بعيداً عن السياسة والحروب، وعن ترامب وإيران وكل هذا النكد الذي يرفض أن يفارقنا. هاكم هذا:
«كان يا ما كان.. حكاية ترويها العجايز للصبيان
قبل ما تنام
يغنيها راوي أعمى من زمان
بادي الكلام
كان يا ما كان
أنا وحبيبي عاشقين الاثنين
نرعى الغنم عايشين.. عايشين هانيين
فوق المرج الأخضر بالليل نباتوا ساهرين
نغني ونحلم وفالصبح نخرجو متعانقين
نحلموا بموسم الحصاد
نجمعوا الصَّابا وخير البلاد
نديرو عرس ونولْدو أولاد
هكدا حُلْمنا كان يكبر
وفي يوم من الأيام
ولد شيخ البلاد.. على جوادو كان هوَّاد
شاف غزالي في الواد
خطفها وزاد
وخلا دمعي عليها هواد
ما قدرت عليها نصبر
وفي ليلة الفرح.. تألم قلبي».
سيوف الكراهية كانت مصفّدة في أغمادها رغم أن الخلافات السياسية بين البلدين اقتربت من الحرب. لأن الدنيا كانت خالية وبريئة من قاذورات السوشل ميديا
ثم تمضي القصة الحزينة إلى أن تشبه ملحمة «حيزية»
الجزائرية.
الكلمات السابقة بعض مقاطع أغنية «كان يا ما كان» لآخر عمالقة الطرب الكلاسيكي
المغربي، عبد الوهاب
الدكالي الذي توفي مؤخرا.
افتتن محبو الدكالي وطربه بـ»مرسول الحب» فظلموا «كان يا ما كان» و»الله لا يزيد أكثر» وقطع أخرى خالدة.
توقفت عقارب العشق عند «مرسول الحب»، لأنها صدرت (1972) قبل صدور «كان يا ما كان» (1985) فأعجزت الأغاني التي أتت بعدها وغطّت عليها.
لديّ قصة خاصة مع «كان يا ما كان». كنت في الجامعة في النصف الثاني من الثمانينيات عندما صدرت الأغنية وانتشرت بقوة خارقة. كان بيتنا يبعد عن كلية الإعلام في منطقة بن عكنون بأعالي العاصمة أقل من نصف الساعة بالسيارة على حواف المدينة. لكن بالمواصلات، وهو ما كان محتوما عليّ، فتضطر لدخول العاصمة بزحمتها الخانقة، ومنها رحلة أخرى إلى بن عكنون. مشوار يحتاج منك نصف يوم ثم تصل منهكاً.
من حسن حظي أن جارنا، لونيس، وكان مسيّرا في شركة عمومية كبرى، انتُدب لفترة إلى معهد الاقتصاد الجمركي، وهو معهد مرموق يقع في بن عكنون. سرعان ما بدأ يصطحبني في سيارته كل صباح فأزاح عني رحلة صباحية شاقة.
كان لونيس (رحمه الله – توفي قبل حوالي عشر سنوات) ذواقا للفن شغوفا بالكلاسيكيات، مفتونا بالأصوات المغربية وخصوصا الدكالي وعبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح وفتح الله لمغاري صاحب رائعة «والله ما انت معانا ولا دايرنا في بالك».
في الطريق إلى بن عكنون لا نتكلم أنا ولونيس كثيرا. ليس لقلة ما نتحدث فيه لكن لأن لديه ما هو أهم: كاسيت السيارة و»كان يا ما كان». أحيانا أخرى يتنازل فيفسح المجال لـ»مرسول الحب» أو «الله لا يزيد أكثر».
منذ ذلك التاريخ رسخت «كان يا ما كان»، بكل تفاصيلها، في ذاكرتي.
استثنائية الأغنية (كلمات الشاعر محمد الباتولي) أنها ليست مجرد كلمات جميلة على لحن جميل. استثنائيتها أن ملحنها (الدكالي نفسه) حوّلها إلى لوحة فنية رائعة. عندما تستمع إلى الإيقاع لا تستطيع منع نفسك من رؤية فارس متسلط يمتطي جواده ليختطف حسناء يافعة من حلمها عنوة عن نفسها وعن حبيبها.
كتابة الكلمات شيء، والرسم بالكلمات شيء آخر تماما. هنا عبقرية الباتولي والدكالي وتفردهما.
عندما نزل خبر ترجل الدكالي قفزت الأغنية إلى ذهني. عادت بي الذاكرة إلى لونيس وتلك الأيام كأنها صباح أمس.
أنتمي إلى جيل نُسجت طفولته وألحان الدكالي وبلخياط وناس الغيوان وجيل الجيلالة والمشاهب تصدح من حوله. إضافة إلى كبار المطربين الجزائريين.
لن أدّعي أن الفن البذيء الرديء لم يكن موجودا. لكن الفن النقي كان الغالب.
لا أنتمي إلى عائلة موسيقية أو فنية، لكنني أزعم أن الذوق العام، النقي السليم، الذي كان سائدا في محيطي القريب والأوسع كوّن لديّ ذائقة موسيقية أحمد الله عليها.
كان عمري أصغر من أن أستوعب الأغاني وأتذوقها، لكنني كنت أرى روعتها وما تجلبه من متعة في عيون شباب يكبرونني سنّاً في محيطي والجوار.
وفي مرحلة لاحقة من العمر، غير بعيدة، أصبحت أحدهم.
ما أن انتشر خبر رحيل الدكالي حتى بدأت تصلني من زملاء وأصدقاء مغاربة مواد فلمية وصور عنه ومن أغانيه. لم يكن في تلك المواد ما أجهله، لكنها فتحت بيننا نقاشا حول إرث الراحل وتأثيره، واتفاق على أنه عملاق.
قلت لبعضهم: صوته كان حاضرا بحب وود واحترام في بيوت الكثير من الجزائريين طيلة عقود. وفي المقاهي الشعبية وفي تاكسيات الأجرة. وحتى في خلوة الحشاشين والمغرومين والمحرومين.
قالوا: كذلك كانت أصوات الحاج رابح درياسة والحاج محمد العنقى والهاشمي قروابي وسلوى وأحمد وهبي وبلاوي الهواري في بيوت العائلات المغربية.
في تلك السنوات لا أحد صاح أن «نجمة قطبية» أو «ما نحكي وما نشتكي» للراحل رابح درياسة مغربية. ولم يفكر أحد في القول أن «الله يا مولانا» لفرقة ناس الغيوان جزائرية. لأن سيوف الكراهية كانت مصفّدة في أغمادها رغم أن الخلافات السياسية بين البلدين اقتربت من الحرب. لأن الدنيا كانت خالية وبريئة من قاذورات السوشل ميديا، ومن مجاهديها. وكانت خالية من لصوص الأغاني والذئاب التي تعوي في المسارح. المطرب لا يغني إلا ما له، ولا أحد يعيد تدوير أغنية أقدم من عمره معتقدا أن الناس سذج لا يعرفونها.
سرقة الأغاني والجهل بأبسط حقوق التأليف والمؤلف أصبحت صناعة قائمة بذاتها. مطربون راكموا ثروات هائلة من السرقة ولم يكتبوا أغنية واحدة طيلة عقود. لحسن حظ الدكالي أن أغانيه (في ما أسمع على الأقل) لم تُسرق. هذا ليس لقلة اللصوص أو توبتهم، وإنما لأن اللوحات الرائعة عصية على اللصوص قليلي الخبرة وعديمي الصبر.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.