شبكات الأعمال والفرص لتوسيع ثرواتهم، وليس فقط إنفاقها؛ فقد أنشأت صناديق التحوط الأمريكية مثل "ميلينيوم مانجمنت" مكاتب في المدينة لتمكين المتداولين الأثرياء ومديري المحافظ الاستثمارية من الاستفادة من الحوافز الضريبية الإيطالية؛ الذين يدفعون مبلغًا سنويًا ثابتًا قدره 300 ألف يورو على كامل دخلهم الأجنبي.
كما تتوفر مدارس دولية أمريكية وبريطانية وكندية وفرنسية وألمانية، والطقس معتدل نسبيًا.
ويمكن أيضًا لمواطني الاتحاد الأوروبي الانتقال إلى ميلانو بسهولة، وهو ما يجعلها وجهة مفضلة للوافدين الأوروبيين من دبي. أما غير الأوروبيين فيمكنهم الحصول على الإقامة عبر استثمار 250 ألف يورو في شركة ناشئة إيطالية أو 500 ألف يورو في شركة قائمة، أو التبرع بمليون يورو لجمعية خيرية، أو شراء سندات حكومية بقيمة مليوني يورو.
وقالت المجلة إن سنغافورة تُعد بديلًا جذابًا خصوصًا للآسيويين؛ فقد خسرت المدينة في السنوات الأخيرة أمام دبي التي جذبت أثرياء الهند والصين بفضل بريقها وقوانينها المتساهلة وفرصها العقارية.
وبينت أن صورة سنغافورة المنضبطة، مع حكومتها الكفؤة ونظامها القانوني المستقر وبنيتها التحتية لإدارة الثروات، باتت اليوم ميزة؛ فقد سجلت البنوك الكبرى مثل "أو سي بي سي" زيادة في تدفق الثروات من دبي، كما تضاعفت واردات الذهب من الإمارات أربع مرات منذ كانون الثاني/ يناير، مع قيام الأثرياء بتغيير مواقع مخزوناتهم من السبائك.
وقد ارتفعت الاستفسارات القانونية في سنغافورة بنسبة الثلث خلال الشهرين الماضيين، بحسب رايان لين من شركة "بايفرونت لو"، وهي شركة محاماة في سنغافورة. وأصبح الأثرياء الصينيون الجدد أكثر اهتمامًا بمغادرة الشرق الأوسط، فيما يعيد الأثرياء الهنود النظر في سنغافورة، ومن بينهم موكيش أمباني أغنى رجل في الهند الذي افتتح مكتبًا عائليًا هناك عام 2022.
اظهار أخبار متعلقة
ولفتت المجلة، إلى أن ميلانو وسنغافورة، رغم مزاياهما، ليستا بديلين مثاليين لدبي. فالأثرياء الروس غير مرحب بهم في أوروبا بسبب حرب أوكرانيا، وهناك مخاوف من أن الانتخابات المقبلة قد تؤدي إلى وصول حكومة تُلغي النظام الضريبي المخفف.
أما سنغافورة فتفرض ضريبة دخل بنسبة 24 بالمائة ورسومًا مرتفعة على مبيعات العقارات للأجانب، وشددت قوانينها بعد فضيحة غسيل أموال بقيمة 3 مليارات دولار عام 2023، وأصبحت أكثر حذرًا في استقبال الأموال القادمة من دبي.
ويسمح قانون صدر في عام 2024 للشرطة السنغافورية بالبحث في بيانات الضرائب والجمارك. في السنوات الأخيرة؛ تم رفض أو سحب 80 بالمائة من طلبات الترخيص المقدمة من شركات العملات المشفرة في سنغافورة، وفقًا لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وهي هيئة رقابة لمكافحة غسل الأموال.
وأكدت المجلة أن بعض الثروات، مثل ثروات العملات الرقمية، ستظل في الشرق الأوسط. كما أن مديري الثروات الأجانب بحاجة للبقاء قريبين من عملائهم، ويتوقع كثير منهم العودة إلى دبي قريبًا، مبينة أنه حتى الشركات التي سمحت لموظفيها الأثرياء بالعمل عن بُعد في الأشهر الأولى من الحرب، سواء من ميلانو أو لندن، تتوقع عودتهم إلى مكاتب دبي.
وختمت المجلة أن أحد مديري الثروات يؤكد أن "الوقت كفيل بحل المشاكل"، لكن كلما طال أمد الحرب زادت احتمالات أن يترك الوافدون دبي نهائيًا. وفي الأثناء، يفضل كثيرون التعافي في أماكن أقل سخونة وأكثر استقرارًا.