قالت الصحفية أماندا تاوب في مقال نشرته صحيفة "
نيويورك تايمز" إن
إيران نجحت، رغم الفارق العسكري الهائل بينها وبين
الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، في منع خصومها من تحقيق نصر سريع خلال الحرب التي اندلعت أواخر شباط/ فبراير 2026، عبر استراتيجية وصفتها بـ”الإكراه الثلاثي”، تقوم على استهداف أطراف ثالثة أكثر هشاشة لكن ذات أهمية استراتيجية لواشنطن.
وأضافت تاوب أن طهران تمكنت بعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب من تجاوز موجة الاغتيالات والضربات الأولى، قبل أن تنجح في فرض حالة من الجمود العسكري والسياسي على خصومها، عبر توسيع دائرة الضغط لتشمل دول
الخليج وممرات الطاقة العالمية.
وأشارت إلى أن إيران حافظت منذ منتصف آذار/ مارس على سيطرتها الفعلية على مضيق
هرمز، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط والغاز العالمية، في حين تمكنت من الحد من استهداف منشآتها الحيوية، ودفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى احتواء التصعيد الإسرائيلي في لبنان ضد حزب الله.
ونقلت تاوب عن الباحثة المتخصصة في السياسة الخارجية الإيرانية في معهد العلوم السياسية بفرنسا، نيكول غراجيفسكي، قولها إن “إيران تمتلك أفضلية واضحة حاليا، بينما تبدو الولايات المتحدة في حالة تخبط”.
اظهار أخبار متعلقة
“الإكراه الثلاثي”
وبحسب تاوب، اعتمدت طهران على مفهوم يطلق عليه خبراء نظرية الألعاب اسم “الإكراه الثلاثي”، وهو أسلوب يقوم على مهاجمة طرف ثالث أضعف من الخصم الأساسي، لكنه يمتلك تأثيرا عليه.
وأوضح أستاذ الجامعة العبرية في القدس والمتخصص في استراتيجيات الردع الإيرانية، دان سوبلمان، أن إيران استخدمت دول الخليج باعتبارها الحلقة الأضعف والأكثر حساسية بالنسبة للولايات المتحدة.
وقالت تاوب إن طهران بدأت هذه الاستراتيجية بإطلاق النار على السفن العابرة في مضيق هرمز بعد أيام من اندلاع الحرب، ما أدى عمليا إلى شلل حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن التحول الأبرز، وفق روايتها، جاء في 18 آذار/ مارس، عندما قصف الاحتلال الإسرائيلي حقل “بارس الجنوبي” الإيراني للغاز، فردت طهران باستهداف منشأة “رأس لفان” للغاز الطبيعي المسال في قطر، إلى جانب شن هجمات بمسيّرات على منشآت نفطية في السعودية والكويت.
ونقلت عن سوبلمان قوله إن إيران أرست بذلك “معادلة ردع جديدة”، مفادها أن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيقابله استهداف مباشر لمنشآت الطاقة الخليجية.
ترامب يتراجع
وأضافت تاوب أن الهجمات الإيرانية على البنية التحتية الخليجية رفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب، ما وضع ضغوطا اقتصادية وسياسية على واشنطن.
وأشارت إلى أنه بعد ساعات من التصعيد، أعلن ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الضربة الإسرائيلية على “بارس الجنوبي” لم تكن منسقة مع الولايات المتحدة، مؤكدا أنه لن تكون هناك هجمات إضافية على الحقل الإيراني طالما توقفت طهران عن ضرب قطر.
واعتبرت أن تلك اللحظة شكلت نقطة تحول مركزية في الحرب، إذ بدأ بعدها الحديث عن سقف للتصعيد، رغم استمرار تبادل الضربات بين الجانبين.
وأضاف سوبلمان، بحسب تاوب، أن “الولايات المتحدة وإسرائيل محصنتان نسبيا ضد الضربات المباشرة”، لكن دول الخليج أكثر هشاشة، وهو ما استغلته إيران لتحقيق نفوذ ردعي ضد واشنطن.
اظهار أخبار متعلقة
مفاوضات وهدنة دون فتح المضيق
وذكرت تاوب أنه خلال أيام من التصعيد أعلن ترامب بدء مفاوضات مباشرة مع إيران، قبل أن يتم التوصل في 8 نيسان/ أبريل إلى وقف لإطلاق النار، رغم استمرار إغلاق مضيق هرمز.
وأضافت أن جهود الولايات المتحدة لإعادة فتح المضيق باءت بالفشل، رغم فرض حصار بحري على الممر ومحاولة الضغط اقتصاديا على إيران.
كما تحدثت عن عملية أمريكية أطلق عليها ترامب اسم “مشروع الحرية”، هدفت إلى مرافقة السفن العالقة في المضيق، غير أن واشنطن تراجعت عنها بعد أيام، ما أدى إلى بقاء أكثر من ألف سفينة عالقة.
ونقلت عن سوبلمان قوله إن ذلك “يُظهر بوضوح قدرة إيران على كبح جماح الولايات المتحدة وردعها”.
تداعيات استراتيجية تتجاوز الحرب الحالية
ورأت تاوب أن استمرار إيران في فرض سيطرة جزئية على المضيق قد يمنحها مكاسب جيوسياسية طويلة الأمد، تتجاوز مجرد الصمود في الحرب الحالية.
ونقلت عن الباحثة في الأمن الدولي لدى مركز تشاتام هاوس، نيتيا لاب، قولها إن طول مدة سيطرة إيران على الملاحة البحرية يجعلها “طرفا لا يمكن تجاوزه” في أي ترتيبات مستقبلية لإعادة فتح المضيق.
كما نقلت عن غراجيفسكي قولها إن قدرة طهران على إعادة إغلاق المضيق مستقبلا قد تتحول إلى “بوليصة تأمين” ضد أي هجمات أمريكية أو إسرائيلية جديدة.
وختمت تاوب مقالها بالإشارة إلى أن التجربة الإيرانية كشفت عن نقطة ضعف أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية، مفادها أن القوة العسكرية الهائلة لا تعني بالضرورة الحصانة من الردع أو الإكراه غير المباشر، مرجحة أن تلجأ دول أخرى مستقبلا إلى تبني نماذج مشابهة لمواجهة النفوذ الأمريكي.